loading...

مقالات

هذا كلام نظري!

هذا كلام نظري!


في غالب الأحيان، كثيرًا ما نسمع هذه العبارة من بعض رجال السياسة، ومقدمي البرامج التلفازية، ومن البيروقراطية، ومن داخل التكنقراط في السلطة والدولة، وهي عبارة ترمي إلى إسكات صاحب التحليل النظري، أو تأصيل المشكلة أو الأزمة أو الظاهرة المطروحة للنقاش في التلفازات والأقنية الفضائية أو المحلية، ومحاولة الوصول إلى إجابات سريعة وسطحية حتى وإن كانت تتسم بالتفاهة واللغو.

والسؤال لماذا يرفض كل هؤلاء التأصيلات التاريخية والنظرية لمشكلاتنا المصرية والعربية؟ هل يمكن تقديم حلول لمشكلات الإرهاب، والعنف المادي واللفظي والجنائي، دون تعريف لهذه المصطلحات أو التمايزات فيما بين بعضها بعضًا، وتحديد الحقول الاجتماعية أو السياسية أو الرمزية التي تنتمي إليها؟ هل يمكن تقديم إجابات عن سؤال ما الذي يقف وراء الأيديولوجيات الإسلامية السياسية الوحشية أو العنيفة على نمط القاعدة أو داعش دون تحليل بنية هذه النظريات والصلة الوثيقة فيما بينها، وبين السلوك الإرهابي والعنيف لهذه الجماعات؟

هل يمكن تجديد الخطابات الدينية، دون معرفة ما هو الخطاب، وبنيته ومرجعياته وآلياته وسياقاته؟ هل يمكن التجديد دون دراسة بحثية معمقة للسوق الديني والخطابات المتصارعة والمتنافسة داخل؟ هل يمكن تجديد الفتوى كإنتاج إفتائي دونما درس للأسئلة المطروحة وتحليلها وسياقاتها، وتحليل الفتاوى وأنماطها وتاريخها ومذاهب من قاموا بالإفتاء؟

هل يمكن تجديد أو إصلاح الدولة المصرية دونما معرفة بتاريخها وهياكلها ومشكلاتها الموروثة والجديدة، والعلاقات بين سلطاتها وأجهزتها، ومعها ثقافة الدولة والبيروقراطية والثقافة السياسية السائدة؟ هل يمكن إجراء إصلاحات سياسية دونما معرفة بتطور النظام السياسي التسلطي، وأسس وجذور التسلطية السياسية؟ هل يمكن دراسة العلاقة بين الإسلام والسياسة، دونما درس نظري وتاريخي وتحليلي لأيديولوجيا الجماعات الإسلامية والعلاقة بين الديني والسياسي في الموروث السياسي الوضعي التاريخي عمومًا، وفي الحالة المصرية على وجه التحديد منذ الدولة الحديثة، وحتى المرحلة الراهنة؟

هل يمكن الحديث عن تمكين المرأة دوما دراسة للنظريات المختلفة في هذا الإطار، والاتفاقيات الدولية التي تمنع التمييز؟ هل يمكن تناول قضايا المرأة والسياسية والمجال العام والإسلام دونما معرفة بهذه المفاهيم وتاريخيتها والعلاقات فيما بين بعضها بعضًا؟.

عديد الأسئلة والقضايا والمفاهيم والمصطلحات تحتاج إلى الضبط والوضوح وطبيعة استخداماتها ومجالاتها، وليست محضُ إنشاء لغوي لتجميل البيان اللفظي، والشفاهي والمكتوب على نحو ما هو شائع في المقابلات التلفازية، أو المقروءة، أو المسموعة في حياتنا اليومية التي أصبحت جحيمًا من الهراء واللغو والثرثرة اللفظية، والتي تساهم في إشاعة الغموض والتشوش، وتشكل عائقًا أمام مواجهة أزماتنا ومشاكلنا التي تتراكم وتتفاقم يومًا بعد الآخر، كنتاج لضحالة العقل السياسي، في الحكم والمعارضة، وغياب رؤى وسياسات مؤسسة على البحوث المتخصصة التي يجريها ثقاة الباحثين، ومن ثم أدى غياب هذه الرؤى والسياسات والبرامج إلى وقوعنا أسرى العشوائية والتفاهة والسطحية وتكالب الأزمات وانفجارها في وجوه الدولة والمجتمع والسلطة والجمهور العادي من أبناء الشعب، بل وإزاء النخبة السطحية التي تثرثر في الصحف والإذاعات والتلفازات والفضائيات.

قارن بين الأحاديث والمقابلات في التلفازات الفرنسية والألمانية، وبين ما يجري من مقابلات في التلفازات العربية، حيث بعض العمق في المعالجة من الخبراء في فرنسا وألمانيا، وسطحية بل وتفاهة غالب ما يقال في التلفازات العربية والفضائيات؟ بل وقارن بين بعض الفضائيات العربية وأداء مقدمي ومقدمات البرامج وبين نظرائهم في التلفازات المصرية والفضائيات الرسمية والخاصة، والإجابة هي تفوق الفضائيات العربية، وتراجع مستويات المصرية الخاصة والرسمية؟ على الرغم من تراجع مستوى مهنية وأداء الفضائيات العربية في السنوات الأخيرة؟

هذه التباينات تشير إلى خلل كبير في التكوين المهني والخبراتي لمقدمي البرامج ومعديها مصريًا وعربيًا، وبين نظائرهم في أوروبا وأمريكا وكندا ... إلخ، وبين عمق المعالجة، في إطار لغة الصور والرقميات، وبين ضحالة ما يقدم للمشاهد أو القارئ أو المستمع المصري والعربي، مقارنة بنظرائه عالميًا!

