loading...

مقالات

التحالف المصري الايراني ممكن

التحالف المصري الايراني ممكن


فرض نمط التحالفات الأمنية والسياسية المرنة بين الدول نفسها على الإقليم كواحدة من آليات مواجهة المهددات التي تتعرض لها دول معينة أو بهدف خلق توازن (سياسي ـ أو اقتصادي ـ أو أمني) في منطقة معينة، على عكس نمط التحالفات السياسية والأمنية، التي كانت سائدة خلال القرن العشرين، والتي اتسمت بضرورة تطابق الرؤى والأهداف بين دول التحالف الواحد. وكان حلفا (وارسو والناتو) أشهر تلك التحالفات العسكرية النابعة من تحالفات سياسية بين الدول الأعضاء، وهو نفس النمط الذي كان سائدا بين دول منطقة الشرق الأوسط بتكوين التحالفات، وكان (محور الاعتدال ـ ومحور الممانعة)، الذي صاغ، بل وتحكم في الكثير من الأزمات التي تعرضت لها المنطقة خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وهذا ما يمكن أن نطلق عليه "المحاور الجامدة". ومع انتشار الميليشيات المسلحة المتطرفة والجماعات الإرهابية بالمنطقة العربية وامتداد تأثيرها على الدول الأوروبية، جعل من حتمية خلق محاور ذات سمات جديدة تتجاوز أي إشكاليات في الرؤى بين الدول المحتمل تحالفها لمواجهة نمط التهديدات الجديدة التي تهدد بنية وتماسك الدولة، سواء بدول المنطقة العربية أو بالدول الأوروبية، وهو ما جعل من مفهوم التحالفات المرنة أو الاصطفافات المرنة يظهر على السطح، ويصبح مسارا جديدا حاكما في العلاقة بين الدول، وهذا ما يمكن ملاحظته خلال المرحلة الجارية، التي أعقبت ثورات الربيع العربي، فتشكيل محور بين دول مجلس التعاون الخليجي وتركيا لإسقاط بشار الأسد، في الوقت الذي تتحفظ فيه العديد من دول مجلس التعاون الخليجي، خاصة الإمارات على دعم تركيا لجماعة الإخوان المسلمين، يعتبر نموذجا لما يمكن أن نطلق عليه "المحاور المرنة"، وبالقياس على ذلك نجد أن الموقف المصري يتقارب في الأهداف والتكتيكات في بعض القضايا الإقليمية من دولة تأتي تحت مسمى دول غير صديقة، في نفس الوقت تتباين وجهات النظر المصرية مع بعض الأطراف التي تأتي تحت مسمي دول حليفة، والتي تصل إلى مرحلة من التناقض، فهل يمكن للدولة المصرية أن تدخل في تحالفات نابعة من متطلبات الأمن القومي المصري، دون أن تكون في تحالفات «جامدة»، تحد من تحركاتها السياسية والأمنية، هذا هو السؤال الأهم؟ بجانب تساؤلات أخرى حول التوقيت؟

(١)

إيران ومصر

علي مدار أكثر من قرن أخذت العلاقات المصرية الإيرانية مسار التوتر والتناقض فيما بينها، بخلاف بعض السنوات القليلة التي اتسمت بالتطابق في المواقف، وهو ما جعل العديد من المراقبين والمحللين يطلقون على مسار العلاقات المصرية الإيرانية مصطلح (مكر التاريخ)، نتيجة قصر فترة التوافق بين البلدين، التي تتغير سريعا من التوافق إلى التناقض، نتيجة أحداث سياسية تاريخية، كما حدث في أعقاب قيام الثورة الإيرانية ١٩٧٩ بعد فترة لا تتجاوز ست سنوات من التوافق بين مصر وإيران (السادات والشاه)، ومنذ ١٩٧٩ دخلت العلاقات المصرية الإيرانية مرحلة من الصراع في أغلب الوقت، وانطلاقا من مصطلح (مكر التاريخ)، بدأت إرهاصات من التقارب المعلن بين البلدين خلال المرحلة الجارية، فبالنظر إلى الموقف المصري لأغلب الأزمات الإقليمية نجد مساحة من التقارب والتي تصل إلى مرحلة من التوافق في أغلب تلك الملفات بين مصر وإيران، فالموقف المصري يقترب كثيرا من الموقف الإيراني في الأزمة السورية، والعراقية، وهذا لا يعني عدم وجود تناقضات بين الدولتين وهذا أمر طبيعي. ومن ناحية أخري وقياسا علي ما سبق نجد أن الموقف المصري يتطابق مع الموقف الجزائري في سوريا ويتناقض إلي حد ما في ليبيا، فهل تلك التناقضات تمنع قيام تحالف مرن بين مصر والجزائر والعراق في سوريا؟ مع استمرار التباينات في تقدير كل طرف في بعض الملفات الأخرى؟

الواقع يقول نعم ممكن أن تدخل مصر في تحالفات مرنة مع بعض الأطراف دون الإخلال في نفس الوقت بأن تسعي مصر لتشكيل تحالف آخر مع بعض الدول التي تتعارض مصالحها مع أطراف التحالف الأول.

(٢)

وهنا يأتي التساؤل الثاني: هل الوقت مناسب لقيام الدولة المصرية بتطبيق هذا المسار؟

بشكل واضح وصريح نعم الوقت مناسب، خصوصا في وقت يشهد أغلب الأطراف الإقليمية حالة من الشد والجذب فيما بينها، وهو ما يجعل من الدور المصري أمرًا حتميًّا، وبمعنى أدق يمكن القول إن أمام الدولة المصرية فرصة لاستغلال الكثير من التباينات الواضحة بين بعض الأطراف الإقليمية واللاعبين الدوليين تجاه الأوضاع في المنطقة العربية، لجذب بعض الأطراف القريبة من الرؤى السياسية المصرية تجاه بعض الأزمات، مع جعل كل ملف أو أزمة مستقال في حد ذاته. هذا المسار يعتبر أساسًا معقولاً لقيام محور مرن، نابع من المصلحة الوطنية المصرية وتكون مصر هي صاحبة المبادرة في قيام مثل هذا المحور، فهل تتمكن الدولة المصرية لأول مرة خلال الأربعين عامًا الماضية أن تكون صاحبة المبادرة.. فالفرصة ما زالت قائمة؟!