loading...

محليات

العريش.. الحياة خلف أسوار الرعب

العريش

العريش



خرج "عادل وليد" من إحدى صيدليات شارع أسيوط فى مدينة العريش بعد أن اشترى بعض الأدوية ليفاجأ بمشهد جعله لا يرى النوم لثلاثة ليالٍ.. شخص يحمل سكينًا ويذبح آخر مرتديًا زيًّا برتقاليًّا وثلاثة آخرون متواجدون لحمايته أحدهم يحمل سلاحًا آليًّا وآخر كاميرا وذلك أمام مرأى ومسمع من الأهالى فى العريش.

الأمر أصبح بالنسبة لأهالى العريش مألوفًا فبعد تعدد الحوادث أصبحوا يعيشون خلف أسوار من الرعب، بعد أن انتشرت حوادث الخطف والقتل والتصفية فى أبشع صورها داخل المدينة، مع تعتيم إعلامى - قصدًا أو سهوًا-   لما يلاقيه الأهالى من معاناة شبه يومية فى جميع مناحى الحياة، حتى تحولت المدينة مؤخرًا إلى ساحة اعدام كبيرة يمارس فيها القتل بشتى صوره إما بالرصاص أو بالذبح أو إلقاء الجثث والرؤوس على قارعة الطرقات.

مدينة الصحراء

حسب الموقع الرسمى لمحافظة شمال سيناء، تعد مدينة العريش أكبر مدينة صحراوية داخل الدولة المصرية، كما أنها عاصمة المحافظة، وتبعد عن مدينة القاهرة قرابة الـ 300 كيلو متر.

ويقسم الموقع حسب البيانات الرسمية سكان المدينة إلى ثلاثة أقسام، الأول وهم أبناء القبائل من بدو سيناء، الثانى "الحضر" وهم عبارة عن خليط من البشر استوطنوا المدينة، والثالث "الوافدون" وهم من توطنوا فى المدينة قادمين من باقى الجمهورية المصرية.

ويبلغ عدد سكان المدينة زهاء الـ176 ألفًا و294 نسمة، ويتمركزون فى أربع قرى هى "الميدان والسكاسكة والسبيل والطويل"، و13 حيًّا سكنيًّا.

شارع الموت

بمجرد اجتياز بوابة العريش على الطريق الدولى "العريش - القنطرة" لابد أن تمر على عدد كبير من الكمائن الأمنية والعسكرية حتى تصل إلى وسط المدينة، أشكال تلك الكمائن الأمنية والتى تتكون من أبراج يقف فوقها جندى مسلح ودشم مقامة بأجولة الرمال والطوب وضباط وجنود فى حالة استنفار وآخرين يقومون بتفتيش للسيارات بشكل دقيق، فتلك المشاهد كفيلة بأن تلخص حياة أهل مدينة العريش وما يلاقيه الأهالى بسبب الأوضاع الأمنية والحرب التى تدور رحاها بين قوات الأمن "شرطة وجيش" مع تنظيم ولاية سيناء الإرهابي.

فى السابع من شهر أغسطس من العام الجارى، انفجرت عبوة ناسفة على الطريق الساحلى للمدينة أسفرت عن مقتل أربعة مدنيين من بينهم ثلاثة من أسرة واحدة شاب وشقيقته وخالتهم، وعامل نظافة كان قريبًا جدًّا من محيط الانفجار.

حتى ذلك اليوم كان أهالى المدينة يطلقون على شارع البحر فى العريش اسم "شارع الموت"، بسبب انفجار العبوات الناسفة بشكل شبه يومى فى المدرعات الأمنية التى كانت تسير على الطريق، وبعد الحادثة حاولت أجهزة الأمن السيطرة على الطريق بإقامة خمس ارتكازات أمنية ثابتة بداية من منطقة الخلفاء الراشدين وحتى جامعة سيناء، ومع وجود كمائن أمنية متحركة تقام يوميًّا وسط المدينة وإقامة كمائن ثابتة على طول الطريق الدولى أطلق الأهالى على المدينة "بلد المليون كمين".

