loading...

ملفات

ملفات التحرير| «التسول» الوجه القبيح لمصر

التسول

التسول



تحقيق / صابر العربي ومحمود عثمان

ظروف اقتصادية طاحنة تشهدها مصر في هذه الآونة، وتمر الأيام وتزداد الظروف فى السوء، بينما هذا الأمر يتعايش معه ملايين المصريين، آملين فى غد أفضل، بينما نجد من استغلوا الظروف الاقتصادية بشكل آخر، للحصول على مكسب سريع، من خلال ظروفهم ليست الاقتصادية فقط، ولكن يضاف إليها ظروفهم المرضية والمعيشية والاجتماعية، لتحصيل المال عبر "التسول"، وهي الظاهرة المنتشرة فى ربوع مصر، وتعد وجها قبيحا لمصر أمام العالم، وهو ما دفع "التحرير"، للتعمق في إجراء تحقيق عن ظاهرة التسول في مصر.

بيزنس المتسولين

"التحرير" رصد البيزنس الخفي بين أباطرة التسول، وأصحاب الأكشاك وعمال البنزينة، وأصحاب المخابز، حيث يقومون في نهاية كل يوم عمل باستبدال المئات من العملات المعدنية بمختلف فئاتها بعملات أخرى ورقية.

"الـ100جنيه بـ90".. كلمات جاءت على لسان رجل  في العقد السادس من عمره، يدعى "عبد العظيم.ك"، هذا العجوز يمتلك كشكًا صغيرًا لبيع السجائر والعصائر بطريق مصر أسيوط الزراعي، وأكد أن بيزنس استبدال النقود بين المتسولين وأصحاب المهن الحرة قائم منذ قديم الزمان، وتابع ضاحكًا: "الشحاتة بتتورث.. والبقالة بتتورث".

موضحًا أن مهنته ورثها أبا عن جد، ومنذ عمله بهذا الكشك وهو طفل لم يتعد عمره عشر سنوات، كان يرى المتسولين يأتون كل ليلة من المدن المحيطة لاستبدال حصيلة يومهم من الأموال، وكانوا في الماضي يستبدلونها بنفس قيمتها، بل إن هناك تجارا كانوا ينتظرون صفقة التبادل هذه بفارغ الصبر، معلقًا "كانت الفكة قليلة.. والشحاتين كمان كانوا مش كتير زي دلوقتي".


وأضاف عبد العظيم، "دلوقتي بنبدلها بأقل من قيمتها، والناس السريحة بيكونوا راضيين ومبسوطين ع الآخر"، وتابع "الفكة اليومين دول كتيرة.. ومافيش صاحب محل أو عامل في بنزينة مجبر أنه يبدل الفكة دي بفلوس ورقية فئات كبيرة، لكن إحنا بنبدلها عشان فرق 5 جنيه في الـ100 جنيه". 

وخلال جولته، التقى التحرير، "وليد عصام"، 29 سنة، عامل بإحدى محطات الوقود، الذي أكد حرص المتسولين على سرية عملية الاستبدال التي تتم بصورة شبه يومية، لتكون بعيدا عن أعين زبائن البنزينة، وركاب سيارات الأجرة التي تمر للتموين، حتى لا ينكشف سرهم، ويفقدون تعاطف الناس معهم، حسبما أكد له أحدهم.

وتابع: قبل أن ينتفض واقفًا "الناس دي بيكسبوا فلوس أكتر من كارتة الحكومة اللي على الطريق، ومش بيبان عليهم النعمة أبدًا، حتى لو معاهم ملايين".

مصدر أمني بمديرية أمن الجيزة، أكد لـ"التحرير" أن هناك متسولين يستبدلون في اليوم الواحد أكثر من 20 ألف جنيه عملات معدنية فقط، دا بخلاف العملات الورقية، لأن التسول دايما ما يكون عمل جماعي، وهناك نماذج عديدة لهذا العمل المشترك، فهناك رب الأسرة الذي يجمع حصيلة اليوم من زوجته وأولاده، ونموذج آخر يجسده أباطرة التسول الذين يقومون بـ"تسريح" الأطفال والفتيات للتسول أمام المولات الشهيرة بالمناطق والأحياء الراقية، أو شوارع وسط القاهرة، أو عصابات نسائية مكونة من 5 أو 6 سيدات ومعهن أطفال، وفي النهاية يقمن بجمع حصيلة عملهن طوال اليوم لاستبدالها أو استبدال جزء منها.

