loading...

مقالات

نقابة الصحفيين.. ما بين مسار الاستقلال النقابى ودخول بيت طاعة السلطة

نقابة الصحفيين.. ما بين مسار الاستقلال النقابى ودخول بيت طاعة السلطة


فى يوم الانتخاب يكرم الصحفى أو يهان، والانتخابات التى تنعقد غدًا الجمعة 17 مارس، بعد أسبوعين من تأجيلها لعدم اكتمال النصاب، تأتى فى ظل محاولات بالغة الجلاء والوضوح، لا لامتهان قيمة الصحافة ومضامين رسالتها فحسب، ولا إدخال النقابة العريقة فى مواقفها ودفاعها عن الحريات المهنية والعامة فى هذا البلد إلى حظيرة السلطة، بل كذلك للهيمنة الكاملة والمطلقة على كل ما يتعلق بالصحافة وحريتها، والنقابة ودورها، ومساحات التعبير عن الرأى بالقلم والكلمة.
 
«1»
من الحديث عن (اختطاف النقابة) الذى روج له خصوم تيار استقلال النقابة، بالزعم من أن تيارات سياسية بعينها قد اختطفت نقابة الصحفيين ودفعت بها إلى الطريق المجهول فى الصدام مع السلطة (التى يحبون أن يختزلوا الدولة كلها فيها وفى أجهزتها الأمنية)، إلى ممارسة (اختطاف الإنجازات) التى حققها بالفعل أو قطع فيها شوطا مهما النقيب الحالى يحيى قلاش ومجلسه، بحثًا عن رهان بائس على وعود الخدمات على حساب الكرامة والحريات لإقناع الصحفيين بأن الطريق الصحيح والسليم هو ما يعتبرونه تصحيحا للمسار، وهو فى حقيقته استعادة لمنهج نقيب ومجلس يعبرون عن السلطة وينحازون لاختياراتها على حساب المهنة والمنتمين لها، والوطن والمدافعين عن حريته.
ليس جديدًا بالتأكيد أن يكون ذلك المنهج حاضرًا فى الانتخابات النقابية عموما، وانتخابات نقابة الصحفيين على وجه التحديد، فقد كانت كروت زيادة البدل والوعود بمشروعات وغيرها من المسائل الحاضرة دائما فى خطابات المرشحين المدعومين من السلطة أو بعض أطرافها وأجهزتها، لكنها هذه المرة تحديدا تأتى فى سياق أكثر بؤسًا من كل ما سبق، فهى من زاوية تأتى بعد ثورتين شهدهما هذا البلد انتصارًا للحرية والعدالة الاجتماعية معًا لا فى مواجهة بعضهما والبعض، ومن زاوية أخرى فهى تستعيد الرهان على فكرة تأميم العمل النقابى وإخضاعه لرؤية السلطة، التى تجاوزت كل الحدود والأطر، لتصبح تصوراتها عن دور الصحافة والإعلام هو الترويج للسلطة وسياساتها ومواقفها، وعندما تخرج الصحافة عن هذا الدور فإنها تصبح من حلف أهل الشر، فيحال نقيبها وأعضاء مجلس نقابتها للمحاكمات ويحال رؤساء التحرير إلى النيابات، وتصبح المعارك الانتخابية سبيلا للتشويه والتشكيك وغيرها مما نشهده حاليا فى المعركة الانتخابية الجارية التى تحولت إلى ما يشبه خناقات الحوارى من جانب مؤيدى وداعمى السلطة.  
 