حدت الكمائن الأمنية على الطريق الساحلى من حوادث تفجير العبوات الناسفة فى المدرعات الأمنية، ولكن الحوادث انتقلت إلى شارع أسيوط الموازى لشارع ساحل البحر، ولكن الحوادث أصبحت أكثر بشاعة ورعبًا.

مقصلة شارع أسيوط

كان حادث ذبح مواطن هو الحادث الأول الذى يشاهده الشاب العشرينى "عادل وليد" بهذه الطريقة، ولكنه ليس الحادث الأول فى ذات المنطقة "شارع أسيوط" الذى تحول إلى مقصلة لتنظيم ولاية سيناء أو ما يعرف ببيت المقدس الإرهابى لتنفيذ جرائمه بحق الأهالى بمدينة العريش، وارتفعت مؤخرًا وتيرة نشاطه الإرهابى فى مدينة العريش عاصمة محافظة شمال سيناء.

يبدأ شارع أسيوط من ميدان أبو بكر الصديق الكائن بحى الفواخرية أكبر قبائل مدينة العريش وينتهى على مشارف حى الزهور، ويضم الشارع ثلاثة ميادين رئيسية أولها ميدان الفواخرية أو "أبوبكر الصديق"، ويعتبر الميدان الأكبر فى مدينة العريش لوقوعه فى مكان تجمع وإقامة قبيلة الفواخرية أكبر قبائل المدينة، ومن بعده ميدان الفالح، وأخيرًا ميدان العتلاوى.

يوضح الشاب العشرينى الذى كان شاهدًا على إحدى عمليات الذبح التى تمت فى شارع أسيوط، أن أحد الأهالى حاول التدخل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ولكن أحد المسلحين الذى كان يحمل سلاحًا آليًا أشهر سلاحه فى وجهه ما جعله يرتد إلى الخلف ليقوم آخر بإشهار سكينه وذبح الضحية أمام الأهالى.

 ويضيف أن أكثر ما أثار استغرابه فى المشهد هو الخضوع التام للضحية لأوامر المسلحين، حتى أثناء تنفيذ عملية الذبح كان هادئًا للغاية ولم يبد أى حركة عنف.

2013 البداية

كان أول حادث إرهابى يشهده محيط شارع أسيوط هو اغتيال الضابط محمد أبو شقرة من قوة مكافحة الإرهاب فى العريش على يد مسلحين فى محيط منطقة الساحة الشعبية، وذلك فى أوائل شهر يونيو عام 2013، بعدها عادت المنطقة لبؤرة الأحداث ولكنها كانت متوالية حيث تم تفجير قسم ثالث العريش الكائن فى منتصف الشارع بسيارة مفخخة، وجاءت فاجعة تصفية كمين العتلاوى المتحرك مع بداية العام الجارى، بعدها بدأت حوادث الخطف والقتل والاغتيال حيث تم اغتيال أمينى شرطة أثناء خروجهما من القسم.

 وتم إطلاق الرصاص على ضابط شرطة فى ميدان العتلاوى، بعد أن تتبعه أحد المسلحين أثناء خروجه من الساحة الشعبية، وفى حادث هو الأول من نوعه فى العريش تم ذبح أب أمام نجله ومن ثم تم قتل الابن بالرصاص، وآخرها تصفية شخصين بالرصاص من أبناء قبيلة الفواخرية فى ميدان الفالح.

لماذا شارع أسيوط؟

يقول "ص.م" صاحب احد المحلات القريبة من ميدان العتلاوى، ان دائمًا ما يأتى المسلحون ومعهم ضحاياهم من الشوارع الخلفية المؤدية فى نهايتها إلى الأماكن العشوائية على أطراف المدينة مثل السمران والمقابر، فيقومون بذبح أو قتل ضحيتهم ومن ثم يعودون أدراجهم من نفس طرق مجيئهم.