وأضاف المصدر: على الرغم من توالي الحملات الأمنية لضبط محترفي مهنة التسول، فإن هناك الكثير منهم يتوافدون من محافظات الصعيد ومن القرى الفقيرة بجنوب الجيزة، وهو ما يجعل مهمة رجال الأمن أكثر صعوبة.

وأكد المصدر أن الأجهزة الأمنية نجحت قبل بدء شهر رمضان الكريم، في ضبط العديد من القضايا، منها ضبط أحد أباطرة التسول في محافظة القليوبية ويعمل "قهوجي" يدعى "خليفة.د"، 57 عامًا.

حيث استغل عددا من الأطفال للعمل بالتسول واستجداء المارة، مستغلا فقر ذويهم وحاجتهم الشديدة إلى المال للمعيشة، واتخذ من المقهى بمنطقة المؤسسة دائرة قسم أول شبرا الخيمة، وكرًا لممارسة ذلك النشاط وإيوائهم.

وكانت المفاجأة حين كشفت التحقيقات وقتها أن هناك شريكا لصاحب المقهى يدعى الشيخ شبل، حيث شارك المتهم استغلال وإفساد الأطفال الأحداث والقصر والجانحين، في أعمال التسول واستجداء المارة.

وأوضح المصدر أن قوات الشرطة قامت بضبط نجل المتهم خليفة، بين 6 أطفال تراوحت أعمارهم بين 9 والـ14 عاما، وكان بحوزته مبلغ مالي 2470 جنيها، عملات مختلفة من متحصلات أعمال التسول، بينما أكد الأطفال أنهم يقومون بتسليم متحصلات يومهم إلى الطفل نجل المتهم -الذي يبلغ من العمر 12 عاما- ويتحصلون منه على مبلغ مالي 20 جنيها يوميًا.

وقال إن حملة أمنية أخرى شنتها مباحث الآداب بالغربية الأسبوع الماضي، أسفرت عن ضبط 27 قضية تسول فى الطريق العام واستغلال أحداث في يوم واحد فقط.

التسول يحب اللمة

"التحرير" رصد أيضا، عددا من القضايا التي جرت أحداثها مؤخرًا، والتي أكدت أن التسول أصبح مهنة جماعية، دائما ما تمارس وسط مجموعات يزيد أفرادها على الثلاثة وربما يصلون إلى 30 فردا، وتتنوع بين رجال وسيدات وأطفال.

أكثر تلك القضايا جدلا بدأت أحداثها مطلع يوليو الجاري، حين أسفرت حملة أمنية شنتها مباحث الآداب بالدقهلية، عن ضبط تشكيل عصابي يضم 13 سيدة قادمات من القاهرة والإسكندرية، ومعهن 12 طفلا.

بينما كانت المفاجأة حين قامت القوات بتفتيشهن، حيث عثرت بحوزتهن على مبلغ 13 ألف جنيه، من حصيلة تسول يوم واحد، بحسب اعترافاتهن.

في محافظة المنوفية ألقى ضباط قسم رعاية الأحداث نهاية يونيو الماضي، القبض على تشكيل إجرامي آخر، مكون من سيدتين و5 فتيات بعد اتهامهمن بالتسول، واستغلال الأطفال في التسول، كما أسندت لهن النيابة تهم تعريض الأطفال للخطر، عن طريق امتهانهم التسول ومخالطة سيئي السمعة، واستغلالهم في سرقة الهواتف المحمولة من قائدي السيارات عن طريق المغافلة، واستغلال ذوي الحاجات الخاصة في التسول بإشارات المرور بالطرق والميادين الرئيسية.

وفي مرسى مطروح، تمكنت الأجهزة الأمنية مطلع الشهر يوليو الجاري، من ضبط 5 سيدات أثناء قيامهن بالتسول واستجداء المواطنين بالطريق العام داخل مدينة مرسي مطروح.

هذه المرة جاء تقرير مفتش مديرية الصحة ليثبت أن المتهمات قادرات على العمل وغير مصابات بأية أمراض مزمنة تمنعهن من الحركة، بينما بررت المتهمات ارتكابهن واقعة التسول لعدم وجود مصدر رزق لهن.

"التسول في أرقام"

في إطار إجراء "التحرير" هذا التحقيق، تحصلنا على آخر دراسة صادرة عن المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، لتكشف عن أرقام صادمة فيما يخص ظاهرة التسول في مصر.

