loading...

ملفات

ملفات التحرير.. رسائل أوباما إلى <<داعش>>.. و العالم!

تنظيم داعش

تنظيم داعش



الكلمة التى كانت مرتقبة للرئيس أوباما حول تحديد استراتيجية محاربة" داعش"لم تكن شاملة فى إشكالية تنامى نفوذ "داعش" فى المنطقة وتفاصيل مواجهتها، خصوصًا بعد ضربات جوية أمريكية كثيفة لبعض مواقعها فى العراق، وإنما عكست الكلمة تصورًا سياسيا لإعادة ترتيب أمور وعلاقات فى منطقة الشرق الأوسط بناءً على عامل مشترك يسمى خطر وجود "داعش"، كما عكست قلقا من شؤون داخلية للولايات المتحدة وإشارات وتحذيرات لحلفاء وخصوم، ونرى أن أهم النقاط فى كلمة أوباما كانت كالتالى:

رصيد أمريكا في عمليات الخارج

قرر أوباما تذكير الشعب الأمريكى بما أنجزته الولايات المتحدة فى حروبهم وعملياتهم فى المنطقة، حيث قال"استهدفت أمريكا خلال محاربتها للإرهاب فى الأعوام السابقة، قتل قادة تنظيم القاعدة، و"طالبان" باكستان وأفغانستان وفروع " القاعدة" فى اليمن والصومال، كما قامت أمريكا بعمليات مكافحة إرهاب مهمة، ومنها قتل أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة وأحمد عابدى زعيم "الشباب" الصومالية، وبالطبع لم يذكر الحرب على العراق فى 2003، لأن أحد أسباب الكارثة التى تواجهها المنطقة الآن هو نتائج حرب أمريكا على العراق، وإنما حاول أوباما أن يستحضر فى أذهان الأمريكيين ما يصوره كانتصارات لهم كبداية لترويج فكرة التدخل العسكرى الطويل مرة أخرى بعد أن كان أوباما مستبعدًا تلك الفكرة كلية، وعليه فقد أكمل الصورة لجمهوره بأن أهم خطر يداهم العالم والولايات المتحدة، يأتى من الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

 

تحفيز الأمريكيين

يبدو أن أوباما يشعر بقلق داخلى كبير حيال هذا التدخل العسكرى، خصوصًا فى ظل انخفاض شعبيته واقتراب نهاية مدة ولايته الثانية والخلافات الكبيرة بينه وبين الجمهوريين فى الفترة السابقة، والتى احتدمت بعد تفجر عدد من القضايا فى منطقة الشرق الأوسط مثل ثورات الربيع العربى والتعامل معها وانتهاءً بطريقة تدخل أمريكا لحل الأزمة السورية وظهور"داعش"، وعليه فقد خصص أوباما جزءًا من كلمته لمحاولة تحفيز الأمريكيين لهذا التصرف للاستعانة بهم كظهيرٍ ما إن جاءت النتائج عكس المرجو والمتوقع، فقام بالضرب على وتر تنظيم القاعدة فى ذكرى ضربته الموجعة لهم والتى تمثل هاجسًا مستمرًّا للجمهور الأمريكى فقال "إن (داعش) هو الفرع العراقى لتنظيم القاعدة، ونشأته مرتبطة بالحرب الأهلية فى سوريا والتقسيم العرقى فى العراق"، ثم استحضر قصة الصحفيين الأمريكيين فقال" قاموا بعمل بربرى بقطع رقاب الصحفيين الأمريكيين جيمس فولى وستيفن سوتلف"، وأضاف فى نفس السياق أنهم يستهدفون الأفراد التابعين للولايات المتحدة الأمريكية فى الشرق الأوسط، كما ذكر الأمريكيين بأنهم بذلك يحمون مصالحهم فى المنطقة، ويفهم الأمريكيون ذلك مباشرة على أنه ضمان تدفقات البترول القادمة من هذه المنطقة، كما استدعى أكلشيه عولمى له صدى لدى الأمريكيين بدورهم فى حماية الأقليات ورعاية حقوقهم، والذى كان نفس السبب المعلن تقريبًا فى إرهاصات الحرب على العراق، واختتم أوباما هذا الجزء التحفيزى عن طريق إثارة الفزع لدى الأمريكان فى حال عدم القضاء عليهم فى مهدهم فقال" إن عددًا كبيرًا من الأمريكيين والأوروبيين انضموا إلى(داعش( فى العراق وسوريا، ويحاولون العودة إلى بلدانهم الأصلية للقيام بعمليات إرهابية"، بما يعنى: إما أن نحاربهم هناك أو سيأتون إليكم هنا

 

الحرب الجماعية

أوباما لا يستطيع ولا يقوى على التصدى لحرب مع تنظيم إرهابى مثل"داعش" بمفرده، خصوصا بعد الخسائر الفادحة للحرب الأمريكية فى العراق وتأزم الوضع اقتصاديا فى أمريكا لارتفاع النفقات على العمليات الخارجية والتخوف من رد فعل إرهابى داخل أمريكا يتحمل هو وزره أمام الأمريكيين، ولذلك كرس أوباما جزءًا من الخطاب لترسيخ فكرة الحرب الجماعية وتسويقها لدى الأمريكيين فقال"يجب أن يعلم الشعب الأمريكى أن الحرب ضد (داعش) مختلفة عن الحرب فى أفغانستان والعراق، حيث سيتم محاربة (داعش) عن طريق التعاون مع أطراف دولية ومحلية، وأن الولايات المتحدة تقود تحالفا موسعا ضد (داعش) وأن وزير الخارجية الأمريكى جون كيرى سيسافر فى جولة موسعة فى أوروبا والدول العربية، لجمع الدعم لمحاربة (داعش".

