loading...

مقالات

أخلاق فتوات حارتنا

أخلاق فتوات حارتنا


عزيزى المواطن الغلبان، أخلاقك الزفت تجعلك تستحق ظروفك الهباب! هذه هى الرسالة التى توجهها لك "حملة أخلاقنا" التى تقول دون مواربة: دعنا نحاول الارتقاء بأخلاقك وعندما تفشل المهمة ستكون أنت السبب فى كل ما جرى، وكل ما سيجرى لك، لأن انهيارك الأخلاقى هو الذى يجلب لك الشقاء!

أما عن أخلاق النظام الحاكم ورجاله فهى رفيعة بلا شك ولا تحتاج مطلقًا إلى محاولة الارتقاء بها! ستفشل المهمة بالطبع يا سيدى لغياب الموضوعية عن اختيار الحل الصحيح للمشكلة، والسبب فى ذلك الاختيار الخاطئ احتمالان لا ثالث لهما. سوء النية أو الغباء.

دعونا نفترض الغباء فى منظمى تلك الحملة حتى لا نفتش فى ضمائر الآخرين، ودعونا نشرح لهم أن التحلى بالأخلاق الرفيعة غاية تسعى كل المجتمعات الإنسانية للوصول إليها، بشرط أن يتم رفع شعارها فى مكانه الصحيح تحت مظلة العدل، لأن العدل هو الوعاء الذى يحتوى كل القيم الأخلاقية فى داخله ويمهد بوجوده لوجودها.

ربما تختلف الرؤى السياسية من مجتمع لآخر وتتغير مناهج تطبيقها، ولكننا نأخذ موقفًا مبدئيًّا من تلك الرؤى، ومن أصحابها، بقدر اقترابها أو ابتعادها عن العدل. الأخلاق ليست مجموعة من القيم تحيا وتتنامى فى الفراغ، بقدر ما تمثل انعكاسًا طبيعيًّا لأنساق اجتماعية غير ظالمة تتيح لها الازدهار.

قد يظن كثيرون أننا نربط ازدهار الأخلاق بالخلاص من الفقر، فيتسرعون فى الرد علينا قائلين بأن هناك مجتمعات يرتفع فيها مستوى المعيشة وتغيب عنها الأخلاق، ولهم نقول معكم كل الحق لأن الخلاص من الفقر وحده لا يعنى ازدهار الأخلاق.

فالفقر أحد أوجه الظلم المتعددة كالقهر والتجهيل ونقص الحريات وانعدام الشفافية واضطهاد المرأة وتمجيد الديكتاتورية وتبريرها، وغيرها من العوامل التى يؤدى حضورها إلى انهيار الأخلاق، ولا يمكن التخلص منها إلا بالعدل الذى يصنع وجوده مناخًا ملائمًا لازدهار الفضائل.

قضيتنا الجوهرية أن هناك من يعكسون الآية ظنًّا منهم أن الارتقاء بالأخلاق يمكن تحقيقه بالوعظ فقط فى غياب كامل للعدل. بصراحة يجب عليهم أن يخجلوا من أنفسهم، لأنهم هكذا يضعون العربة عامدين أمام الحصان. تريدون حملة لإيقاظ أخلاق المجتمع؟ توجهوا بها للظالم القوى قبل المظلوم الضعيف، واجتهدوا لإيقاظ ضميره، لأن السعى للعدل أهم خطوة على طريق الوصول إلى الأخلاق الرفيعة.

تحيز السلطة للفاسدين والقتلة ليس من الأخلاق الحميدة. الفُجر فى خصومة الشباب الثورى واستخدام الحبس الاحتياطى ضده كعقوبة فى حد ذاتها ليس من مكارم الأخلاق.

كيف تطلب من شاب تم اعتقاله أكثر من عامين لمجرد ارتدائه تيشيرتًا عليه عبارة "وطن بلا تعذيب" أن يتحلى بالأخلاق الرفيعة؟ ولا تطلب ممن يظلمه أن يتحلى بها! هل تعتبر شهادات الزور التى لقنها المجلس العسكرى للصحفية حنان خواسك وأخواتها، لإدانة الأبرياء فى قضية ماسبيرو وأبطلتها المحكمة، عملاً يندرج تحت بند سمو الأخلاق؟ العدل هو الذى يسمو بأخلاق المواطنين، وتحقيقه يكون بيد السلطة التى يزداد ابتعادها عنه كلما ازداد انهيار أخلاقها.

