loading...

أخبار مصر

من «لحوم المخابرات» إلى «ألبان الجيش».. الاقتصاد العسكري يواصل توسعه

سيارة تابعة للقوات المسلحة تبيع اللحوم والدواجن

سيارة تابعة للقوات المسلحة تبيع اللحوم والدواجن



كتب - محمد شرف الدين

بينما كان عشرات المواطنين يقطعون كورنيش شبرا بالقرب من معهد ناصر للبحوث والعلاج، احتجاجًا على عدم توافر ألبان الأطفال وارتفاع أسعارها، أول من أمس الخميس، خرج وزير الصحة، الدكتور أحمد عماد الدين، معلنًا اعتزام القوات المسلحة ضخ 30 مليون عبوة لبن بالأسواق، بسعر 30 جنيهًا للعبوة الواحدة.

وفي الوقت الذي أذاع فيه الوزير الخبر كمن جاء بالبشرى بعد الضيق وباليسر بعد العسر، رأى البعض الأمر في سياق توسيع القوات المسلحة والمخابرات العامة لأنشطتهما الاقتصادية في الآونة الأخيرة بشكل لافت للنظر.

"سنقاتل على مشروعاتنا، هذه معركة لن نتركها، عرقنا طوال 30 سنة لن نتركه لأحد آخر ليدمره، لن نسمح للغير أيًّا كان بالاقتراب من مشروعات القوات المسلحة".. هكذا قال نصًّا مساعد وزير الدفاع للشؤون المالية وعضو المجلس العسكري، اللواء محمود نصر، خلال ندوة نظمها المجلس في 27  مارس 2012 تحت عنوان "رؤية للإصلاح الاقتصادي"، وذلك ردا على مطالبات بإخضاع النشاط الاقتصادي للجيش للرقابة البرلمانية.

وفيما يتعلق بانتقاد بعض خبراء الاقتصاد لإعلان القوات المسلحة منحها قرضا بقيمة مليار دولار للبنك المركزي، مشيرين إلى غياب الشفافية حول مصدر هذه الأموال، قال اللواء في ذات الندوة: "هذه ليست أموال الدولة وإنما عرق وزارة الدفاع من عائد مشروعاتها، لقد شاركنا في مشروع لتطهير الكويت من الألغام وفي إحدى عمليات الأمم المتحدة، وهو ما أدر ملايين الدولارات، هذه ليست أموال الدولة ولن نسمح للدولة بالتدخل فيها، لأن هذا التدخل سيخربها".

ورغم مرور أكثر من 4 أعوام على هذه التصريحات فإنه لا يبدو أن الكثير قد تغير في هذا الصدد، باستثناء تشعب وتوسع هذه المشروعات التي تحدث عنها اللواء محمود نصر، وتمددها بشكل غير مسبوق في الفترة الأخيرة، حتى شملت قطاعات جديدة لم تعمل بها من قبل، ويبدو أن ألبان الأطفال لن تكون آخرها.

«الكحك»

شهد يوليو من عام 2014 إعلان القوات المسلحة لأول مرة عن شروعها في إنتاج حلوى العيد، المتمثلة في "الكحك" و"البسكويت".

انتشرت لافتات دعاية لأحدث منتجات الجيش المصري بشوارع القاهرة الكبرى، حاملةً توقيع "دار الأسلحة والذخيرة"، والتي صرح مسؤول إدارة الحفلات بها، محمد حجازي، في 18 يوليو 2014، بأنها المرة الأولى التي تطرح فيها الدار حلوى العيد للمواطنين.

لكن ضابط برتبة عقيد، بدار الدفاع الجوي، أكد حينها أن الأخيرة تبيع "الكحك" و"البسكويت" بصفة مستمرة كل عام عبر أحد منافذها بحي مصر الجديدة.



«التكييفات»

في 29  يونيو الماضي أعلنت القوات المسلحة عن باكورة إنتاجها من التكييفات، التي جرى تجميع مكوناتها بمصنع "360 الحربي" في حلوان، بالاشتراك مع شركة "Galanz" الصينية.

وصرح رئيس مجلس إدارة المصنع، المهندس درويش مصطفى، في27 يوليو، بأن القوات المسلحة نجحت في إنتاج 5500 تكييف حتى هذا الحين، طُرح منها 4000 جهاز بالأسواق، مشيرًا إلى قدرة المصنع على إنتاج 40 ألف تكييف سنويًا، مع اعتزام القوات المسلحة زيادة هذا العدد.



«مطاعم الجامعات»

يوم الثلاثاء الماضي، صرح الدكتور محمد عثمان، نائب رئيس جامعة القاهرة لشؤون التعليم والطلاب، بأن الجامعة تعاقدت مؤخرًا مع القوات المسلحة لـ"الإشراف على خدمات الطعام والمطابخ بالمدن الجامعية"، موضحًا أن الجامعة عقدت مفاضلة بين عدد من الهيئات، لكن القوات المسلحة فازت بها في النهاية "نظرًا لجودتها في أداء الخدمة، وتقديمها أفضل المنتجات بأقل الأسعار، فضلًا عن الالتزام في العمل"، على حد تعبيره.

«مراكز التجميل»

افتتح رجل الأعمال، ساهر الجندي، في 13 مايو الماضي "بيوتي سنتر" بدار المشاة، وهو ناد من أندية القوات المسلحة، وذلك بحضور عدد من الفنانين.



