loading...

مقالات

كالمصريين تكلم

كالمصريين تكلم


 

هناك مشكلة دائما ما تحدث عند دخولي لمونتريال، مشكلة صغيرة لا تمنعني من الدخول، ولكنها تثير عدة أسئلة من ضباط الجوازات، تجعلني أشعر أنني أخالف قانونًا ما رغم أنها لا تتعدى السؤال حول المدد التي أقضيها في كندا مقارنة بالمدد خارجها، هذا التوقع يجعلني عصبيا وأنا أقترب من شباك الجوازات، ولكن الأمر هذه المرة كان مختلفا، فما إن شاهد الضابط الجوازات المصرية التي أحملها أنا وزوجتي حتى اتسعت ابتسامته وأوشك أن يقفز من خلف حاجز الزجاج، أمر نادر الحدوث، ولكن الضابط فاجأنا بالعربية الفصحى: هل أنتما قادمان من القاهرة؟ قال ذلك بحنان بالغ، قلنا له: أنت تتحدث العربية جيدا؟ أسعده ذلك فأضاف متحمسا: والعامية المصرية أيضا، هل تعجبكم لغتي؟ كان شابا لطيفا، ذهب إلى القاهرة خصيصا لتعلم اللغة، وهناك وقع في غرام المدينة وزحامها وضجتها، تسللت اللغة إلى دمائه دون أن يدري، وجد نفسه يجلس في الأحياء الشعبية، يتحدث دون انقطاع، ويقلش كما يقلشون، وفي كل فترة كان يتوقف ليقول: هل تعجبكم لغتي؟ كان يمكن أن نقف طويلا لولا أن صفوف المسافرين خلفنا بدأت بالتذمر، تسلمنا الجوازات واضطررنا إلى الانصراف للمرة الأولى دون مضايقة، لقد أنقذتنا اللغة وقدرتها على أسر الآخرين. 
تذكرت هذه الواقعة وأنا أقرأ المقالة التي كتبها بيتر هسلر عن سنوات عمله كصحفي في القاهرة ومحاولته تعلم العامية المصرية، أنا أحب كتابات هسلر عن مصر، فهو صحفي في "نيويوركر" المجلة الأمريكية العريقة، عمل طويلا في الصين وكتب عنها ثلاثة كتب، ثم انتقل للقاهرة، ورغم سكنه في الزمالك فقد انخرط في الحياة الشعبية، وشاهد ما غفلت عنه عيوننا كمصريين، وقد ترجمت له منذ عامين مقالا خطيرا عن "الزبالين في مصر" نشر في مجلة "إبداع"، كشف فيه عن الواقع الاجتماعي المصري من خلال قراءة محتويات القمامة التي يجمعها الزبالون، وله مقالة أخرى عن إحدى المدن المصرية الأثرية "أبيدوس"، وثالثة عن البائعين الصينيين الذين يتجولون حاملين بضائعهم في المدن المصرية، وكلها مقالات طويلة كعادة مقالات "النيويوركر" وهذه مقالته عن كيف تتكلم كالمصريين، وسأترجم بعض المقاطع منها:

«"عندما تنتقل إلى بلد آخر فإن اللغة تنساب حولك مثل نهر، ربما يمكن للأطفال أن يتركوا أنفسهم مع التيار، ولكن الكبار يكتفون بالتقاط الكلمات والجمل التي تهمهم، وهذا ما فعلته عندما انتقلت بصحبة أسرتي إلى القاهرة عام 2011، في الخريف الأول بعد الربيع العربي، بعد أن أرغم حسني مبارك على التنازل عن الحكم في فبراير، وتعودت أنا وزوجتي ليزلي على مقابلة معلم للغة لمدة ساعتين في مدرسة تدعى "كلمات" حيث كنا ندرس العربية المصرية، وفي نهاية كل فترة كان يقوم بتدريبات صوتية لنا، وفي بداية ديسمبر عقب الانتخابات البرلمانية التي فاز فيها الإخوان المسلمون بالأغلبية استطعت أن أنطق بعض الكلمات مثل: "مسجد - صلاة - إمام - شيخ - لحية - سجادة - حرام" وفي أثناء ذلك كنت أذهب لمسجد التحرير لمتابعة أحداث الثورة، كنت أدون الكلمات المختلفة التي أسمعها وأعود بها إلى الفصل. 
وفي يناير بعد أن بدأ بعض الثوار يشكون في أنني مجرد صحفي ولكني أكتب تقارير عنهم، بدأت أعرف كلمات جديدة: "عميل - سفارة - جاسوس - إسرائيلي - يهودي"، وفي الشهر التالي تعلمت جملا جديدة: "مذبحة - الغاز المسيل للدموع - هل يمكن أن تتحدث ببطء؟ - نظرية المؤامرة"، أحيانا أتعجب من قوة الكلمات في التحرير، وماذا كان يمكن أن تكون كلماتي لو جئت إلى هذا الميدان مبكرا بعشر سنوات؟، ولكن العامية تختلف في كل وقت وفي أي مكان، لا يمكن أن تجد اللغة نفسها مرتين، وبعد فترة إن استطعت أن أفهم برامج الحوار التي تذاع في الراديو حين أكون في سيارات الأجرة فقد وجدت أن الدردشة تبدأ تقريبا بالتعبيرات المحفوظة ذاتها والتي هي بعيدة عن لغة التحرير مثل: "السلام عليكم - وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته - كيف حالك - الحمد لله بفضله وأنت - الشكر لله في أحسن حال" وقد قدم لنا واحد من مدرسينا الأستاذ رفعت أمين خمس صفحات كاملة تتضمن كل عبارات المجاملة وحسن السلوك في اللغة، وتعودت أن أسمع جملة ما شاء الله كلما خرجت بصحبة ابنتي التوأم، وأحيانا كان أحد كبار السن ينظر مبتسما للطفلتين وهو يقول: وحشيين، وحشين، وكان هذا التعبير الخشن يثير حيرتي، إلى أن قام أحدهم بإفهامي أن المقصود بهذا التعبير العكسي هو دفع العين الشريرة عن الطفلتين، وقد علمنا الأستاذ رفعت ماذا نقول لشخص عائد من السفر، أو تعافى من المرض، أو عندما يذكر أمامنا اسم شخص ميت "يرحمه الله"، وأيضا ماذا نقول للشحاذين في الشوارع: الله يحنن عليك، وهناك كلمات تهنئة تقال لكل فعل يقوم به الشخص، حتى عندما يحلق المرء شعره يقال له: نعيما، يقولها الحلاق في كل مرة يقص فيها شعري، ولم أكن أفهمها في أول الأمر حتى شرحها الأستاذ رفعت واستطعت أن أرد على الحلاق قائلا: الله يجمعنا وياك".

