loading...

مقالات

مبارك يسترد هديته المزعومة

مبارك يسترد هديته المزعومة


منذ أيام ركبت مترو الأنفاق كعادتى عند قضاء مشاويرى فى وسط البلد، أو عند الذهاب إلى أماكن قريبة من محطات خطوط المترو لكى أتجنب قيادة سيارتى الصغيرة وأرحم نفسى من جحيم البحث عن مكان لا أجده أبدًا لركنها، حتى داخل الجراجات المتعددة الطوابق مرتفعة الأجرة. كان صباحًا باردًا، لذا تعجبت فور دخولى عربة المترو عندما أدركت أن السائق أدار مكيف الهواء البارد على درجة حرارة منخفضة للغاية فى وقت من العام يندر فيه استخدام المكيفات. رد فعل الركاب الساخطين تمثل فى فتح الشبابيك لإدخال بعض الهواء الأقل برودة من خارج العربة لاتقاء التثلج! الأعجب أن السائق لم يدرك هذا، والمثير للشك أن نفس الموقف تكرر عندما قمت بتغيير الخط وركبت المترو المتجه إلى محطة البحوث! هل هى تعليمات ينفذها السائقون لكى يلقى بنا الهواء البارد المكيف فى أجواء أوروبية مزيفة فاحشة الغلاء؟ يحدث هذا فى بلد يعانى من ارتفاع أسعار الكهرباء، وعلى يد سائقى هيئة المترو التى تشكو من انخفاض دخلها مقابل ارتفاع مصروفاتها، وتحاول طوال الوقت تبرير اضطرارها، عما قريب، لرفع ثمن تذكرة الركوب.

فى بداية تشغيل الخط الأول كانت هناك عبارة صادمة رفعتها إدارة المترو قديمًا فى محطة التحرير تقول بصفاقة فى وجه الركاب: مترو الأنفاق هدية مبارك لشعب مصر. كان تكبرًا واجتراءً على الحق ما بعده اجتراء. كأنما مبارك، المدان بالتربح من وظيفته بحكم بات عاقبه بالسجن لمدة ثلاث سنوات قضاها فى محبسه الاحتياطى، كان يدفع من ماله الخاص لإنشاء ذلك المشروع كهدية يقدمها للشعب!

مترو الأنفاق رحمة للملايين من بهدلة وسائل المواصلات الأخرى وارتفاع أسعارها، ووقاية للجميع من زحام الطرق فى ساعات الذروة.

يبدو أن إدارة المترو، التى تنتوى رفع سعر التذكرة لكى تطرد الغلابة من جنته لتعيدهم إلى جحيم الميكروباصات، قررت إعادة هدية مبارك إلى صاحبها المزعوم، وليس فقط إعادة اسمه إلى محطة الشهداء. أكاد أسمع صوته يقول متباكيًا وهو يلوى شفته الغليظة السفلى كعادته: ماليش دعوة! أنا مش بس عايز محطتى أنا عايز هديتى كلها!

هى جت على دى بس؟ يا عم قول يا باسط. كل شىء يعود أسوأ مما كان. ربما لكى يضع الناس هذه النصيحة قرطًا حديديًّا ثقيلاً مؤلمًا فى آذانهم الدامية: إياكم والثورة لأن قبول الواقع مهما كانت مرارته أهون من النتائج التى تترتب على رفضكم له!

يبدو أن إنفاق المليارات من أموال الفقراء "قوى" فى مشروعات دعائية وهمية أهم بكثير من دعم مترو الأنفاق الذى يستخدمونه ليرحمهم من البهدلة.

ارفعوا اسم الشهداء من المحطة، وأعيدوا المترو بأكمله إلى من دفع ثمنه من جيوبنا لكى يستخدمه الميسورون فقط.