كيف لنخبة مثلكم ترفع لواء الفضيلة أن تقبل الظلم الواقع على الضعفاء وتتعايش معه وتبرر له ثم تتهمهم فى أخلاقهم؟ قديمًا فى مصر الفاطمية إبان الشدة المستنصرية أجبرت المجاعة الأثرياء على مقايضة الذهب بالدقيق، وكثرت جرائم القتل والاختطاف والسرقة بصورة غير مسبوقة، ولو انبرى وقتها رجل حكيم ليعظ الناس فى الطرقات عن ضرورة التحلى بالأخلاق الرفيعة لأكلوه نيئًا على الفور.

مطالبة المظلوم الجائع بالتحلى بالأخلاق قبل مطالبة الظالم المتخم بالتخلى عن الظلم، لا تخرج إلا من قلوب وعقول لا يخجل أصحابها من دهسهم لرقبة المنطق بالأحذية، مثلما فعل عمرو خالد عندما ظهر على الشاشة مع منى الشاذلى ليلة دهس المسيحيين بالمدرعات فى مذبحة ماسبيرو، ليتباكى بخطابه العاطفى الرث مناشدًا المواطنين المسلمين أن يحتضنوا جيرانهم المسيحيين، ومتجاهلًا تمامًا مجرد التوجه، ولو بإشارة عابرة، إلى جريمة السلطة السياسية، وتواطؤ إعلامها الكاذب الذى حرَّض المسلم على الهواء لكى يقتل أخاه المواطن المسيحى الأعزل دفاعًا عن قواته المسلحة!

الشخص الذى يتوجه بخطاب عاطفى ليطالب ضحية بمواساة ضحية مثلها، ولا يلوم الجانى بكلمة واحدة، لا تتعجب عندما تجده يطالب المظلوم بتحسين أخلاقه قبل أن يطالب الظالم بالكف عن الظلم!

"حملة أخلاقنا" الرومانتيكية الجوفاء، التى تم استبعاد عمرو خالد من صفوفها لتصفية حسابات بين منتفعين، تتوافق أهدافها بالطبع مع أمزجة مَنْ يرون أن الثورة انحدرت بأخلاق المصريين، متجاهلين أن السمكة تفسد من رأسها، وأن الرئيس الذى يدينه حكم نهائى بات بسرقة المال العام لا يحق لمن ناصروا نظامه، ولا يزالون يناصرون مَنْ يمثلون امتدادًا لنظامه حتى الآن، القيام بوعظ شعبهم بضرورة التحلى بطهارة اليد!

أيها السادة أصحاب تلك الحملة العاطفية غير المنزهة عن الغرض، قبل أن تنصحوا البلطجى الذى يرتزق حاملًا سنجته بأن يكف عن البلطجة، توجهوا بحملتكم إلى أجهزة النظام التى دأبت على استخدام البلطجية ضد خصومها فى وقفاتهم الاحتجاجية، قبل الثورة وبعدها، وفى تفريق الاعتصامات، ولمنع المعارضين من الإدلاء بأصواتهم فى دوائر انتخابية بعينها تحت سمع وبصر الأمن بل وبرعايته.

قبل أن يؤلمكم تدنى أخلاق العوام ليتكم تتألمون لانعدام أخلاق بلطجية الإعلام ممن تقطر ألسنتهم بذاءة وعهرًا، ويعرضون فى برامجهم أشرطة سجلتها أجهزة أمنية تفضح خصوم النظام بلا خوف من عقاب، بل ويصدر ضد أحدهم حكم قضائي يتعطل تنفيذه عندما يتم اختياره ليسافر مع رئيس الجمهورية فى جولاته الخارجية! قمة الأخلاق يا أخى!

ليتكم تعملون على تحسين أخلاق من يضربون بعصاهم الغشوم بدلاً من الإصرار دائمًا على تحسين أخلاق من تهبط الضربات على رؤوسهم! حماسكم لهذه الحملة أقل ما يقال عنه، تأدبًا، إنه محاولة حمقاء لتهذيب الضحية. وفروا جهودكم لمن يريقون دماء العدل ويرتزقون حرامًا بسفالتهم لكى لا يصدق عليكم قول محفوظ معلم حارتنا الأكبر.. الشيطان يعظ.