loading...

أخبار مصر

مصر والسودان.. من «تكامل السادات» إلى «لجنة السيسي» وماذا بعد؟

اجتماع اللجنة العليا المشتركة بين مصر والسودان برئاسة الرئيس عبد الفتاح السيسي ونظيره السوداني عمر البشير

اجتماع اللجنة العليا المشتركة بين مصر والسودان برئاسة الرئيس عبد الفتاح السيسي ونظيره السوداني عمر البشير



بواخر وادي حلفا إنجاز عبد الناصر الباقي حتى اليوم
إذاعة وادي النيل لا وجود لها.. و«الحريات الأربع» وكسر الحدود قيد التحفظ
الملفات الخلافية تمتنع.. ومصر تطلب شراكه استراتيجة لـ40 عاما

لا مكان للملفات الخلافية في اجتماعات اللجنة العليا المشتركة بين مصر والسودان لماذا؟ لا تعليق. تماما مثلما حدث عندما التقى الرئيس عبد الفتاح السيسي ونظيره السوداني عُمر البشير في اكتوبر 2014، وأعلنا رفع مستوى اللجنة إلى الرئاسي ثم لا شيء.

وقتها أكد السيسي أن الفترة الحالية تشهد توحد "الإرادة السياسية والشعبية في البلدين، لتحقيق طفرة نوعية غير مسبوقة في علاقتهما الثنائية، ولا سيما في المجالات الاقتصادية والتجارية والصناعية" أما البشير، فقد أمن على الكلام قائلًا: "اتفقنا على إزالة كل العوائق التي تمنع التواصل وتبادل المنافع بين البلدين، ويكفي دليل حرصنا على ترفيع اللجنة الوزارية إلى لجنة رئاسية" . والرئيسان اكدا أن "هناك إرادة سياسية متوفرة للانطلاق بهذه العلاقة بين مصر والسودان".

أما الملفات الخلافية مثل حلايب وشلاتين وترسيم الحدود ونهر النيل، فهي المسكوت عنها، حيث اتهم الاثنان الإعلام بإثارة الأزمات بين البلدين فيما يتعلق بحلايب وشلاتين، فيما أعلن متحدث الرئاسة أن اللقاء لم يتطرق إلى الملفات الخلافية بين البلدين.

اليوم وفي الاتحادية، لا حديث أيضا عن الملفات الخلافية، و يعود ملف التكامل بين مصر والسودان للمربع الأول، فيطلب الرئيس السيسي من البشير" إطلاق شراكة استراتيجية شاملة لتجسد العلاقات الوثيقة، والروابط التاريخية العريقة الممتدة، وترسم الأطر اللازمة لإحراز التقدم في شتى مجالات العلاقات الثنائية"، وبالفعل وقع الجانبان وثيقة شراكة استراتيجة ضمت عددا من الاتفاقيات تخص القطاع السياسي والأمني والقنصلي، واتفاقية للتعاون في مجال التعليم العالي، واتفاقية تعاون في مجال الصحة، وكذلك برنامج تنفيذي للتعاون في مجال الشباب، وبرنامج تنفيذي للتعاون الثقافي، وآخر للتعاون في مجال السياحة، وكذا في مجال التجارة بين القاهرة والخرطوم.

فهل نعول كثيرًا على اللجنة العليا التي أصبحت منذ عامين تحت إشراف الرؤساء دون علامة أو إشارة تعكس معنى أو نتيجة لهذا الترفيع، اللهم إلا التوصل لشراكة تم التوصل إليها قبل أربعين عاما، وباتفاقات مشابهة دون ضمانات لبقائها واستمرارها، رغم التقلبات السياسية؟ 