«2»
كتبت شخصيا من قبل على صفحات هذا الموقع مقالا يختلف مع النقيب يحيى قلاش، لكنه كان من موقع المنتمى لنفس الموقف والموقع، وربما واجه البعض من الصحفيين وبالذات شبابهم ترددًا إزاء المعركة الانتخابية الحالية، اعتراضا أو احتجاجا أو حتى من باب فتور الحماس لطريقة إدارة النقابة للأزمة مع السلطة ووزارة الداخلية وغيرهما، التى مرت بمراحل متعددة، حتى وصلت إلى الحكم بحبس النقيب وكل من خالد البلشى وجمال عبد الرحيم عضوى مجلس النقابة اللذين يخوضان الانتخابات أيضا على مقاعد العضوية.. لكن الحقيقة أن المعركة الانتخابية الحالية تتجاوز أى خلاف لتنتصر للموقف الأساسى والجوهرى الذى انحاز له هؤلاء وغيرهم من آلاف الصحفيين، وبالذات شبابهم فى الانتصار لكرامة النقابة وحرية المهنة ودور الصحافة، وهو ما يستدعى فى الحقيقة تجاوز أى لحظات تردد أو فتور فى الحماس، لأن المعركة هذه المرة بالغة الوضوح، ونتائجها ستحدد لسنوات مقبلة طبيعة دور وموقف النقابة، ومدى قدرتها على حماية استقلالها ودفاعها عن أعضائها وعن المهنة، والانتصار لقيم الكرامة والحرية، فى الوطن عموما، وفى المهنة خصوصا.
 
«3»
المشاهد الختامية للحملات الانتخابية للمرشحين على مقعد النقيب كانت شديدة الدلالة فى الحقيقة، فما بين مرشح يعقد مؤتمرا صحفيا فى مقر مؤسسته الصحفية لتقديم وعود تقترب من طريقة الرشاوى الانتخابية بالحديث عن اتفاقات مع مسئولين فى الدولة على زيادة البدل أو تخصيص خدمات أو إنشاء مشروعات، ومرشح آخر يعقد مؤتمره فى مقر نقابته ويتحدث فيه عن مختلف قضايا المهنة وبالذات حريتها والقوانين المنظمة لها وقضايا الصحفيين المهنية والاقتصادية وغيرها، تبدو التوجهات والمؤشرات واضحة، كما تبدو الوجوه الرئيسية الداعمة لكلا المرشحين وانحيازاتها بالغة الدلالة فى الحقيقة، فمن انتصروا دائما لمرشحى السلطة وبعض الوجوه التى تسيء إلى أى معسكر تنتمى له فى الحقيقة وقفوا فى صف من قدم الوعود، بينما يحفل تاريخه، سواء على المستوى المهنى أو السياسى بما يناقضها، بينما غالبية عظمى ممن انحازوا دائما لتيار استقلال النقابة واحتشدوا فى 4 مايو فى مقر نقابتهم وقفوا إلى جوار النقيب المهدد بالحبس كسيف مسلط، لا على رقبته شخصيا، بل على رقبة النقابة والمهنة والحرية بشكل عام فى مصر.
 
«4»
ضراوة المعركة الانتخابية فى نقابة الصحفيين بالذات فى أسبوعها الأخير تكشف حقيقة هذه المعركة وأهدافها، فجاءت حملات التشويه كى لا تتوقف فقط عند النقيب يحيى قلاش، بل امتدت لغيره من المرشحين لمقاعد العضوية كممثلين عن تيار استقلال نقابى لا يعادى الدولة، بل يستقل عن السلطة واختياراتها، ويتمكن من التعبير عن التنوع النقابى واختياراته، وعن الانحياز للمهنة وحريتها، فى مواجهة غيرهم ممن انحازوا لشق صف الجماعة الصحفية فى وقت أزمتها، واختاروا صف سلطة القهر والاستبداد فى مواجهة المنتصرين للحرية والدفاع عنها، ولعل وعى الجمعية العمومية للصحفيين بطبيعة المعركة وآثارها المستقبلية، لا على نقابة الصحفيين وحدها، بل على مجمل الأداء النقابى واستقلاله خلال المرحلة المقبلة، بل وفى الحقيقة على قضية الحريات بشكل عام فى مصر، ومدى القدرة على فرض قوة القانون فى مواجهة قانون القوة وهو الشعار الملهم الذى استخدمه النقيب يحيى قلاش فى أزمة النقابة، هو ما سيكون عاملا حاسما فى اختيارات الجماعة الصحفية غدًا، ليس فقط فى اختيارها للنقيب، بل لأعضاء المجلس المنتصرين للنقابة والمهنة، لا للسلطة وأجهزتها.