loading...

حكايات

فيديو| ناجي ويسرية.. قصة زوجين بعثا الأمل لذوي الإعاقة وتأهلا للفوز بمليون درهم

ناجي ويسرية

ناجي ويسرية



ميزت الأشجار بمركز كفر صقر بمحافظة الشرقية منزل "ناجى" و"يسرية"، صبارٌ وريحانٌ ووردٌ بلدي تضافرت جميعها في دلاء بلاستيكية كشفها باب حديدى كبير يطل على فناء واسع، معد للجلوس بسجادة ومساند للظهر، وبجواره بابٌ خشبى.

يحاول "ناجي أبو الفتوح"، 37 عامًا، المرور من الباب الخشبي، فيضغط على كرسيه الكهربائي المتحرك ليصل إلى صالة صغيرة بها صالون جلوس وتليفزيون قديم؛ أمامه جلست "ريم" الابنة المدللة لـ"ناجي": "ماما فين يا ريم؟"، بيدها النحيفة لوَّحت له في اتجاه المطبخ.

يقوم "ناجي" بالتوجه إلى المطبخ، ليجد زوجته "يسرية عبد الله"، 35 عامًا، تطهو الطعام وهي جالسة على الكرسي الكهربائي الخاص بها هي الأخرى، وعن سبب جلوسها عليه، تقول: "أنا كنت بامشي على عكاز وباسند عليه وأنا واقفة على بطني، لكن الدكتور قاللي إنه غلط على الجنين، وانا أما صدقت إن ربنا يراضيني، فقعدت على الكرسي المتحرك".

ناجي ويسرية


تكمل "يسرية" وهي تطهو طعامها على الكرسي المتحرك، ولا يبدو عليها الضيق من وضعها: "جاتلى الإعاقة وأنا عندي 6 شهور، وماكنتش بامشي خالص، والدي ووالدتي بدأوا معايا العلاج من بدري، فمشيت بعكازات وأنا صغيرة، بس ماتعلمتش لأني عايشة في قرية فقيرة".

يقاطع "ناجي" حديث زوجته، قائلًا: "بس في الآخر هي حصلت على ليسانس آداب لغة عربية"، تظهر ابتسامة على وجه "يسرية" وتكمل: "في الوقت ده فاتتنى المرحلة الابتدائية، وماكنش في مدارس لذوي الاحتياجات الخاصة في قريتنا، الناس قالت لوالدي روح بيها مدرسة في مصر، بس خاف عليا، ورفض يوديني مدرسة داخلي".

تتجنب"يسرية" طهو الطعام لدقائق، لتصنع كوب شاي لزوجها، مستكملة حديثها: "بعد كده جت فكرة محو الأمية، فقدمت فيها وأخدتها في سنتين، مستوى أول في سنة، ومستوى تاني في سنة، وقدمت إعدادي بعد كده في مدرسة حكومية، أبويا بعدها اتعرض لضغط كبير من العيلة وقالوله خليها تقعد في البيت، لكنه رفض وخلاني أكمل لحد ما دخلت كلية آداب في جامعة الزقازيق قسم لغة عربية".

ناجي ويسرية

جامعة الزقازيق، تبعد كيلومترات عن القرية، التى تعيش فيها "يسرية"، ومحاضراتها، في أدوار عالية، ورغم صعوبة الذهاب والعودة وقضاء يوم دراسي طويل، استكملت "يسرية" تحديها، ورغبتها في العيش حياة طبيعية، وهو ما حققته بعد التخرج حيث بدأت في إعطاء الدروس لأبناء جيرانها، حتى تم تعيينها في إحدى المدارس".

فتاة حسنة التربية ومتعلمة ومُدرسة معروفة للجميع، لا تعطي لإعاقتها حق الوقوف في طريق طموحاتها، يتقدم لها الكثير من الخطاب إلا أنها ترفض، ولا تقتنع بأي منهم، وحول الأمر تقول: "زواج المعاقين بيختلف عن زواج أي حد تاني، لأنه حمل ثقيل وصعب وعبء نفسي، فكنت مقررة أني أتجوز واحد معاق، هياخذ باله من كل كلمة بيقولهالي وعمره ما هيجرحني زى السليم".

في الوقت الذى كانت تبحث فيه "يسرية" عن زوج تستكمل معه حياتها، كان "ناجي" يتحدث مع صديق له للبحث عن عروسة تتفهم إعاقته وتتحمل معاناة مرضه.

