loading...

مقالات

الفتوحات النيوركية

الفتوحات النيوركية


وما الحياة إلا فخ مُزعج، عندما يصبح تفكير الإنسان ناضجًا، ويصل لدرجة الوعى الكامل، لا يستطيع أحد أن يُساعده فى شعوره أنهُ عالق فى فخ، ولا يوجد مهربُ منه على الإطلاق..! أنطون تشيخوف

ثمة شعور مختلف أن يحظى المرء بحياة كاملة فى مكان أسطورى مفعم بالطاقة والحيوية مثل عاصمة العالم نيويورك، وما أدراك ما نيويورك تلك المدينة، التى لا تنام ولا تدع عقلك ينام من تقاذف حمم بركان أحلام اليقظة المستعرة بتفاصيل الحياة المخملية والتفكير المستمر فى خطط الثراء السريع على الطريقة الهوليودية.

الحياة هنا يا عزيزى أشبه بقصة غواية الفاتنة "شفاعات" للقروى اليافع أمام فى رائعة أمين يوسف غراب شباب امرأة.
نيويورك تلك المرأة اللعوب التى تضع على وجهها مساحيق التجميل الفاخرة فتتحول إلى نداهة مثيرة تجذب إليها الدراويش من كل فج عميق، فهى الخبيرة بنوازع رغباتك المكبوتة، والتى تتقن ببراعة استثارة واستنفاد طاقة وقدرات "كل حسبو" بمجرد أن تطأ قدماه على الشاطئ الآخر من الفردوس فيظن غرورًا أنه قد ملك الدنيا، وما عليها فينزلق ببراءة إلى بئر الغواية، فينهل منه حتى تنكشف سوءاته، فيستيقظ متأخرًا جدًا على وهم شجر الخلد أو ملك لا يبلى فيصير تائهًا حائرا كأنه خارج للتوه من متاهة جنة الشياطين، مسترجعًا غواية أبيه من قبل، فيكون دون أن يدرى عبدًا مملوكًا لهذا النظام الرأسمالى الصارم الملفوف حول عنقه بنعومة أحكام، الذى قال عنه البابا فرانسيس هذا النظام أصبح الآن لا يُطاق، فعمال المزارع والمصانع والمجتمعات والناس عمومًا يجدونه غير محتمل، والأرض نفسها تجده أيضًا غير محتمل.

فأنت مهما كان قدرك مجرد شىء صغير وهامشى فى ماكينة عملاقة تنتج المال والسياسة والموضة والأكاذيب هنا فقط يمكنك أن تعرف العالم على صورته الحقيقية، لا شك أن الفوارق الطبقية واضحة بين الأسياد والعبيد، فهنا تقسم الدول وتعدل الخرائط وتشن الحروب ويقتل الأبرياء وتشرد النساء والأطفال، وتعقد معاهدات السلام بعد أن يحصد شايلوك تاجر الموت الغنائم من دماء الحملان، فبعد أن تخمد لهيب حمى البداية يتجاوز حسبو آثار الصدمة الحضارية، التى كان يرى فيها الأشياء من حوله لامعة وبراقة مثل سائح منبهر بأضواء شاشات التلفاز الضخمة فى تايم سكوير وملحق ناظريه بذهول طفولى إلى ناطحات السحاب، التى تلامس الأفق فى تحد أجوف معبر عن مكنون حضارة السوبر مان الوليدة ثم رويدا رويدا تذهب عنه سكرة السائح وتأتى فكرة الواقع بعد إدراكه خفايا دروب الأبواب الخلفية لفاتنة الإمبراطورية الأمريكية ورأى بعين اليقين ندوب وتشوهات المهمشين من السود والإسبان والمهاجرين يكتشف كم كان غض غرير . ويقفز فى رأسه سؤال جوهرى لا سيما بعد وصول شخص بمؤهلات وأفكار مستر دونالد ترامب إلى سدة حكم الإمبراطورية هل الحياة عادلة بما يكفى؟


x