يعتبر شارع أسيوط منفذًا آمنًا للولوج إلى الأطراف الجنوبية لمدينة العريش وأحيائها العشوائية التى يسكنها عادة الوافدون من خارج المحافظة والتى تعتبر الأحياء الأقل فقرًا فى المدينة، ويمثل الشارع نهاية الامتداد العمرانى ومن خلفه تبدأ العشوائيات مثل أحياء "الصفا والسمران والسلايمة والمنطقة القريبة من مقابر العريش"، والتى بمجرد الوصول إليها تكون قريبًا جدًّا من الطريق الدائرى الجنوبى للمدينة ومن خلفه صحاري وزراعات العريش، والتى تعتبر ملاذًا آمنًا للجماعات الإرهابية، والتى تشهد فى الأيام الأخيرة قصفًا عنيفًا بواسطة الطائرات الحربية.

وبحسب خدمة جوجل إيرث للخرائط، فإن المسافة من ميدان العتلاوى وحتى أبعد نقطة جنوب مدينة العريش هى 4 كيلو مترات، ويتم الوصول إليها فى 13 دقيقة بواسطة السيارة.

وكانت أحياء جنوب العريش وخاصة "الصفا" شهدت تفجير العديد من منازل أمناء الشرطة العام الماضى وحتى بداية العام الجاري، ولكن هدأت وتيرتها بعد أن ترك العديد من أمناء الشرطة المدينة برمتها وأصبح عدد آخر يقيم داخل المقرات الأمنية.

وقامت قوات الأمن أكثر من مرة بمحاصرة تلك الأحياء بشكل تام لعدة أيام، ومنعت الخروج والدخول إليها وقامت بتفتيش دقيق لعدد كبير من المنازل والكشف عن هويات قاطنيها.

مشاهد مرعبة

"على الرغم من أنها ثوانٍ معدودة ولكنها كانت الأكثر رعبًا فى حياتى"، بهذه العبارة وصف الشاب العشرينى "محمد.أ"  حادث اختطاف رجل من منزله على يد مسلحين مدججين بالسلاح فى حى الزهور بمدينة العريش أمام عينيه.

ويقول "محمد" إنه كان أسفل العمارة التى يسكن بها ينتظر صديقًا، وفجأة قطع لحظات الانتظار المملة سيارة "تاكسى" بيضاء اللوء توقفت أمام العمارة وترجل منها ثلاثة مسلحين وقاموا بطرق باب منزل فى الدور الأول من العمارة، وبمجرد فتح الباب تم اقتحام المنزل وإخراج الرجل صاحب المنزل ووضعه فى شنطة السيارة، ودقائق واختفت السيارة من المكان، لافتًا إلى أن مشاهد هذا الحادث مرت أمامه فى ثوان قليلة وكل شىء عاد لطبيعته ولكنها كانت الأكثر رعبًا فى حياته.

وخلف قسم ثالث العريش، اقتحم ملثمون منزل "حمدى العبيدات" وقاموا باختطافه وسرقة محتويات المنزل من مواد غذائية وبطاطين ومصوغات ذهبية وسرقة السيار الخاصة به، ويقول أحد شهود العيان على الواقعة إن زوجة الرجل كانت فى منزل مجارو، وعندما سمعت بالحادث حضرت إلى المنزل فأشهر أحد المسلحين سلاحه فى وجهها وتم خطف زوجها أمام عينها، وبعدها بأيام تم قتله رميًا بالرصاص مع مواطن آخر يدعى "حسام السلايمة" فى ميدان الفالح.

