loading...

مقالات

حذف خانة الديانة في الوثائق الجامعية

حذف خانة الديانة في الوثائق الجامعية


تتأسس النظم الدستورية الحديثة والمعاصرة على مبدأ المساواة بين المواطنين جميعاً دونما تمييز فيما بين بعضهم بعضاً على أساس الدين أو المذهب أو العرق أو الجنس أو المنطقة أو الطبقة / الفئة الاجتماعية أو الانتماء السياسي أو الطائفي الذي ينتمون إليه.

ويرتبط هذا المبدأ بغيره من المبادئ الدستورية الأخرى وعلى رأسها حرية التدين والاعتقاد وممارسة الشعائر الدينية، والتي تتيح للمواطن اختيار المنظومة الدينية والعقائدية والإيمانية التي تتفق مع حريته في الاختيار، بناءًا على الاقتناع الحر بينه وبين ذاته، وفي إطار أن الإيمان أمر داخلي ووجداني، ولا يفرض قسراً، لاسيما أن وراثة الانتماء الديني يعتمد على الوالدين للطفل بعد ميلاده، ويتشكل إيمانه بالتعاليم العائلية أو في دور العبادة، وليس على محضُ الوراثة فقط. من هنا لجأت النظم الدستورية والقانونية لإتاحة الفرصة والأحرى الفرص أمام المواطن/ الفرد أن يختار دينه ومذهبه عندما يكبر، بين الاستمرار على ديانته ومذهبه الموروث عائلياً بعد اقتناع وإيمان عميق، أو تحوله من ديانة لأخرى أو لا يؤمن.

هذا المفهوم المعاصر الوارد في عديد الوثائق وإعلانات حقوق الإنسان، هو تعبير عن القيم الليبرالية والديمقراطية والثقافية المدنية في النظم الديمقراطية المقارنة. في بعض النظم السياسية الشمولية العربية ذات الأساس الديني، أو التسلطية، لا تأخذ بهذه القواعد الدستورية والقيم السياسية الديمقراطية والتعددية، ومن ثم ينص بعضها في دساتيره على المساواة، وحرية التدين والاعتقاد، وحرية الرأي والتعبير، إلا أنها لا تعدو أن تكون حبر على ورق كما يقال في التعبير الدارج مصرياً، أي أنها لا تشكل قيداً على سلطات الدولة وأجهزتها، ولا على تشريعاتها في بعض الأحيان، أو قراراتها السياسية والإدارية، إذ كثيراً ما تنتهك هذه المبادئ في الممارسة الفعلية.

بعض هذه الدول العربية تضع كثيراً بعض النصوص التي تتناقض مع بعضها بعضاً، إذ تنص على دين الدولة، وعلى أن النظام القانوني الديني / الفقهي يشكل المصدر الرئيس لتشريعاتها في خطاب دستوري / سياسي منصوص عليه وموجه إلى المشرع، أو ينص على المذهب كما حدث في دستور 2012 في عهد تحالف جماعية الإخوان المسلمين، والسلفيين..

من ناحية أخرى، تأخذ الدول العربية بالمصادر الدينية لنظام الأحوال الشخصية. من هنا هذا التركيز السائد على ضرورة وضع خانة الديانة والمذهب في بعض البلدان، في الوثائق الثبوتية، بل ويطلق في بعض الأحيان عليها وثائق الهوية كشهادة الميلاد والبطاقة الشخصية، أو في بعض الأوراق الإدارية التي تصدر عن الأجهزة المختلفة للدولة، أو ما يقدم إليها من طلبات .. غالب الوثائق والطلبات الإدارية لا علاقة لها بالأمور الدينية، ولا بالزواج أو الطلاق أو الأبناء أو الميراث التي تتطلب وضع علامة الديانة لأن نظم الأحوال الشخصية ذات أساس ومصدر ديني أو مذهبي أو مللي، وبعض هذه الدول لا تعترف بنظام الزواج المدني، أو تفرض عليه قيوداً وضوابط، وحظر في بعض الأحيان .. إلخ بعض الوثائق لا علاقة لها بديانة أو مذهب المواطن كالبطاقة الشخصية التي تدل على البيانات الأساسية للمواطن كي يتعامل بها في حياته اليومية بعيداً عن الزواج والطلاق والأولاد والميراث الذي تدعل عليه وثيقة الميلاد وبها ديانته ومذهبه والمعلومات الأخرى. الوثائق التعليمية في المدارس والجامعات والمعاهد العليا التي تدل على المعلومات الخاصة بالتلميذ أو الطالب والطالبة، وجامعته وكليته وسنته الدراسية، أو القسم الذي يدرس فيه كما في كليات الآداب والاقتصاد والعلوم السياسية والتجارة، والهندسة .. إلخ، وهي وثائق لا علاقة لها بديانة أو مذهب الطالب والطالبة! وهكذا يبدو وضع خانة الديانة لا لزوم له في هذا الصدد، بل يؤدي إلى التمييز على أساس ديني أو مذهبي، خاصة في ظل تمدد ثقافة التعصب والكراهية واللاتسامح وسط الأجهزة الإدارية والبيروقراطية، وفي أوساط المعلمين والمعلمات، وبعض أساتذة الجامعة ومدرسيها ومعيديها الذين ينتمون إلى بعض الاتجاهات الدينية المتشددة والمتطرفة، أو هؤلاء الذين يتبنون أفكارها على الرغم من أنهم ليسوا أعضاء بها، وإنما عاطفين عليها ... بعض هؤلاء الأساتذة والموظفين العموميين يميزون بين الطلاب على أساس الانتماء الديني وهو ما أحدث شروخاً في بنية وثقافة التكامل الوطني بين المواطنين المصريين.