لا يمكن إسناد التحرك الأمريكى لحشد دولى ضد" داعش" على أنه فقط تلبية لمتطلب داخلى معقد فى أمريكا لأن هناك فاعلين آخرين حقيقيين وموجودين وحاضرين فى أزمة العراق و"داعش" ولا يمكن الحل بدونهم، ولكنْ أيضا هناك تزايد متعمد من الجانب الأمريكى فى شكل الحشد الدولى لذلك، عبّر عنه أوباما بكلماته وكيرى بتحركاته، وذلك على الأرجح لتصنيع مظلة سميكة تحمى إدارة أوباما من انتقادات حادة داخلية من المعارضة أو غضب شعبى، لأن المعروف بالضرورة أن العامل الحاسم الأكبر فى هذا التدخل العسكرى هو للولايات المتحدة الأمريكية.

الرؤية السياسية وإعادة تنظيم العلاقات

أفصح أوباما بوضوح عن استراتيجيته السياسية فى قضية "داعش" والمرتكزة على عدة نقاط، أهمها أن الحل الجذرى يأتى من سوريا وأنه لا للأزمة العراقية وظاهرة "داعش" دون التوصل لحل فى الأزمة السورية المتفاقمة، والتى كان أوباما قد انتهج فى التعامل معها مسلكا خاطئا أدى إلى تفاقم الأمور، فقال" حل الأزمة يكمن فى حل الأزمة السورية بحل سياسى، حيث لا يمكن إعادة الشرعية لنظام يقتل شعبه وفقد شرعيته، أو معارضة متطرفة متمثلة فى (داعش(" وبالتالى أوضح أنه عازم على محاولة حل أزمة سوريا استنادًا إلى نفس موقفه السابق بضرورة إزاحة الأسد، ولكن الآن قد تتغير الفكرة الكلية من إزاحة نظام الأسد إلى إزاحة بشار الأسد فقط وإيجاد صيغة للتقارب بين المعارضة المعتدلة وباقى نظام بشار.

الأمر الآخر هو حديثه عن العمل مع شركاء الولايات المتحدة على قطع التمويل عن"داعش"، ومن أجل العمل الاستخباراتى، وهنا يبدو إشارة واضحة لتقارب وجهات نظر أو اتفاق مع قطر التى تحدثت تقارير أمريكية كثيرة عن دعمها للمتطرفين فى العراق وسوريا، وهذا يفسر غضبا أمريكيا أحال قطر إلى تقديم تنازلات تجلت فى الإعلان عن طرد بعض قيادات الإخوان المسلمين رضوخًا لطلبات السعودية والإمارات، والدخول فى مرحلة جديدة قد تتقارب فيها وجهات العمل بين قطر والسعودية على خلفية الحرب الدولية على "داعش" وبرعاية وضمانة أمريكية.

أخيرًا تحدث أوباما عن التعاون مع الدولة العربية السنية، القادرة على حشد السنة فى العراق وسوريا على محاربة" داعش" وفى هذا رسم واضح للدور الذى ستلعبه السعودية سياسيا فى أثناء هذه الحرب، حيث إنها الدولة السنية الأكبر وصاحبة المصالح الكبرى فى العراق وسوريا، وعليه فستكون السعودية ركيزة التحرك السياسى ضد "داعش" بمحاولة وضع الدول السنية الأخرى فى ذات السياق مثل مصر، وعن طريق التدخل لحشد قوة سنية فى العراق مؤيدة ومساعدة للضربات الأمريكية ومتماشية مع الترتيبات السياسية الجديدة فى العراق ومعينة عسكريا للقوات العراقية والكردية على الأرض.

 

 

التحرك العسكري

قدرت الاستخبارات الأمريكية عدد مقاتلى" داعش" بنحو 30 ألف فرد، وهى إحدى نتائج العدد الكبير للخبراء الأمريكيين الموجودين بالعراق، والذين تحدث أوباما عنهم وعن دورهم فى الإعداد للحرب بتوصيف المشهد على الأرض وتقدير الاحتياجات، وفى الاستراتيجية العسكرية قال أوباما "العمليات العسكرية ضد (داعش(، ستكون بتكثيف الضربات الجوية، مع تحركات القوات العراقية على الأرض، وأنه قد تمت مساعدة القوات العراقية والكردية بالأسلحة والتدريب وبالأعمال الاستخباراتية" ويبدو من خلال كلماته على الأقل المعلنة الآن أن الاستراتيجية العسكرية لا تحمل جديدًا عما يحدث فعليا منذ بدأت القوات الأمريكية القذف الجوى، مما يوحى بأن العمليات العسكرية القادمة فى العراق قد لا تحمل جديدًا فى مضمونها ولا فى تكتيكاتها العسكرية وإنما ستكون استمرارًا للسيناريو الأول وهو الضرب الأمريكى من الجو لمساعدة القوات العراقية والكردية على إحراز تقدم على الأرض واحتلال مساحات أكبر، ولن تتغير تلك التكتيكات إلا فى حالة بدء الضرب فى سوريا أو إسهام قوات من جيوش أخرى من دول الحلف الذى تشكله أمريكا بما يسمح بعمليات برية بقوات مشاة ومدفعية وهو أمر لم يتضح بعد، ولم يعلن عن تفاصيل محددة فيه، لأنه فى غالب الأمر سيخضع لتقييم مرحلى بعد بدء العمليات الجديدة وتقدير مدى تأثيرها وقدرتها على الحسم والسيطرة على الأرض.