ارتفاع نسب المتسولين في الأحياء الشعبية بالقاهرة.. وانخفاضها في الوجه البحري.. وانعدامها بالصعيد

كشفت العينة عن أن ثلث حجم المتسولين في القاهرة بأحياء "البساتين، وعين شمس، والشرابية، والهرم، و15 مايو"، ويرجع ذلك لانخفاض مستوى المعيشة بهذه الأحياء، وعشوائية البعض منها، مما يجعلها مناطق جاذبة للمتسولين وإعاشتهم، سواء كانوا في صورة مجموعات أو أفراد.

وبالنسبة لنسب المتسولين في الوجه البحري، فكانت "ضئيلة"، وسجلت 17.5% فقط من العينة، بينما جاءت منعدمة في الوجه القبلى والصعيد، وسجلت 2.6% من العينة.

47.9 % من المتسولين يقيمون في شقق

اتضح من التحليل الإحصائي للدراسة أن 47.9% من العينة يقيمون في شقق، سواء كانت الشقق مكونة من غرفتين بنسبة 26.6%، أو ثلاثة غرف بنسبة 22.8%، بينما اتضح أن 18% من عينة المتسولين يقيمون في غرفة مشتركة.

كما أشارت الدراسة إلى أن نسب حيازة السكن، سجلت 53.4 للإيجار، ومقابل 32% كانت مساكنهم ملكا لأهلهم، وتم رصد وجود الخدمات الأساسية بهذه المنازل سواء كانت مؤجرة أو ملكا، بنسبة وجود الكهرباء بـ88.7%، ووجود المياه بـ80.1%، هذا فضلا عن وجود الصرف الصحي بـ67.7%.

%83.2 يمارسون التسول منفردين عن العائلة

من حيث ممارسة التسول كانت الصبغة الغالبة في التسول تغلب عليها الفردية، حيث إن 83.2% يمارسون التسول بشكل فردي، بينما ينتمي للعائلات من الصغار بـ12.2% فقط، وفيما يخص فئات كبار السن فسجلت 4.6%.

60.2 % يمارسون التسول بجانب العمل

1- أوضحت الدراسة أن 60.2% من أفراد العينة، يتسولون بجانب عملهم ومعظمهم من الصغار، وهو الأمر الذي يبرره ارتفاع نسبة الصغار في العينة الكلية، لعدم كفاية الدخل.

2- ووفقا للعينة فإن 75.4% من المتسولين يفضلون ترك العمل والتفرغ للتسول، حيث بلغت في الصغار نسبة 69.7%، وترجع الأسباب إلى القبض عليهم في المقام الأول والتى حالت دون استمرارهم في عملهم، لأن 59.6% من إجمالى الـ75.4% تركوا أعمالهم بسبب القبض عليهم، هذا بخلاف ترك العمل بسبب قلة الدخل أو تعنت صاحب العمل ضد العامل، كما أن الأطفال أكثر عرضة لترك العمل نظرا لعدم حبهم للعمل من الأساس.

أماكن التسول "وسط البلد" في المقدمة

تكشف الدراسة عن أن المتسولين ارتكزوا في الشوارع الكبرى والمشهود لها بحركة البيع والشراء، مثل منطقة "وسط البلد"، وذلك لأن جمهور المحسنين أكثر استعدادا لدفع "الحسنات" في هذا التوقيت، بخلاف أى وقت آخر، بالإضافة إلى أماكن تأتى فى باقي الترتيب "الكورنيش، الفنادق الكبرى، أمام السينمات".

وتأتي في المرتبة الثالثة مواقف الأتوبيسات والقطارات، ثم الأماكن ذات الطابع الديني، ويعهد 41.5% من المتسولين على اختيار المكان المناسب للتسول.

%37 من المتسولين "حرفيون"

تأتي مهن المتسولين موزعة ما بين 37% أصحاب أعمال حرفية، ويليها المتسولون أصحاب المهن التخصصية بنسبة 28%، ثم الوظائف العليا الإدارية العليا بنسبة 14%، وفي المرتبة الأخيرة أصحاب الخدمات الأخرى بنسبة 10%.

%95.3 من المتسولين يقيمون في الحضر

توضح البيانات وفقا للدراسة أن 95.3% من عينة المتسولين يقيمون في الحضر، وأن أعلى نسبة للمتعاملين مع الظاهرة توجد في منطقة حلوان بنسبة 16.8%، تليها العجوزة بـ6%، ثم الهرم بنفس النسبة 6%.

