loading...

أخبار العالم

100 يوم من الـ«ترامب».. ماذا فعل رئيس أقوى دولة في العالم بأول حكمه؟

حفل تنصيب ترامب

حفل تنصيب ترامب



فوز الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون بالرئاسة عام 1993 لم يكن فوزًا ساحقًا، فقد فاز حينها فقط بنسبة 43% من الأصوات في سباق رئاسة ثلاثي الأطراف مع جورج بوش الأب وروس بيروت، وكان مجلسا النواب والشيوخ في ذلك الوقت ديمقراطيين، ولكن لم يمر وقتٌ طويل قبل أن يجد نفسه محاطًا بالانقسامات الداخلية والمعارضة من قِبل الجمهوريين، وكان بطيئًا في ملء مناصب إدارته وتجادل كبار مساعديه دائمًا حول كيفية إدارة البيت الأبيض.

وعندما وصل بيل كلينتون إلى يومه المائة -وهي الفترة التي استخدمتها الصحافة ووسائل الإعلام في الحكم على الرؤساء منذ فرانكلين روزفلت- كانت تقييمات كلينتون قاسية للغاية، لدرجة أن مدير ميزانيته ليون بانيتا، حذره من أنّه "يجب أن يختار بعناية المعارك التي يريد التدخُّل فيها".

كل هذا قد يبدو مُشابهًا للرئيس دونالد ترامب، الذي يعاني العديد من المشكلات نفسها التي واجهها كلينتون في أول 100 يوم له، حسب موقع NBC News الأمريكي.

ويقول جوناثان ألتر الصحفي المخضرم بمحطة MSNBC ومؤلف كتاب "اللحظة الفارقة: أول 100 يوم في حياة فرانكلين روزفلت وانتصار الأمل": "أول 100 يوم في رئاسة ترامب، هي أسوأ 100 يوم لأي رئيس أمريكي، وأقلها نجاحًا منذ أنّ تم اتّخاذها مقياسًا في 1933".

وفي محاولةٍ لتقييم رئاسة ترامب، أجرى الموقع لقاءات وحوارات مع مؤرخين، ونشطاء سياسيين، ومسؤولين سابقين بالبيت الأبيض من كلا الحزبين الكبيرين.

ويرى النقاد أنّ البيت الأبيض فوضوي للغاية ودون خطة واضحة للحكم، أو الكفاءة اللازمة المطلوبة لتنفيذ خطة من الأساس.

ويقول ألتر: "أعتقد أنّ ترامب أدى إلى تدهور الرئاسة الأمريكية، وعرض الولايات المتحدة لدرجة أكبر من الخطر أكثر من أي رئيس في العصر الحديث".

إلا أن مؤيدى ترامب يرون أنّ مثل هذه الأحكام سابقة لأوانها وغير مستندة إلى قواعد رئيسية، وأن الخطوات التى اتخذت بالبيت الأبيض يمكن أن تؤدي لنتائج إيجابية في المستقبل.

المثال الذي تمّ ذكره سابقًا عن بيل كلينتون يُقدِّم علامات الحذر والاحتياط لترامب؛ لأن البدايات المهتزة يمكن أن تتغير في النهاية، حيث في بداية عصر كلينتون تم رفض قانون الرعاية الصحية الخاص به، وواجهت إدارته فضائح كبرى، وانخفضت أرقام قبوله إلى 30%، ولكنه تجاوز تلك العقبات ليتم إعادة انتخابه مرة أخرى، وغادر المكتب البيضاوى كقائد محبوب يُربط اسمه بعصر السلام والازدهار.

وسواء كان ترامب سيكون قادرًا على الوصول لنفس مهارات كلينتون أم لا، فهذا ما نعرفه عما قام به في البيت الأبيض حتى الآن مع مرور 100 يوم على رئاسته.

القيادة التنفيذية

كان للقرارات التنفيذية التى اتخذها ترامب الوقع الأكبر خلال فترة الـ100 يوم الأولى لحكمه والتى واجهت رفضًا عالميًّا كبيرًا، أبرزها فرض حظر على دخول مواطني دول ذات أغلبية مسلمة، والذي تم رفضه من قِبل المحاكم، وقضى ترامب عدة أسابيع مشتركًا في حملة شخصية ليثبت أن الرئيس باراك أوباما أمر بالتجسس عليه وهو أمر لا أساس له من الصحة.