 اتجه "ناجي" بكرسيه إلى غرفته الخاصة التي تحتوي على مكتبة صغيرة، ومنضدة كبيرة حولها كراسي يجلس عليها الطلاب لأخذ درس في اللغة العربية، ومكتب عليه جهاز كمبيوتر استقر أمامه "ناجي" ليروي عن معاناته مع الإعاقة بعيدًا عن أعين زوجته التي تحزن كلما سمعتها: "الإعاقة بدأت معايا وأنا عندي عشر سنين، عبارة عن ضمور في العضلات كلى، بدأت عضلات رجلى تضعف، فقدت القدرة على الحركة والدفاع عن النفس والنهوض بقي ضعيف، الضمور وصل لعضلات الظهر، وبقى عندي تقوس وأنا بامشي، وصل لدراعاتي، لما كنت بامشي باقع، فضلت كدا لحد ما بقي عندي 20 سنة، وجع نفسي وألم جسدي، في الطلوع والنزول والمشي، الإعاقة كانت في حياتي كلها، في الوضوء والصلاة، كانت صدمة كبيرة ليَّ".

Screen Shot 2017-04-25 at 3

من نافذة منزله كان يرى من في عمره يلهون ويلعبون لساعات الفجر، وهو حبيس في سجن الإعاقة، ناظرًا إلى خالقه، داعيًا أن يرفع من شأنه في يوم ويمنحه السير على أقدامه مثل باقي خلقه: "كان عندي زي أمل أو حلم إني هامشي أو بكرة هاكون أحسن، عمرى ما وصلت لمرحلة الانهيار رغم الألم والإحباطات اللي كانت بتحيط بيَّ من أهلي: "قررت أن أتحدى كل ده، أتحدى المرض، الإعاقة، الإحباطات، أهلي، وربنا قدرني على كل دول، عملت حاجات كتير عشان أطلع من الحالة النفسية اللي أنا فيها، كملت تعليمي، أخذت ليسانس لغة عربية من جامعة الأزهر".

في آخر عامين لـ"ناجي" اشتد عليه المرض وجعله يتوقف عند الليسانس، رغم رغبته في الحصول على الماجستير والدكتوراه يقول: "الإعاقة حجمتنى عن تكملتى للحلم، إزاى شخص معاق يقدر يطلع الدور الخامس عشان يحضر محاضرة".

لم تحاول أسرة ناجي مساعدته أو تقديم أي مقترحات للتخلص من ألمه النفسي وتحطم حلمه في استكمال دراسته، لأنهما كان يؤمنان أنه سيأتي يوم ويموت قبل أن يتم الـ20 عامًا: "والله أهلي ماكنش فارق معاهم أتعلم ماتعلمش..عشت ماعشتش.. ماكنش فارق معاهم".

MVI_2180


كان لدى "ناجي" أخ مصاب بضمور في العضلات نفس مرضه، وتوفي قبل أن يتم عامه الـ20، يقول: "توفي وهو فى سن الـ18، كانت النتيجة معروفة بالنسبة ليهم، قبل 20 سنة هتوفى أنا كمان، حتى لما قررت أدي دروس للأولاد وأعلمهم عشان يكون ليا دخل، قالولي ماحدش هيجيلك، الأولاد وأهلهم مش هيسيبوا المدرسين الكبار وهيجولك إنت".

استغل ناجي وقت فراغه، في إعطاء دروس لأولاد قريته بعد تخرجه من الكلية: "ماكنش في وظايف للمعاقين فعلمت جيراني، وقتها كنت بافكر فى الجواز زي أى بني آدم من لحم ودم، نفسي يكون ليَّ أسرة وبيت وأولاد، أمال عايشين عليها، كنت باقعد مع نفسي أفكر، هو ليه ربنا خلقنى؟ خلقنى عشان أعيش سنة؟ سنتين؟ 19 سنة؟ وبعدين أموت! يبقى مش عيشة".

MVI_2175-1

خشي "ناجي" أن يتقدم لفتاة ويتزوجها وتصبح بعد عام أو أقل أرملة إذا انتهت حياته مثل أخيه، فقرر أن ينتظر عدة سنوات: "إديت نفسي فرصة كام سنة يمكن أموت، سنة، اتنين، مامُتش! طب ثلاثة يمكن أموت، عديت سن الـ23 والـ24 والـ25، والـ26، وصلت لحد 27 سنة، قولت بس كفايا ما أرتبط بزوجة تعينّي على الحياة".

بصوت رقيق يشبه نسيم البحر نادت "يسرية" على زوجها: "يا ناجى الشاي برد أجيبه"، يبتسم هو: "تعالي يا ست الستات"، ليُهمهِم بكلمات: "زواجي من أم ريم جه عن طريق واحد صاحبي، قاللي في واحدة معاقة، وشرحلي إعاقتها، رحت وأنا خايف، لكن أول ما قابلتها ارتحت ليها ولأهلها، أهلي كانوا رافضين وقالولي إنها هتعرنا لأنها معاقة، لكن ردي كان واحد، قلت لو هي هتعركوا أنا عرتكوا قبلها، سمعت إهانات كتير، من قدامي ومن ورايا".

