loading...

مقالات

مشتل المعلم أرسطو للأخلاق!

مشتل المعلم أرسطو للأخلاق!


الارتقاء بأخلاق المجتمع أعقد بكثير من التصور الساذج لحملة "أخلاقنا" التى تتم تلبية لطلب رئيس الجمهورية بتشكيل لجنة لإعادة تنمية الأخلاق وزراعتها بشكل جيد فى المجتمع، وفقا لكلماته، وكأنها "قصارى" فخارية بها شتلات نباتات يمكن شراؤها من مشتل الأخلاق الحميدة الذى يديره المعلم أرسطو صاحب كتاب الأخلاق!

الإنسان ليس "كمبيوتر"، والأخلاق ليست "سوفت وير" يتم تزويد المواطن به ليتصرف بطريقة مختلفة بعد تحميله بالبرامج الجديدة "وتستيبها" كما يقول الشباب عند تفعيل برامج الكمبيوتر. هذه الدعاوى التى تتكرر كل آن وآخر تقوم بتشخيص أمراضنا الاجتماعية بطريقة خاطئة وتكتب لها روشتة علاج وهمية. كانت البداية مع أنور السادات الذى ابتدع فكرة العودة لأخلاق القرية لحل مشكلات التنمية، وطرح حملة شهيرة فى سبعينيات القرن الماضى تمخضت عن لا شىء. كان عنوانها: إعادة بناء الإنسان المصرى. أيامها سخر فنان الكاريكاتير الكبيرالمرحوم صلاح الليثى من تلك الحملة ورسم رجلاً مذهولاً رث الثياب تخرج منه علامة تعجب كبيرة وهو يقف أمام لوحة إعلانية ضخمة مرتفعة مكتوب عليها ما يلى: المقاولون العرب - عثمان أحمد عثمان وشركاة - عملية إعادة بناء الإنسان المصرى! ليضرب الليثى بسخريته المزدوجة عصفورين بحجر واحد. أولهما سذاجة الفكرة، وثانيهما الإشارة إلى ارتباط انهيار الإنسان المصرى بالفساد متمثلاً فى إرساء أغلب مقاولات الدولة أيامها على شركة المقاولون العرب التى كان رئيسها صهرًا للسادات.

بالطبع تم وقتها إيقاف صلاح الليثى عن العمل فى مجلة "روز اليوسف" وتعرض لمضايقات أمنية قبل عودته للرسم على صفحاتها مرة أخرى. فالدولة التى تدار بالفهلوة تسعى دائما إلى تلبيس مصائب سوء إدارتها للمواطن الغلبان. ضعف الإنتاج فى مفهومها سببه أن المواطن لا يعمل بذمة وليس بالطبع لغياب الخطة الواضحة المدروسة التى تتبناها الحكومة وتشرع فى تطبيقها، والتى تتجاهل عادة أن كثافة الإنتاج وجودته مسؤولية الدولة، لأنهما يمثلان انعكاسا مباشرا لخطة العمل وحسن الإدارة وتدريب العاملين. 

أتمنى أن تكون مقالتى السابقة، بالإضافة إلى ما كتبته للتو قد أوضحا لكم أن من يريدون قيادة المجتمع للوصول إلى الأخلاق يدعمون الديكتاتورية وغياب العدل واستشراء الفساد بقصد أو بدون. أو هم أشخاص لا ترقى ثقافتهم المحدودة إلى فهم كتاب أرسطو عن الأخلاق برؤية فلسفية صحيحة، تدعمها قراءة التاريخ وتلخصها عبارة واحدة: "الأخلاق لا تنمو إلا فى بيئة يهيمن عليها العدل، لأنه الوعاء الذى يحمل بداخله كل القيم والفضائل". تجهيز هذه البيئة مسؤولية الحكومة لا مسؤولية الفرد، لأنها تملك بيدها مفاتيح السلطة التى لا يملكها غيرها. فعندما تنهار الأخلاق فى مجتمع فإن هذا يعنى أن العدالة غابت عنه قبل انهيارها.

قيم الفلسفة الثلاث هى الحق والخير والجمال، وعلم الأخلاق لأرسطو يدور حول تفعيل تلك القيم. فالحق هو القيمة العليا فى تلك المنظومة الأرسطية، لأنه يحتوى بداخله على القيمتين الأخريين. فالحق خير والحق جميل، بينما الخير والجمال لا يحتويان الحق. والحق لا يمكن الحصول عليه دون عدالة. إذن فلا يمكن الوصول للخير والجمال ومن ثم للأخلاق بدونها. هل رأيتم؟

إعمال المنطق الأرسطى يقودنا إلى استحالة الوصول إلى الأخلاق إلا بالعدل. والنظام الذى يكذب على الفقير دائما ويعده برخاء لا يتحقق، لأن مشاريعه التنموية إما فنكوشية، أو تصب عوائدها فى جيوب المحاسيب.. نظام يفتقر إلى الأخلاق. النظام الذى يداعب أحلام المرضى بعلاج وهمى يستند إلى أكاذيب نظام يفتقر إلى الأخلاق.

النظام الذى يصادر الحريات ويستخدم رجل الدين ورجل الشرطة لوأد أى حراك يطالب بحقوق دستورية مشروعة.. نظام يفتقر إلى الأخلاق. النظام الذى يهدر الدستور والقانون ويقوم بمضاعفة أعباء الفقير لتحميله فاتورة الانهيار الاقتصادى الناتج عن سوء إدارته.. نظام غير أخلاقى. من الهزل أن يلقى نظام غير أخلاقى بمسؤولية فشله على شماعة غياب أخلاق المواطن! النظم التى تفتقر إلى الأخلاق فى خصومتها مع الشباب وتمنح كلابها المدربة سليطة اللسان المناصب القيادية والنوافذ الإعلامية وتطلقها لتنهش لحم معارضيها يجب أن تسعى لتحسين أخلاقها أولا قبل أن تتحدث عن الارتقاء بأخلاق العوام. أقول لكم؟ أبعدتم عمرو خالد؟ لم لا تضعوا مكانه مرتضى منصور فهو أنسب شخص لقيادة حملتكم بصفته مقرر لجنة "حقوق أم الإنسان" فى برلمانكم؟!

شكّلوا لجنة للارتقاء بأخلاقكم وسياساتكم، فالمبادرة يجب أن تكون من طرفكم حتى نخرج كلنا معًا من مستنقع الدولة رثة الأخلاق.

مشتل الحاج أرسطو لزراعة الأخلاق الرفيعة لا يوجد إلا فى خيالكم.