هذا كلام نظري! رد فعل يكشف عن عدم رغبة في المعرفة المتخصصة، والسعي إلى إجابات سهلة من بعض ثقاة المتخصصين على أسئلة معقدة وظواهر مركبة، ومن ثم رغبة في إجابات إثارية سريعة وموجزة، وعامة لا تفسر شيئًا ولا تجيب عن شئ!

بعض النخب السياسية والإعلامية والصحفية من فرط ضحالتها، تتصور أن المشكلات والأزمات والظواهر السياسية والاجتماعية بسيطة، ويمكن بسهولة وضع حلول بسيطة كأدوية أو مسكنات لأعراض الأمراض السياسية والثقافية والاجتماعية ذات الجذور والأسباب والتطورات التاريخية المعقدة! عقل نخبوي ضحل، يكاد يتشابه مع عقل العوام الذين لا يعرفون سوى آلام الأمراض، ولا يريدون معرفة تشخيصها وأسبابها، وطرق العلاج منها!

هذا كلام نظري! جملة مفتاحية كاشفة عن أننا نحصد تاريخًا من تدهور النظام التعليمي، وضعف التخصص، وندرة الخبرات، وغياب المهنية، ورداءة ثقافة الكلشيهات، وعدم متابعة التطورات التي تحدث حولنا في العلم والمعرفة والمشكلات والظواهر عالميًا وإقليميًا ووطنيًا!

خذ على سبيل المثال، مطالبات رجال الدولة والمعارضة والمثقفين وا .... وا ... للأزهر بتجديد الخطاب الديني! ويربطون بين مناهج الأزهر وبين العنف والتطرف والإرهاب ... إلخ! ولا يعرف هؤلاء وأولئك أنه لا يوجد خطاب، وإنما خطابات متعددة، وداخل الخطاب خطابات! لا يعرف هؤلاء خريطة أو جغرافيا الخطابات الدينية المتصارعة والمتنافسة في الأسواق الدينية الوطنية والمحلية والعولمية، وبين أنماطها ومرجعياتها، وبنياتها ... إلخ!. لم يقل لنا بعضهم ما هي هذه الخطابات التي تحرضُ على العنف والإرهاب وكراهية الأقباط ... إلخ! ومن هم منتجي هذه الخطابات داخل المؤسسة الدينية الأزهرية الرسمية أم خارجها، وإلى أي الجماعات السياسية الإسلامية ينتمون؟ وما هي دوائر استهلاك هذه الخطابات اجتماعيًا ومناطقيًا؟

لم يقل لنا أحد ما هي المناهج المقررة في الأزهر التي تحضُ على العنف أو الموقف من المسيحيين وغيرهم؟ أو الموقف من المرأة، أو القوانين الوضعية الحديثة؟ وهل هي مناهج سائدة في التعليم الأزهري ومعاهده أم في كليات جامعة الأزهر؟ وأيًا منها؟!

فجوة بحثية ومعلوماتية، ونقض في المعرفة الدقيقة، والوعي بالمشكلات والتشخيص العلمي الجاد، ولهذا نرى نزعة هجومية على الأزهر وتحمله كل مشاكلنا، وبعض هذه الآراء ذات السند العلمي والمعلوماتي صحيحة دون تعميم، وبعضها الآخر أقرب إلى اللغو والثرثرة والشعارات. بعض ردود الأزهر تتسم بالشعاراتية وتفخيم المؤسسة العريقة ومديح رجالها، ودون إجابة على الأسئلة، وهل قام الأزهر بدوره في إصلاح المناهج، وما هي رؤيته ومعالمها الرئيسة، وكيف تم تطبيقها هل بالحذف لبعض النصوص دون غيرها، أم من خلال التحول من النظرة النقلية إلى الاجتهادية والنقدية؟! لم يقل لنا الأزهر مثلاً ما هو الجديد لمواجهة الظواهر العنيفة لدى الجماعات الإسلامية السياسية، وهل درس خطاباتها ومرجعياتها وقام بتفكيكها وتحليلها ونقدها؟ أم يرتكن الأزهر ورجاله على النزعة الدفاعية ويعتبر أن الهجوم على الأزهر هو هجوم على الإسلام! وهو شعار خطير لأنه يحول الإسلام العظيم إلى رهينة والعياز بالله في أيدي كهنوت مستحدث هو الأزهر، في حين أن القاعدة الراسخة لا أحد يحتكر النطق باسم الإسلام، لأنه لا كهنوت في هذا الدين العظيم ولا وساطة بين الله عز وجل، وبين عبادة المؤمنين؟.

هذا كلام نظري عبارة استنكارية تهدف إلى استمرارية الكسل العقلي، وذهنية الشعارات المرسلة، وعدم الإيمان بالعلم والتخصص والجدية والاجتهاد، ومن ثم الوقوع أسرى لمزيد من التدهور والتخلف، وتكالب الأزمات، والانفجارات!