loading...

مقالات

حبيبة وشادي

حبيبة وشادي


استقللت الترام ليلا فى طريق عودتى للبيت. فى محطة جليم صعد ثلاثة شبان تحت العشرين بقليل: فتاتان وفتى. كانوا يكملون خناقة بدأت قبل صعودهم الترام. بادر الفتى، رشيق القوام وشبيه الممثل خالد أبو النجا، باستكمال النقاش الحاد.عندها اتضحت الصورة قليلا، أنه على خلاف مع إحدى الفتاتين التي تعد بمثابة حبيبته، أما الفتاة الأخرى فهى الصديقة المشتركة لهما، والتى سيناط بها منح أذنها للفتى عند نشوب أى مشكلة بينه وبين صديقته، والاستماع له ومحاولة إقناعه بجدارة موقف صديقتها، وبالصفات التى لا يراها فيها، ويحتاج لمن ينبهه إليها.
طوال شرح الفتى، واسمه شادي، موقف حبيبته، واسمها حبيبة، أمام الصديقة المشتركة؛ كان يتحدث بصوت به رنين مستقر للإدانة، يحاول جاهدا أن يشرح خطأ صديقته بإسهاب وتكرار، بينما هى تقف بجانبهما صامتة ووجهها محتقن كأن الكلام لا يدور عنها. ربما كانت تستمع بلا مبالاة، أو تسد أذنيها الداخليتين بيديها الداخليتين أيضا، أو تعيد على ذاكرتها عدد المرات التى حاول فيها شادي أن يثبت خطأها، وخطأها فقط، كأنه معصوم من الخطأ.
بينما الصديقة المشتركة تستمع لشكوى شادي، انفجرت حبيبة بالكلام، موجهة أيضا حديثها لصديقتها، شاهد الإثبات، قائلة إنه، تقصد شادي، دائما ما يريد أن يجعلها غلطانة، وأنها زهقت من تبرئة نفسها باستمرار. كان الخطأ هذه المرة مثبتا فى سجل الواتس آب الذى استشهد به شادى أمام الصديقة، كون حبيبة ردت عليه بكلمات غير لائقة، لا تليق بين حبيب وحبيبة.
لم يلتفت شادي لاعتراض حبيبة على طريقته فى الكلام، وإلحاحه على إثبات خطئها. فتذهب حبيبة بمفردها تجاه الناحية الأخرى المواجهة لنا، وتفتح الشباك أمامها لتسمح بدخول المزيد من الهواء ليبعثر هذه اللحظات الصعبة، ويمحو آثار هذا العتب الدائم الذى يجعل مزاجها رماديا. كان لحبيبة وجه جميل أبيض منساب وهادئ، وشعر أصفر ناعم ومنسدل على جبهتها، وكلما زادت سرعة الترام أعادت الخصلات التى طيّرها الهواء لمكانها. تكررت هذه الحركة، كأنها تكبح جماح هذه الخصلة المتطايرة لتعيدها لمكانها فى الفصل.
كانت حبيبة، كما ذكرت صديقتها فى معرض الدفاع عنها أمام شادي، من النوع الذى يكتم داخله الأسرار والمشاعر والانفعالات، ولا يقدر على التعبير عما يدور بداخله فى لحظة حدوثه، بل تحتاج دائما لوقت حتى يتوافق استيعابها لما حدث مع الحدث نفسه. لذا حبيبها كان يأتي مبكرا دائما، قبل أن ينضج الحدث بداخلها.
أخذ شادي يكرر أمام الصديقة أنه يعرف تلك الصفة فى حبيبة، وأنها تجد لسانها مشلولا عاجزا عن الرد فى أحيان كثيرة. ربما استكثر على نفسه أن تعرف الصديقة المشتركة صفة جوهرية فى صديقته ولا يعرفها هو، لذا أعاد كلام الصديقة المشتركة ولكن هذه المرة على لسانه هو بدون أى إضافات.
كان شادي يتكلم عن حبيبة كأنها غير موجودة، بينما هى تستقبل فى الناحية الأخرى، على بعد خطوات، دفعات من الهواء لتهدئ روعها. توقف شادى عن الاسترسال فى الحديث، عن تلك المرافعة الطويلة أمام قاضيه الغائب. ربما شعر بأنه الأولى له أن يوجه هذا الحديث لصديقته، فخطا تلك الخطوات القليلة التى تفصله عنها. كانت على آخرها، وربما انتظرته أن يخطو تلك الخطوات لترد عليه بقوة، فبمجرد وقوفه أمامها انفجرت فيه وقالت له إنها لا تريد أن تتكلم نهائيا معه، وإن عليه أن يتوقف عن الحديث.
