مسافة أمان.. مثل سنونو الشام وأكثر

كاتبة، ناقدة وباحثة سينمائية . شاركت في تأسيس صحيفة الأسبوع المصرية وكتبت في مجالات عدة بها وشغلت منصب رئيس قسم الفن ونائب رئيس التحرير.
١١ مايو ٢٠١٩ - ١٠:٢٢ ص
فيلم-غزل-البنات-ليلى مراد
فيلم-غزل-البنات-ليلى مراد
بعد يوم طويل من اللف والدوران على دروب دمشق، سهرت ليلة أطول مع سؤالي البليد: هل بدت خطواتي الصغيرة مرتبكة، حائرة تدور حول نفسها وأنا أعبر الشوارع؟ يُحتمل كنت حمقاء أكثر من اللازم حين وقفت صامتة أتطلع إلى نصب السيف الدمشقي في ساحة الأمويين، كما لو كنت مجرورة جرا بألوان الطيف في زجاجه المعشق، وإلا لماذا التفت نحوي هؤلاء الشباب الواقفون في الجهة الأخرى بدهشة جماعية كأنني جئت إليهم من زمن آخر؟!.. لم يعرف هؤلاء ولا كان يمكن أن يخطر على بالهم أنني سلمت نظري وقلبي لهذا السنونو الوحيد الذي يطير منفردا في كل الجهات، أبتغي إجابة لأسئلتي: هل تراه يصرخ ويهتف: ما زلت حيا، أو أنه ينبش عن طريقة للوصال مع الحياة؟.. ربما كان يصنع مسافة أمان بينه وبين العالم!
رحت في هذه الليلة الطويلة أنفض عني كل الأسئلة وأفتش عن فيلم أبيض وأسود قديم، أي فيلم يطل من شرفة الذاكرة بما يليق بتلهفي للهدوء، واخترت "غزل البنات" (1949) إخراج أنور وجدي؛ على سبيل النوستالجيا والحنين إلى نزعة إنسانية كتلك التي طُبع بها الفيلم، حسنا، أنا أيضا أردت أن أصنع في هذه اللحظة مسافة أمان تفصلني
كل مقالات الكاتب

يسأل القاضي زين الطفل الذي يمثل أمامه: لماذا تريد مقاضاة أهلك؟ يرد زين: لأنهم خلفوني..! إجابته كالخنجر، تبدو فلسفية، ينعكس أثرها على الوجوه الواجمة قبل أن تنسل جوهريا إلى القلوب الممزقة من الأساس، لولا الأسئلة: هل هذه الإجابة الملغمة بتأويلات عدة هي اختصار بدَهي للواقع المبتلى، التعس، المعدم تقريبا؟ أم هي محصلة لما حاولت المخرجة اللبنانية نادين لبكي أن تبرهنه على طريقتها؟ قبل أن تجمع أشلاء حياة هذا الصغير، القانط، الذي يحمل على أكتافه هموم الفقر والفقراء في "كفر ناحوم"، فيلمها الروائي الثالث، المعروض حاليا في القاهرة، محققا 150 ألف جنيه في أسبوعه الأول، والحائز جائزة لجنة التحكيم في مهرجان كان الماضي، والذي شارك كذلك مؤخرا في سباق أوسكار أفضل فيلم أجنبي. هل قدمت "لبكي" فيلما يبين كيف وصل هذا الطفل إلى هذه المحاكمة؟ هل أدركت أن الصغير بطل فيلمها يصلح لأن يكون رمزا لكثيرين أمثاله، ضاعت أقمار طفولتهم وهم يركضون في شوارع قاسية، أطفال ولدوا لأهل نازحين، مهاجرين، فقراء، تزوجوا وأنجبوا أطفالا بائسين هم أيضا؟ هل علمت أن الفقراء مثل كل الناس ينجبون؟ هل، وهو الأهم، استوعبت أن الفقراء المفلسين ليسوا فصيلا اختياريا في هذه الحياة؟ لم يصطفوا العوز والشقاء والضنك، بل وجدوا أنفسهم نبضا ولحما ودما ونخاعا في عظام الفقر، هل فطنت قبل أن تصنع فيلمها، لغياب العدالة الاجتماعية في هذا العالم القاسي الذي لا يرحم الضعفاء؟

قال لي صديق عن الذباب "لا تستهيني بالذبابة ولا تقللي من شأنها أبدا"، حين حادثته عن بشر متلصصين، لزجين لدرجة القرف، ثم استطرد يشرح لي كيف أن ذبابة واحدة قد تكون أفضل من هؤلاء البشر الذين أحكي عنهم، يا إلهي! من أين أتت له حكمته المفاجئة هذه، ومن أين أقبلت علي أيضا هذه الذبابة التي تلازمني منذ دخولي غرفتي في فندق المنتجع الكبير المطل على النيل بأسوان؟ إنها تطاردني وتحط على أنفي كل صباح، كأنها تهزه كي أستيقظ؛ صارت المنبه المفروض علي طوال فترة إقامتي هنا، وفشلت محاولات عمال النظافة في ملاحقاتها والإمساك بها، على الرغم من تأكيدهم أن الأمر على ما يرام وأنها اختفت تماما، فإذا بها تفاجئني في اليوم التالي كما لو أنها تتحداني وتراقب انفعالاتي وهي تحوم حولي بأزيزها الغليظ، المرهق، يبدو أنها خزنته على مدار الليل من أجل هذه اللحظة. إذن لن أغتاظ ولن أنشغل بها كما صديقي الذي يفلسف وجودها في الحياة من الأصل، ولن أسأل أبدا عن مصدرها، وسأكون متسامحة جدا كما كنت من قبل حين انتظرت في بهو الفندق أكثر من ثلاث ساعات، لا أستطيع أن أتسلم غرفتي لأن الكهرباء مقطوعة في بلد السد العالي، وبالتالي فإن "السيستم واقع"، حسب رد موظف الاستقبال الذي أجابني أيضا عن سؤالي: "ليه ما بتشغلوش المولد الكهربائي؟"، قائلا: "إحنا بنقوّمه يا أفندم"!