الأستاذ رفعت في الخمسينيات من العمر، رجل صلب، تومض عيناه عندما يندمج في الشرح، شعره كثيف البياض وبشرته سمراء، جاء من الصعيد من بلدة أبيدوس، البلدة التي جاء منها ملوك الأسرة الأولى في مصر، وهو فخور بتراثه، ومثل الكثيرين من أبناء الطبقة الوسطى الذين نشؤوا في منتصف القرن الماضي فهو ناصري، نسبة لجمال عبد الناصر الذي هو صعيدي مثله، وفي الساعة العاشرة من كل يوم يحول الأستاذ رفعت قنوات التليفزيون إلى محطة (روتانا) ليشاهد تسجيلا يعود إلى الخمسينيات أو الستينيات تغني فيه أم كلثوم، وفي ذات مرة جعلنا الأستاذ نكتب ورقة فيها: أنت لا تكون مصريا حقا إذا لم تحب أم كلثوم، ويتصرف رفعت بشكل طبيعي في وجود النساء، وهذا أحد الأسباب التي جعلتني أنا وليزلي ندرس في فصله، فالقاهرة مدينة مشهورة بالتحرش الجنسي، ولكن تصرفات الرجال تجاه المرأة تتجه بشدة إلى العكس، فعندما نكون أنا وليزلي معًا وسط جمع من الجيران، يقوم الرجال بأدب بتوجيه معظم الحديث نحوي، ويتجنبون بحرص أي نوع من النظر المباشر لعيني زوجتي، لا يعاني الأستاذ رفعت من هذا الأمر وقد تعود على التدريس للأجانب وعمل كمدرس خاص للممثلة إيما تومبسون حين كانت تصور أحد الأفلام في القاهرة، وكان يعاود الحديث عن أم كلثوم في مناسبات عديدة، وكيف أنها لم تتزوج إلا وهي كبيرة في السن بسبب ميلها للنساء ولم تنجب أطفالا، وكان معجبا بثوار التحرير ويقدر كثيرا قيمة الحرية الشخصية، ويدرك أن مصر في حاجة إلى تغير اجتماعي كبير، فهناك عقيدة سائدة، وإحساس موغل بالقومية، ورباط أسري قوي يجعل المصريين يشعرون وكأنهم جميعا داخل غرفة مغلقة، لا حرية للحركة ولا مجال للمبادرات الفردية.

لقد استمتعنا كثيرا بدراسة العامية المصرية، أحسسنا أننا نشارك في الميل القومي نحو ربط المتضادات: التقاليد بالحداثة، النظام بالفوضى، وكنا قبل السفر للقاهرة قد التحقت أنا وليزلي ببرنامج صيفي لدراسة العربية بكلية "ميدل بيري"، قضينا ما يقارب الشهرين في دراسة الفصحى، ولكننا في القاهرة تحولنا لدراسة العامية، وهي أقل في مستواها الأدبي، ولكنها حية وفعالة، وقد اشتقّت من اللغة القبطية أو الفرعونية القديمة، وتحتوي على كلمات أخرى من اليونانية والفارسية والتركية وحتى الفرنسية والإنجليزية، وبعد الربيع العربي اهتم الكثيرون بدراسة اللغة العربية وأصبحت مدرسة "كلمات" مزدحمة بالأجانب، ولكن الأوضاع السياسية سرعان ما تفاقمت، وتم إلغاء كثير من البرامج مع الدول الغربية، وفي ربيع عام 2013 أصبحنا أنا وليزلي وحيدين في المدرسة، وأصبح الأستاذ رأفت مكتئبا، كان قد أسس هذه المدرسة بمساعدة أحد أشقائه، وكانت تؤدي دورها بنجاح إلى أن تدخلت السياسة وأفسدت كل شيء على حد تعبيره».

المقال طويل، لأن الكاتب يحكي فيه عن دخوله إلى مواقع الدردشة العربية ومشاركته في الحوارات اليومية، ولكنني أكتفي بهذا القدر من الترجمة.