يبدل حديثه بحديث آخر، في لحظة قرب كرسيها من باب غرفته، لتدخل هي وعلى وجهها بسمات رضا وحب، ليبادلها بكلمات: "أم ريم، بتعمل كل حاجة بنفس راضية، كل ضروريات حياتي هي اللي بتساعدني فيها، وريم كبرت وبتساعدني أنا كمان".

تطرق "ريم" على باب غرفة "ناجى" مبتسمة": "بابا آجي"، فتحتضنها "يسرية"، وهي تقول: "كان عنده أمل كبير جدًا إني أخلف ريم، كنت فى رمضان وباصلي التراويح وبادعي ربنا أنه يراضينى، فرضاني وجبت ريم واداني أمل جديد أعيش علشانه".

منذ 10 سنوات، تزوج "ناجي" "يسرية" وهو لا يملك أى شيء غير شقة في منزل أسرته، ولمشكلاته معهم الدائمة لم يتلقَّ منهم أية مساعدات، لكنه تعرف على إحدى الجمعيات الخيرية: "كنت داخل وأنا مش معايا غير ربع جنيه، هما اللى جوزوني وساعدوني إني أشتغل علشان أفتح بيت، فدقت الخير وقلت لنفسي لازم أعمل خير".

بعد الزواج تقدم الاثنان للاشتراك فى دورة تدريبية لإعداد قادة ومدربين من ذوي الاحتياجات الخاصة، ساعدتهما على تطوير ذاتهما وتنمية مهاراتهما، بجانب أنها أوحت لهما بفكرة إنشاء جمعية "مساواة".

ناجي ويسرية


"جمعية مساواة لتمكين ذوي الإعاقة" هي الأمل الثاني الذي يعيش له "الزوجان" بعد ابنتهما "ريم"، حيث قاما بتأسيسها إيمانًا منهما بأهمية دور ذوي الاحتياجات الخاصة في التنمية المجتمعية، وإمكانياتهم في تحقيق إنجازات كبيرة، وحول الأمر قال "ناجي": "بدأنا بالجمعية بخروج المعاقين من منازلهم، وده كان عن طريق توفير كراسي متحركة لكل معاق في الشرقية، وبعدين ساعدناهم إنهم يتعلموا ويزودوا خبراتهم، لإيجاد فرص عمل مناسبة لهم".

أنشطة كثيرة قامت بها "مساواة" من إقامة الدورات التدريبية في جميع الميادين، مرورًا بإصدار مجلة وموقع إلكترونى للجمعية وتنظيم رحلات ومعارض ملابس وقوافل طبية، وتقديم مساعدات مادية ومعنية لغير القادرين، وإقامة رحلات حج وعمرة للأعضاء المشتركين في الجمعية، وعن الحالات المشاركة في الجمعية، يقول "ناجي": "أغلب الحالات اللي قابلتنا كان عندهم ضمور رباعي، نفس المرض اللي عندي، ووفرنا ليهم الكرسي، ولما خرجوا من بيتهم، قدروا يتعرفوا على ناس، ويتجوزوا ويشتغلوا، فانعكس كل دا عليهم نفسيًّا، وبقى عندهم أمل في الحياة، عشان كده بنعتبر نفسنا صناع أمل".

كل منهما يحاول أن يكمل الآخر، وخاصة بعد الأزمات التي واجهاها في البداية بسبب الجمعية، والتي تقول عنها "يسرية": "البلد عايزانا معاقين مش مساعدانا في أي حاجة، أنا افتكرت إننا لما عملنا الجمعية هنعمل حاجات كتير، بس لقيت نفسي واقفة أمام حيطة سد، مافيش حتى مكان مؤهل لطلوع المعاقين فى المستشفيات والمدارس، بس هنحاول وهنكمل، يمكن نفوز في صناع الأمل ساعتها هنقدر نعمل حاجات كتير".

ناجي ويسرية

"صناع الأمل" مسابقة إماراتية أعلن عنها محمد بن راشد آل مكتوم، وتقدر فيها جائزة للفائز بقيمة مليون درهم، شارك بها "ناجى ويسرية" على خلفية إنشائهما الجمعية الخيرية، ويقول "ناجي": "لقيت فيه مسابقة اسمها صناع الأمل، الكلمة نفسها شدتني، دخلت قرأت التفاصيل والشروط، لقيتها كلها متوافرة فينا، فقدمت، مع إني كنت متردد لإني حسيت إني فعلًا صنعت الأمل، صنعته لأنفسنا الأول وساعدنا في صناعته للآخرين". 

تنوي "يسرية" حال فوزهما بجائزة مسابقة "صناع الأمل" القيام بالعديد من المحاولات لتوفير سبل الراحة والحياة الكريمة للعديد من المعاقين، من خلال توفير "مصاعد خاصة للمعاقين" في المولات والمحال التجارية، حتى لا يشعر أحد منهم بالعجز جراء حمله في هذه الأماكن.