من هنا يبدو قرار رئيس جامعة القاهرة بحذف خانة الدين من وثائق الجامعة هو تعبير رمزي عن ضرورة أعمال مبادئ المواطنة والمساواة، ومن ثم تطبيق للنصوص الدستورية، ومن ثم يغدو عملاً مشروعاً بامتياز إلا أنه أثار ضجة كبيرة في بعض الأجهزة والمؤسسات العامة في مصر التي يميل بعض قيادتها إلى عدم التصدي للممارسات التمييزية داخل مؤسساتهم وأجهزتهم امتثالاً لثقافة الأمر الواقع، وحتى لا يثيروا ضدهم المتطرفين أو بعض رجال الدين الرسميين أو غيرهم من الدعاة والوعاظ الذين ينتمون إلى التيارات السلفية والدينية المحافظة التي تعتبر هذه الأمور الشكلية هي دلالة على هوية الدولة أو حفاظاً على مواقعهم الاجتماعية والرمزية في المجتمع. وهي دعاوى تفتقر إلى سند دستوري وتتناقض مع مبدأ المساواة وقيم المواطنة وحقوقها المختلفة. أولاً: الهوية مسألة سوسيو- نفسية وثقافية، وتتعدد مصادر تشكيلها، وتتطور عبر الزمن، وليست جامدة أو ثابتة، وتعتمد على حركة المجتمع ومكوناته المتعددة، وإنتاجه الاجتماعي والرمزي والثقافي، وتطوره التقني والتعليمي والسياسي. الهوية يحملها المواطنين في تكوينهم وتطورهم الفردي والجماعي، ومصدرها الديني هو جزء من إيمانهم وضميرهم الفردي، ولا يعني النص في الوثائق الثبوتية على أن الديانة أو المذهب دالٍ على الإيمان والهوية والاعتقاد وإنما السلوك الاجتماعي والأخلاقي.

ثانياً: أن ميُل الجماعات الدينية ورجال الدين أياً كانوا إلى التمسك بإثبات الديانة والهوية، ليس دفاعاً عن الإيمان والديانة والعقائد، وإنما هو دفاع عن مواقعهم ومراكزهم في

الهيمنة الرمزية داخل أتباع ديانتهم ومذهبهم، أي دفاع عن مصالح اجتماعية وسياسية، وليس دفاعاً عن الدين، ومن ثم السعي الدائم لتكريس أنفسهم كسلطة دينية أو مؤسسة، وإذا كان هذا سائغاً في المسيحية أو اليهودية إلا أنه ليس سائغاً ولا مشروعاً في الإسلام الذي لا توجد فيه وسائط بين الله سبحانه وتعالى، وبين المؤمنين به، وفق العقيدة الإسلامية، وإنما هي علاقة مباشرة دون وسطاء أياً كانوا. من ثم يحاول هؤلاء إنتاج أنفسهم ومؤسساتهم كسلطة دينية تراقب إيمان وضمائر المواطنين.

المشكل الرئيس أن هذا القرار ذو الدلالة الرمزية على المساواة والمواطنة، يقف ضده الحالة الدينية المتوترة والمحتقنة والمستمرة في مصر منذ هزيمة يونيو 1967 وحتى الآن، واستخدام النخبة السياسية الحاكمة للدين كأداة للتغطية على واقع الهزيمة المريرة، ومن ثم وظفت الدين في أداء عديد الوظائف السياسية، كمصدر للشرعية السياسية للنظام، وفي التبرير السياسي، والتعبئة الاجتماعية والسياسية، وفي التوازنات السياسية، وفي السياسة الخارجية. من هنا يبدو النص على مدنية الدولة المصرية – والمصطلح غامض وغير دقيق- لا تأثير له لأن هناك نصوص أخرى تتناقض معه، وتجعل تطبيقه موضوعاً للصراعات الدينية والسياسية والقضائية. من ثم المشكلة الكبرى التي تواجه الدولة والنظام والنخبة والمجتمع المصري تتمثل في تمدد ثقافة التطرف والعنف ذات الوجوه والأسانيد الدينية التأويلية الوضعية بين قطاعات من المواطنين، والتي جعلت الآباء والأمهات تلجأ إلى اللجوء إلى الأسماء الدينية أو الحاملة لرموز دينية، ومن ثم يسهل على الموظفين العموميين أن يميزوا بين طالبي الخدمة أو الحقوق من أجهزة الدولة على أساس الاسم الدال على الديانة.

قرار سليم ومشروع، ولكن تقف في مواجهة ثقافة التمييز السائدة في المجتمع وأجهزة الدولة. وللحديث بقية.


x