اللجنة العليا المشتركة بين مصر والسودان هي نتاج آخر تطوير لمحاولات صياغة علاقات البلدين ببعضهما البعض بشكل سياسي واقتصادي، يضع مصلحة البلدين ضمن الصفقة التي لم تتفق عليها البلدان سابقا منذ اتفاقية فصل مصر عن السودان في خمسينات القرن الماضي، والتي رسمت حدودا لكل بلد مازالت حتي اليوم موضع خلاف. فما بعد اتفاقيه ١٨٩٩، انشغلت مصر بالكفاح الوطني من أجل نيل الاستقلال، بدءًا بمحاولات الزعيم مصطفي كامل، ومرورا بزعماء وقاده الحركه السياسية في مصر، حتي قامت ثورة يوليو ودخلت مصر محفلا جديدا لمعارك الكفاح ضد الاستعمار الجديد وتحرير الإرادة السياسية.

كان أول شكل لهيكلة علاقات مصر والسودان في إطار يعترف بمصالح الطرفين، ذلك الذي بدأه الرئيس الراحل أنور السادات مع (شقيقه) جعفر النميري، وتكوين ما عرف حينها "منهاج العمل السياسي والتكامل الاقتصادي" والذي وقعه الرئيسان بالإسكندرية في فبراير 1974م، حيث اتفق  الطرفان على عقد اجتماعات دورية سنوية للتشاور والتداول، واتفقا أيضا علي تكوين لجنة سياسية عليا من التنظيمات السياسية بين البلدين لتحديد مسار التعاون السياسي بين البلدين بتبادل الخبرات التنظيمية والعمل علي لتوحيد الأفكار والمفاهيم وتوجيه طاقات الجماهير؛ لتنفيذ أهداف التكامل نص المنهاج علي تكوين لجنة وزارية عليا مشتركة تضم في عضويتها وزراء الخارجية والمالية والزراعة والري والصناعة والنقل والمواصلات والتجارة والتموين والصحة والشئون الدينية والأوقاف والثقافة والإعلام والتربية والعدل ووزيري شئون البلدين، وممثلين عن الأجهزة التشريعية، وحددت لوائح اللجنة، والاختصاصات، وتم تعيين وزير مختص في مصر والسودان تتبعه أمانة عامة تساعده في متابعة أعمال اللجان، ووصلت المحاوله للذروه بانعقاد اجتماع تاريخي لمجلسي الشعب للبلدين بالقاهرة في أكتوبر 1977م وروجت أدوات الدوله الإعلاميه والسياسيه لفكره توحيد هذه المنطقة لتكون نموذجًا تطبق عليه جميع صور التكامل بين البلدين.

للمفارقة، وقبل أربعين عاما، أقرت هذه اللجنة الوزارية العليا عددًا من الاتفاقيات التي تنظم العمل الاقتصادي وحرية الحركة ورفاهية المواطنين بينها اتفاقيات تشجيع وحماية الاستثمار وانتقال الأيدي العاملة بين البلدين دون قيود والسماح بازدواج الجنسية، عندما كانت مشروطه وقتها، والتعاون الصحي، وكلها اتفاقات استهدفت الوصول الي استراتيجية تكامل تكفل حرية الانتقال والعمل والإنتاج في البلدين، وكسر الحواجز فتم تقنين حق انتقال الأيدي العاملة بين البلدين وألغيت تأشيرة الدخول، وأجيزت اتفاقية للسماح بإزدواج الجنسية المصرية والسودانية، وأعطيت أولويه  لمشروعات النقل والمواصلات المختلفة سواء بربط البلدين بطريق بري، أو بالسكك الحديدية أو الخطوط الملاحية البحرية أو بالملاحة النهرية من خلال السد العالي وتدعيم المواصلات السلكية واللاسلكية، واتفق على أن يعامل الطيران بين البلدين رحلات داخلية وخفضت أجورها بنسبة 25%.