وعلى الرغم من تلك الإخفاقات، كان لترامب عدة انتصارات أبرزها ترشيحه القاضي نيل جورساتش من الاتجاه المحافظ لمنصب رئيس المحكمة العليا، والانسحاب من اتفاقية التجارة عبر المحيط الهادئ وافيًا بوعده خلال حملته الانتخابية، كما أنّه وافق على تنفيذ خط أنابيب كيستون.

وبالنسبة للهجرة، حافظ ترامب على وعوده بزيادة عدد ضباط الشرطة وتنفيذ القانون، وفتح أوراق ملايين المهاجرين غير الشرعيين لمواجهة خطر الترحيل، وقلّت المخاوف الحدودية كثيرًا خلال الفترة الأخيرة، ومن الممكن أن تكون سياسات ترامب القاسية هي الرادع والسبب وراء ذلك.

إلا أن الصورة العامة لإدارة ترامب غلب عليها فى النهاية التوازن الذى أحدثته حالة التنوع وعدم التجانس، وجزء من هذا يعكسه اختياراته في ملء مقاعد إدارته داخل البيت الأبيض، فهناك الشعبويون الذين يثيرون المشاعر لمصالحهم الخاصة مثل ستيف بانون، والمدّعي العام جيف سيشنز، وهناك العلامات البارزة في المؤسسات مثل رئيس موظفي البيت الأبيض رينس بريبوس، مع بعض المُحافظين مثل نائب الرئيس مايك بنس، ووزير الخدمات الصحية والإنسانية توم برايس، ومدير مكتب الإدارة والموازنة مايك مولفاني.

كما يوجد بعض الوزراء الأثرياء في إدارة ترامب مثل وزير الخارجية ريكس تيلرسون، وزير المالية ستيف منوشين، ومدير المكتب الاقتصادي الوطني جاري كوهين، ووزير التجارة ويلبر روس، بالإضافة إلى بعض الجنرالات السابقين مثل وزير الدفاع جيم ماتيس، ووزير الأمن الداخلي جون كيلي، وأخيرًا ابنة ترامب إيفانكا وزوجها جارد كوشنر اللذان حصلا على وظائف بالبيت الأبيض.

 وقد رأى بعض مؤيديه فى هذا موطن قوة بإدارة ترامب، وذكر العديد من الجمهوريين في مقابلات عدة أنهم مُعجبون بمحاولاته البحث عن خيارات مختلفة.

وعلق جيفري سوننفيلد مستشار ترامب خلال الفترة الانتقالية والباحث بقسم الإدارة بجامعة ييل على ذلك، قائلًا: "تشابه الآراء ليس أمرًا جيدًا، وترامب بارع بشكل رائع في الحفاظ على بعضٍ من هذا التوتُّر".

ويُوضح سوننفيلد أنّ ترامب ما زال متعثرًا حتى الآن، وهذا بسبب عدم استخدام شبكة كبرى من الأصوات المؤيدة والمعارضة على حد سواء في إدارته.

 وفي هذا السياق، قام ترامب بإزالة أي احتمالية لتأييد الديمقراطيين له مُبكرًا -خاصة أوباما- حيث اتهمه بالتجسس عليه، وبالإضافة إلى ذلك هاجم ترامب سابقه، وهو شيء لم يفعله أي من الرؤساء أثناء فترة حكمهم.

ويقول سوننفيلد عن هذا: "الاعتداءات التي لا داعي لها، توجيه أصابع الاتهام، الاتّهامات والإهانات التي ألقاها ترامب على سلفه كانت مؤسفة للغاية".

التشريع

قد يتناقش مؤيدو ومعارضو ترامب حول التقدُّم الذي أحرزه الرئيس الخامس والأربعون للولايات المتحدة، ولكن فشله الصارخ في تمرير أي تشريع كبير أو إحراز تقدم في توقيع القوانين، يجعله رئيسًا مميزًا في فشل التشريعات خلال العصر الحديث.

وقالت سارة بيندر، أستاذ العلوم السياسية في جامعة جورج واشنطن والمتخصصة في شؤون الكونجرس لـ"NBC": "من الواضح أنّه لا يقوم بأي شيء فعلًا على الجبهة التشريعية، باستثناء تعيين جورساتش".

