loading...

مقالات

مشاهد من طنطا

مشاهد من طنطا


في ركن داخل الجزء المخصص لتسليم الجثث وقفت أتابع أفراد عائلة ينتظرون سماع اسم ابنتهم التي راحت ضحية تفجير الكنيسة البطرسية في الصباح. زحام شديد في أرجاء المكان، وارتباك في الطرقات، بينما الخجل والعجز واضحان على وجوه العاملين.

يحاول العامل المسئول عن الأمر أن يقول شيئا فتخرج الكلمات غير مترابطة وبلا معنى، يعتذر إليهم بكلمات مواساة تثير غضب أصغر الواقفين، فيصرخ فيه أن ينهي الأمر سريعا قبل أن يطلب منه الباقون الصمت.

بات الصحفي منا يعرف خط السير، والأسئلة التي يوجهها، والقصص التي ستصلح عناوين بارزة لتقارير التليفزيون المسائية أو في صفحات الصباح، والحكايات المؤثرة للبشر وسط إحصاءات الموتى والمصابين، فلماذا تبدو أجهزة وزارة الصحة في مرافق الطوارئ تحديدا متفاجئة وعاجزة ومرتبكة مع كل حادث؟

مع تكرار هذه الحوادث لا يتغير شيء سوى أسماء الضحايا. ذات الارتباك والمفاجأة والاعتماد على رقة القلوب، واجتهادات البشر ومبادرة المواطنين لفعل الخير بالمشاركة في نقل المصابين أو التبرع بدمائهم. لكن أول ما فكرت فيه مع تزامن كارثتي «مارجرجس» و«مارمرقس» سؤال وحيد: هذه المرة كيف ستتعامل المستشفيات الجامعية وأجهزة وزارة الصحة التي تعاني من العشوائية وتواضع الإمكانات مع انفجارين بهذا العنف والبشاعة في محافظتين كبيرتين بعيدتين عن القاهرة ومركزيتها؟

في طنطا كان العدد أكبر، والحديث عن الارتباك مضاعفا، ونجاح الانتحاري في الوصول إلى داخل الكنيسة المزدحمة مع بداية أسبوع الآلام زاد من خطورة الأمر. 
فما الذي جرى في المستشفى الذي استقبل كل هذه الحالات؟

جرَّاح ممن استقبلوا المصابين في الدقائق الأولى من الحادث تحدث إلىّ طالبا عدم ذكر اسمه قبل أن يسرد لي تجربته في هذا اليوم.

اختصر المشهد في البداية بـ"عشوائية". ثم أردف بأن الأمر كان متروكا للاجتهادات الفردية، رغم طلبات متكررة للتدريب على مواجهة حالات طارئة كتلك، خصوصا بعد التفجير الذي استهدف مركز تدريب للشرطة في المدينة مطلع الشهر الجاري.

لا توزيع للأدوار، ولا خطة للتعامل المبكر لفصل الحالات، ولتقسيمها حسب خطورتها منذ استقبالها في الإسعاف إلى وصولها في الطوارئ. يضيف أنه وزملاءه تحدثوا مرارا مع الإدارة للتدريب على هذا ولم يستجيبوا، يكتفون بالصور مع الجرحى والمرضى والجولات المفاجئة فقط.

هذه العشوائية ينتج عنها تأخير في اللحاق بمن يحتاج لتدخل أسرع، حين يتوجه جراح أو طبيب طوارئ ليبحث بنفسه عن الحالات التي تستوجب التعامل العاجل فيقوم بمهام من الممكن أن يقوم بها غيره إلى أن تصل حالة خطرة يكون التأخير قد فاقم سوء حالتها.

أكثر ما كان مؤلما له هو نظرات إحساس بعدم الأمان واضحة في عيون المرضى، كثيرون منهم طلبوا النقل إلى مستشفيات أخرى، وبعينه رأى من خرجوا من العناية المركزة لينقلهم ذووهم إلى مستشفيات أبعد.

يختم حديثه قائلا: ضغطُ هذا اليوم علىَّ جرحٌ كبيرٌ. شعرت أننا في قاع العالم، وتعاظم إحساسي بالندم أني لم أغادر مصر عند أول فرصة ظهرت أمامي.

زميل آخر يرى أن الزحام أسهم بشكل كبير في المشهد العشوائي، أطباء وطواقم تمريض يريدون المشاركة دون أن تنجح رؤية إدارية في تنسيق هذا، وعائلات كاملة أتت للاطمئنان على حال أبنائها وأبناء جيرانها وزملاء العمل تكدسوا في طرقات المستشفى، لكن أكثر ما أثار دهشته وانتباهه هو السكينة والاستسلام في وجوه وتصرفات ذوي الضحايا. أمر مؤلم أن ترى ذلك.

ويضيف أن زميلا لهم تولى مسئولية التعامل مع الذين فارقوا الحياة. أغلق على نفسه غرفة تجمعهم وكتب اسم كل حالة على ذراعها، وجلس منتظرا إلى أن يصل الأهل لتسلمهم.

الساعة الأولى كانت الأقسى والأكثر بشاعة. يضيف طبيب آخر. الحالات الخمس عشرة الأولى وصلت ميتة. أشلاء متفرقة فقط.

يضيف أنه على الرغم من وقوع حادث مركز تدريب الشرطة قبلها، ويقينه كطبيب طوارئ بأن صميم عمله اليوم استقبال وتعامل مع الحالات الأخطر والإصابات الأكبر، إلا أن حجم الحادث والإصابات الناجمة عنه لا يقارنان بما رآه الأطباء في ذات اليوم وما سيرونه في المستقبل القريب، حسب توقعه.

كثير من العاملين في المستشفى في هذا اليوم اكتشفوا أن من بين المصابين أقارب وجيرانا ومعارف. يجمع كل من تحدثت إليهم أن هذا كان المشهد الأقسى حين يعيدون شريط ما رأوه في ذلك اليوم.

يختم ما رآه في اليوم بحكاية زميلهم كيرلس الطبيب في المستشفى ذاته. حين وجدوه قادما وقد أصيب في الانفجار، لكنه يحاول إنقاذ شقيقه بيشوي من إصابات أخطر قبل أن يفارق الأخير الحياة.