وعلي عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك توصل وزراء الإعلام لتكوين كيان مؤسسي يوطد التعاون الثقافي، وهي هيئة إذاعة وادي النيل التي تبلورت فكرتها كخدمة سودانية مصرية مشتركة تستهدف شعب وادي النيل، على أيدي الوزيرين المختصين في السودان محمد خوجلي صالحين ومصر صفوت الشريف، وفي ديسمبر من عام 1983 اجتمعت اللجنة العليا للبرامج المعنية بالتخطيط لانطلاقة بث الإذاعة باسمها الجديد وأهدافها الجديدة في الفترة من 13-16 ديسمبر 1983، وسعت إذاعة وادي النيل لتحقيق مجموعة من الأهداف الكبيرة واللامعة مثل "دعم مسيرة التكامل بين البلدين، وتعميق الفكر التكاملي بين أبناء شعب الوادي، وتشجيع المبادرات التكاملية علي المستوي الرسمي والشعبي في مختلف المجالات".

وبدون أي مجهود للبحث عما إذا كانت هذه الإذاعة حققت أهدافها أو بعضها، فإن نظرة واحدة لتدني العلاقات بين البلدين في فترات الأزمات تكشف فشل هذا الكيان في تحقيق الهدف الذي اُنشئ لأجله، ويكفي أن تشتعل أزمة حلايب وشلاتين سياسيا لتظهر بوضوح غياب أي دور لهذه الأداة الإعلامية المنوط بها تعميق الفكر التكاملي بين البلدين.

وتبقي هيئة وادي النيل للملاحة النهرية الإنجاز الوحيد الباقي الذي يشير إلى وجود علاقة تكامل وخصوصية، علاقه بين الشعبين المصري والسوداني، ورغم أنها تأثرت سلبا وإيجابا بالعلاقات السياسية، ويعود تاريخ هذه الهيئة بشكل غير رسمي إلى ما بعد تحويل مجري النيل حيث تم تهجير أهالي وادي حلفا عام 1964م، وتوقفت الملاحة النهرية عبر البواخر السوادانية (الثريا وعطارد والمريخ) التي كانت تربط السودان ومصر، و في أكتوبر 1964 وخلال زيارة لوزير النقل السوداني "أزبوني منديري" للقاهرة التقى الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وطالب الوزير السوداني بإعادة الخط الملاحي بين السودان ومصر عبر وادي حلفا والسد العالي، وامر عبد الناصر بتجهيز بواخر وعبارات خلف السد العالي لتبدأ العمل علي الخط النهري.

وفي عهد حكم جعفر النميري، وهي فترة التقارب مع السادات، اتفق على إنشاء هيئة وادي النيل للملاحة النهرية كهيئة مشتركة بين البلدين لتعمل علي الخط النهري في نقل الركاب والبضائع وبشكل حصري، وبدأت الهيئة نشاطها عام 1978 بعبارات  "عشرة رمضان" و "الأقصر"، و"كركسو"، وتم تجديد الباخرة "6 أكتوبر" إلا إنها لم تستمر في العمل لأسباب فنية.

وتكونت الهيئة من مجلس إدارة من الدولتين، يكون مقعد رئيس مجلس الإدارة والنائب مقعدان تتداولهما الدولتان بشكل دوري كل أربع سنوات، وفي 1983 تعرضت عبارة "عشرة رمضان" للغرق بعد اندلاع حريق بها، ثم اشترت الهيئة  باخرتين هما "ساق النعام" و"سيناء" من ألمانيا، واستمر مسلسل الحوادث غير البريئة، عندما حدث الجنوح الأخير للباخرة "ساق النعام" في مارس 2012 والذي تداولته الصحف، وظهر حديث عن فساد مالي وإداري داخل الهيئة وحاليا تعد الهيئة رمزا لحيوية وجود علاقة تمامل بين البلدين لكنه أيضا رمز لضعف الصيغة التي وضع فيها هذا التكامل، فيكفي أن نذكر أن السودان هي الدولة الوحيدة التي لها قنصليه دائمة في أسوان.