«المدارس الدولية»

في مطلع الأسبوع الماضي طفت على السطح سلسلة "مدارس بدر الدولية"، التي أعلنت عبر موقعها الرسمي تبعيتها للقوات المسلحة، كما نشرت صورًا تظهر ضباطًا بالجيش خلال مشاركاتهم في فعاليات المدارس، وهو ما بدا تطورًا جديدًا فيما يتعلق بمشروعات القوات المسلحة الاقتصادية.

جاء هذا بعد شهرين فقط من إعلان وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، الهلالي الشربيني، في 16 يونيو الماضي، وقف قبول طلبات التراخيص لإنشاء المدارس الدولية بشكل مؤقت، لحين الانتهاء من دراسة الطلبات المُقدمة قبل صدور هذا القرار، وحتى وضع ضوابط جديدة لتنظيم عمل هذه المدارس.





«المخابرات واللحوم»

ربما لا يُعد الأمر جديدًا فيما يتعلق بالقوات المسلحة، التي شرعت منذ ما قبل ثورة 25 يناير في ضخ كميات كبيرة من اللحوم لبيعها في الأسواق، لكن ما مثل مفاجأة كبيرة - وربما صدمة - في نظر البعض هو اقتحام المخابرات العامة لسوق تجارة اللحوم في الآونة الأخيرة، حتى إن كان المبرر هو "رفع المعاناة عن البسطاء".

وكانت المخابرات قد عملت خلال يونيو الماضي على توزيع "شنط رمضان"، لكن تحت شعار "المحروسة" دشن "الجهاز السيادي"، في 23 من أغسطس الماضي، 12 منفذًا لبيع اللحوم البلدية والسودانية بـ"أسعار مخفضة"، في محافظة الدقهلية، حيث وصل سعر كيلو اللحم في منافذ المخابرات إلى 55 جنيهًا، كما دشن الجهاز أيضًا 6 منافذ أخرى للسلع الغذائية المدعمة.



«الجيش والاقتصاد»

من جانبه، يرى الدكتور هشام إبراهيم، أستاذ التمويل والاستثمار بجامعة القاهرة، أن الأنشطة الاقتصادية ليست وظيفة الجيش أو دوره، لكن البلاد تحتاج إليها في الوقت الحالي، في ظل عدم كفاءة أجهزة الدولة، وعدم قيام الحكومة بمهامها في ضبط الأسواق.

وحول ما إذا كان التوسع الاقتصادي للقوات المسلحة يشكل خطرًا على القطاع الخاص، قال "إبراهيم" إنه لا يصح أن تنافس الدولة رجال الأعمال، لكنه اعتبر أنهم هم من يستدعون الجيش لهذه المنافسة، بسبب عدم عملهم لصالح البلاد، رافضًا تغليب ما اعتبرها "مصالح فئة صغيرة" على مصالح الشعب ككل، حتى إذا كان هذا الأمر قد يؤثر سلبًا على العمالة في الشركات الخاصة.

«الخدمة الوطنية»

 أنشأ الرئيس الراحل، محمد أنور السادات، "جهاز مشروعات الخدمة الوطنية" بقرار جمهوري عام 1979، وذلك بهدف "تحقيق الاكتفاء الذاتي النسبي من الاحتياجات الرئيسية للقوات المسلحة، لتخفيف أعباء تدبيرها عن كاهل الدولة، مع طرح فائض الطاقات الإنتاجية بالسوق المحلي، والمعاونة في مشروعات التنمية الاقتصادية بالدولة"، كما يتحدث الجهاز عن نفسه عبر موقعه الرسمي.

يُمثل جهاز "الخدمة الوطنية" المظلة التي تعمل تحتها جميع شركات القوات المسلحة ومشاريعها الاقتصادية، وهي: "شركة النصر للكيماويات الوسيطة - شركة العريش للأسمنت - الشركة الوطنية للبترول - الشركة الوطنية لإنتاج وتعبئة المياه (صافي) - شركة مكرونة كوين - الوطنية لاستصلاح وزراعة الأراضي (شرق العوينات) - النصر للخدمات والصيانة (كوين سيرفيس) - شركة مصر العليا للتصنيع الزراعي - قطاع الأمن الغذائي - مصنع إنتاج المشمعات البلاستيك".

على الجهة الأخرى، يرى الكثير من العاملين بالقطاع الخاص أن التوسع الاقتصادي المطرد للجيش يتناسب عكسيًا مع إمكانية نجاح العديد من المشروعات الخاصة، في ظل انعدام التنافسية بين منتجات القوات المسلحة وغيرها، حيث يتمتع الجيش بامتيازات عديدة من أهمها استخدامه لعمالة مجانية -أو شبه مجانية- متمثلةً في الجنود الذين يمثلون عصب العمل بمزارع ومصانع الجيش.

كما يثير هذا التوغل العسكري في شتى مجالات الاقتصاد مخاوف بالنسبة لبعض المراقبين، فيما يتعلق بإمكانية استقدام الاستثمارات الأجنبية لمصر، والتي ربما لن تجد البيئة الخصبة في ظل تمتع الجيش بالحظ الأوفر بالسوق المصري، في ذات الوقت الذي تعاني فيه البلاد أكبر أزمة في "العملة الصعبة" على مدار تاريخها.