خبراء الاجتماع: ارتفاع معدلات الفقر يزيد انتشار ظاهرة التسول

"التحرير" استطلع آراء عدد من خبراء علم الاجتماع لتحليل ظاهرة التسول وفقًا لرؤيتهم.

المناطق الراقية مناخ خصب للتسول

الدكتورة شادية قناوى أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس، تحدثت عن ظاهرة التسول، وأبدت تخوفها من انتشار وتزايد هذه الظاهرة من وقت لآخر، مرجعة هذا التخوف، إلى ارتفاع معدلات الفقر فى مصر بشكل كبير، فضلا عن الظروف الاقتصادية العصيبة التى يعانى منها كل المواطنين على اختلاف قدرتهم المالية والاقتصادية، ولعل الارتفاع الكبير فى أغلب الأسعار خير دليل.

قناوى أضافت لـ"التحرير" أن ظاهرة التسول تنتشر فى الأحياء الراقية، طمعا من المتسول فى أن ينال مراده، كون المناطق الراقية هى مناخا خصبا للمتسول للحصول على الأموال، منوهة بأن المتسول بات لديه الخبرة لمعرفة كل الطرق التى من خلالها يقدر على الحصول على المال من سكان المناطق الراقية، موضحة أن بعض المناطق الراقية يكون سكانها أكثر تفاعلا وتبرعا للشخص المصاب، بينما مناطق أخرى لا تتفاعل مع المصاب أو المصاب بعاهة سواء كانت حقيقية أو مفتعلة، بينما مناطق أخرى تتفاعل وتبرع لمتسول معه طفل أو طفلة، ففي نهاية المطاف اختيار المنطقة وطريقة "ابتزاز" المواطن ترجع إلى خبرة وقدرة المتسول.

وفى السياق ذاته قالت الدكتورة سامية خضر، أستاذ علم الاجتماع، إن المناطق التى تشهد ضخا للمتسولين فى محافظة القاهرة تنبع مع المناطق المطحونة من القاهرة نفسها، بينما فيما يخص ظاهرة التسول بشكل عام على مستوى الجمهورية، فنوهت بأن أكثر من محافظة فى الصعيد تعد مصدرًا للتسول.

جمعيات المجتمع المدني "حبر على ورق"

ووجهة خضر هجومًا ضد الجمعيات الخيرية وجمعيات المجتمع المدني، حيث إنها لا تقوم بدورها على أكمل وجه، نظرا لأن مجرد حديثها عن توفير أعمال وأماكن لإيواء المتسولين هو مجرد "حبر على ورق"، لأن هذه الجمعيات تتحدث فقط، وما تنفذه بغرض "الشو"، حيث إن هذه الجمعيات لا تتابع الحالات التى تصل إليها أو الحالات التى يتم توظيفها من خلالها، وهل هى استمرت في العمل الذى تم توفيره لها أم لا؟ منوهة بأن الجمعيات تكتفي فقط بتوفير العمل، كأنها قدمت عملا جبارا.

المتسول يرفض مهنة بـ1500 جنيه في الشهر بتأمين ومواصلات

كما روت أستاذ علم الاجتماع تجربة عايشتها بنفسها من خلال إحدى الجمعيات، حيث تم جمع 25 متسولا وتم توفير أعمال لهم فى أحد المصانع فى منطقة السادس من أكتوبر منذ عامين، وبمتوسط مبلغ مالي قدر للفرد بـ 1500 جنيه، هذا بخلاف التأمين عليهم وتوفير وسائل مواصلات لنقلهم من وإلى مكان العمل بالسادس من أكتوبر، لافتة بأنها بعد أسبوعين انخفض عدد العمال إلى النصف، وبعد شهر استقر 2 فى العمل من إجمالى 25 فردا، معللة عزوف المتسول عن العمل بأنه اعتاد التسول، واعتاد على الحصيلة المالية من التسول التى لا تضاهيها أى وظيفة.

دور البرلمان وسن تشريعات صارمة للقضاء على الظاهرة

وطالبت خضر بضرورة سن تشريعات صارمة من نواب البرلمان، يكون من شأنها التصدي لهذه الظاهرة، فضلا عن عمل برامج أعمال واضحة للجمعيات الاجتماعية التى تواجه هذه الظاهرة، تسير عليها للتصدي لهذه الظاهرة المشينة التى تتعرض لها مصر، مؤكدة أن أماكن الإيواء بمصر تكفي لجمع ضعفين أو ثلاثة أضعاف من المتسولين، قائلة "الناس لو اشتغلت بضمير هنقضي على ظاهرة التسول فى مصر".