أما فى منطقة المساعيد غرب المدينة، كان "ع.م" يقف فى أحد الشوارع فى حى "أبوعيطة"، يقول الشاب الذى هرب من الحرب فى مدينته فى الشيخ زويد ليقيم فى مدينة العريش بحثًا عن الأمان، "إن مسلحين يستقلان موتوسيكل حضروا إلى المنطقة وقاموا بإخراج رأس بشرية من داخل جوال فارغ ووضعوها على قالب من الطوب ومن ثم فروا هاربين".

"الموت كان فوق رأسى" جملة لخص بها الشاب "ع. محمد" - الطالب فى جامعة سيناء - مشهد انفجار عبوة ناسفة على بعد أمتار منه، أثناء مرور مدرعة شرطة على الطريق الساحلى.

ويشرح الشاب تفاصيل المشهد بأنه كان يجلس على أحد الكافيتريات المطلة على الطريق الساحلى لمدينة العريش، وبمجرد مرور مدرعة شرطة على الطريق انفجرت بها عبوة ناسفة، ويؤكد أنه رأى الجندى الذى كان يجلس فوق المدرعة "طاير فى السما" لعدة أمتار من شدة الانفجار، وما كان منه إلا أنه انبطح على الأرض هو وزملاؤه وسادت حالة من الهرج والمرج، خاصة أن التيار الكهربائى انقطع فى المنطقة ولم يعد هناك غير أصوات طلقات الرصاص التى كانت بشكل كثيف.

جنوب العريش جبهة جديدة

تحولت مناطق جنوب مدينة العريش على جانبى الطريق الدائرى إلى مسرح للعمليات العسكرية بين قوات الجيش والتنظيم الإرهابى.

وتشهد تلك المناطق قصفًا عنيفًا من قبل الطائرات الحربية بشكل شبه يومى حيث يصل صدى انفجار الصواريخ وسط مدينة العريش، كان عنفها القصف الذى أعقب الهجوم على كمين زقدان فى وسط سيناء، وأعلن بعدها المتحدث العسكرى عبر صفحته الشخصة تدمير العديد من البؤر الإرهابية جنوب مدينة العريش.

وفى إجراء جديد من قبل أجهزة الأمن، تم تجريف مساحات واسعة من مزارع الزيتون جنوب المدينة والقريبة من الطريق الدائرى على غرار ما تم فى مدينتى الشيخ زويد ورفح، حتى لا تتخذها العناصر الإرهابية ملاذًا للاختباء ومهاجمة قوات الأمن.

وفى منطقة "ابنى بيتك" القريبة من جنوب المدينة، يقول "أحمد خالد" أحد سكان المنطقة، إن أصوات الانفجارات لا تنقطع نهائيًّا طوال اليوم، خاصة بمجرد سماع أصوات الطائرات الحربية والتى أصبحت تحلق على ارتفاعات منخفضة فى سماء المدينة.

صرخة سيناء

دشن عدد كبير من أهالى مدينة العريش هاشتاج على مواقع التواصل الاجتماعى بعنوان "صرخة سيناء"، لتوثيق كل ما يحدث فى المحافظة ونشره على مواقع التواصل بسبب التكتيم الإعلامى على معاناة الأهالى هناك.

وطالب الدكتور حسام الرفاعى نائب دائرة العريش فى مجلس النواب، خلال صفحتة الشخصية على موقع "فيسبوك"، التفاعل مع الهاشتاج ولكن بدون إساءة أو تجريح.

وعلن الرفاعى خلال مؤتمر الاكتتاب الشركة الوطنية للاستثمار بالعريش بأن "سيناء تحتضر"، مؤكدًا أن ما وصلت إليه سيناء اليوم هو بسبب التخطيط طوال الأعوام الماضية داخل الغرف المغلقة فى القاهرة، مشددًا على أن طموحات الأهالى أصبحت بعيدة عن التنمية والاستثمار، فالأهالى لا يطالبون اليوم سوى بأن يعيشوا فى أمان وأنهم "يموتوا موتة ربنا" على حد قولهم بعيدًا عن الذبح والقتل بالرصاص.