استلم شادي هذه الدفعة من الغضب على قلبه، فعاد إلى موقعه بجانب الصديقة وأراح رأسه بيأس على حافة ظهر المقعد، كأنه يتألم، ويتلوى. 
وبالفعل كان يتألم ويتلوى من طريقتها الجافة فى صده. ربما فى تلك اللحظة أضاف ذلك الغضب الموجه من حبيبته لسلسلة الأخطاء التى ارتكبتها معه وسيذكرها به يوما ما. بينما الصديقة، التى وجدت نفسها بلا عمل، أخرجت الموبايل وأخذت تفر رسائلها التى علا رنينها.
طالت دقائق يأس شادي، وإرخاء رأسه على ظهر المقعد. ربما كان ينتظر النجدة من حبيبة، بأن تأتي إليه وتطيب خاطره وتعتذر إليه. ولكنه لم يحدث. فذهب إلى باب الترام الذى كان مفتوحا ووقف على درجتها السفلى شابكا ذراعيه. جاءت وقفته مباشرة وراء ظهر صديقته المركونة على العمود. ثم انتقلت صديقتها لتقف أمامها تماما ومواجهة لشادي.
عندما توجه شادي إلى باب الترام المفتوح ظننت أنه سيلقي بنفسه من الترام بعد التحرك من المحطة ليغادره إلى الأبد. بينما خمنت حبيبة، من موقعها، بأنه غادر الترام، وحاولت أن تراه بطرف عينها، ثم ذهبت بعينها لصديقتها، التى جاءت لتقف معها، لتستفسر منها، فأشارت صديقتها بأن شادي ما زال يقف على السلم ولم يغادر الترام بعد. عندها اطمأنت حبيبة.
كان شادي، هو الآخر، يستقبل دفعات من الهواء المار أمام الترام، كما فعلت حبيبة من قبل، لينثر رماد أفكاره التى احترقت للتو. لم يطل وقوف شادي على السلم، ولم يطل زمن التخلص من طبقة الرماد التى كست قلبه، فبعدها بقليل يثوب شادي لرشده، وينفض عن نفسه غطاء الغضب، ويدور نصف دورة داخل الترام، ويقترب من حبيبة فى مكانها ويلمس كتفها، ثم يحتضنها نصف حضن، بما تسمح به وقفتها وحضور الجمهور الليلي فى الترام. تستجيب حبيبة سريعا لهذه اللمسة، كأنها تنتظرها، وجاءت متأخرة عما توقعت. لمسة الكتف من شادي كانت مثل عصا الساحرة التى أيقظت ذاكرة الحب.
عندها تضحك صديقتهما المشتركة التى تعودت كثيرا على مثل هذه الأدوار والمواقف، والتى كانت تحاول جاهدة فى البداية أن تشرح لشادى الصفات الجوهرية لصديقتها. جاءت اللمسة على كتف حبيبة لتنهار رمال تلال المشاعر المكبوتة، ولم تعد تحتاج لتنفث عن غضبها، بل ذاب الغضب داخل مشاعر الحب. ونزل الاثنان مع الصديقة فى محطة السرايا ليكملا مسيرتهما المنتصرة.
فى فترة الثانوى ارتبطت بفيلم اسمه "بول وميشيل" عن قصة مراهقين يتحابان ويتزوجان وينجبان، دورة حياة سريعة تحدث فى وقت قصير. أيضا فى فيلم "البحيرة الزرقاء" التى قامت ببطولته بروك شيلدز، فتى وفتاة مراهقان، إيميلين وريتشارد، ينجوان من غرق سفينة فى المحيط الهادئ، ويجدان نفسيهما وحيدين فى جزيرة، كآدم وحواء فى الجنة. ويبدآن فى التعلم من الطبيعة، والتعرف على جسديهما والمشاعر المكبوتة بداخلهما، ومعًا يكتشفان آلام الجنس والعلاقة الجنسية، والرغبة والنشوة والحب والولادة والاختلاف فيما بينهما. دورة حياة طويلة تحدث فى زمن قصير، كأن الاكتشاف يختصر الزمن، قبل أن يخرج آدم وحواء من الجنة بعد اكتشافهما للشجرة المحرمة.
لم يعلم شادي وحبيبة أنه أثناء شجارهما وتصالحهما فى الترام، كان هناك جيل آخر يطل عليهما من شرفة عمره بدون أن يرى نفسه فيهما. كان فقط يريد أن ينتصر الحب، حتى ولو كان عمره قصيرا، حتى ولو تخلله الكثير من الأخطاء، فأى اكتشاف كما يختصر الزمن، يختصر أيضا طرق النضج وطرق معالجة الأخطاء.