وتابعت: حتى كلينتون، الذي عانى بشكل كبير مع مجلسي نواب وشيوخ ديمقراطيين في فترته الأولى، قام ببعض الانتصارات في مجال التشريع وسن القوانين التي تمت الموافقة عليها، مثل قانون الإجازات الطبية والأسرية، والذي استخدم الرئيس جورج بوش الأب حق الفيتو ضده من قبل، فيما قام الرئيس جيمي كارتر بتوقيع بعض القرارات الاقتصادية الهامة في الـ100 يوم الأولى له، وكان الرئيس رونالد ريجان يشق طريقه نحو توقيع صفقة بخصوص تخفيض الضرائب وكذلك جورج بوش، بينما وقع أوباما قرار "أوباما - كير"، قانون الأجور العادلة، وقام بالتوسع في برامج التأمين الصحي للأطفال.

وأضافت: بدلًا من توقيع القوانين الهامة، كان على ترامب أن يحاول إلغاء القوانين واللوائح التي تمّ سنّها في نهاية رئاسة أوباما.

وأكدت أن هناك العديد من العوامل خلف معاناة ترامب في الكونجرس، بعضها خارج نطاق تحكمه، مثل الانقسامات العميقة داخل الحزب الجمهوري والتي خبأها الحزب في أثناء معارضته لأوباما، وهناك أيضًا معدلات القبول المنخفضة التي تعطي ترامب نفوذًا أقل من الرؤساء الجدد، وكذلك عدم وجود خبرة في سياسات البيت الأبيض.

السياسة الخارجية

أخاف ترامب الكثيرين خلال حملته الانتخابية، ولكن لم يكن أحد قلقًا أكثر من المهتمين بالسياسات الخارجية من كلا الحزبين، الذين حذّروا من أنّه قد يقلب النظام الدولي في الولايات المتحدة القائم منذ الحرب العالمية الثانية.

كان الرئيس ترامب، خلال أي مناسبة يتحدّث فيها قبل انتخابه، يُردِّد عبارة "أمريكا أولًا"، والتي هدَّد فيها بتمزيق التحالفات طويلة الأمد بين الولايات المتحدة وشركائها، والانسحاب من التعاهدات الدولية، وإطلاق حرب تجارية عالمية، والتخلِّي تقريبًا عن جميع حقوق الإنسان.

كل هذا مع وعده بتوثيق العلاقات مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لدرجة أنّه طالب -علنًا- الجواسيس الروس بنشر فضائح البريد الإلكتروني الخاص بمنافسته هيلاري كلينتون، وذلك في وسط فضيحة اختراق حواسيب مسؤولي الحزب الديمقراطي.

وحتى الآن، ما زال من الصعب تحديد ماذا تعني كلمة "أمريكا أولًا" عمليًّا، فقد عكس ترامب بعض مواقفه من السياسات الخارجية لصالح مواقف أخرى تقليدية، فيما تنتظر بعض وعود حملته الانتخابية الأخرى، مثل التفاوض بشأن الصفقات التجارية، وفرض تعريفات جمركية جديدة على خصومه، أن يتم تشكيلها.

وتقول نيّرة حاج، التي عملت في وزارة الخارجية الأمريكية في أثناء حكم أوباما: "ترامب عبارة عن مُقدِّم برامج واقعية والذي أصبح الآن يفهم حقيقة ما قام به".

وازداد الاضطراب حول فهم الجميع لسياسة "أمريكا أولًا" التي ينادي بها ترامب، بعد قيامه بتوجيه ضربة عسكرية على قاعدة جوية في سوريا، بسبب استخدامها لأسلحة كيميائية على المدنيين.

وبينما مدح كلا الحزبين تلك الخطوة، فقد عارض ترامب وبقوة أي ضربات عقابية ضد الرئيس بشار الأسد، بعد هجوم كيميائي مماثل عام 2013، وتحدَّث بشكل مباشر عن التدخل الإنساني طوال الحملة، ولكنه لم يُظهر أي تعاطف مع اللاجئين الذين يهربون من الفظائع التي يرتكبها نظام الأسد، والذي شبّههم بالثعابين القاتلة وحاول منعهم من دخول الولايات المتحدة في أثناء رئاسته.

وقبل أيام من الضربة على سوريا، قال وزير الخارجية ريكس تيلرسون: "إنّ مصير الأسد متعلق بما يريده الشعب السوري"، وبعد الضربة بوقتٍ قليل، كان موقف الأسد أنه لا بد له من المغادرة.

ولم يكن لترامب أي خلفيات عن السياسة الخارجية، وكانت مواقفه تتغير بتغير الآراء في شاشات التلفاز، من موالٍ للحرب على العراق إلى معارض لها، ومن موالٍ للتدخل في ليبيا إلى معارض لها، ومن معارضٍ للتدخل في سوريا إلى موالٍ لها.

الشؤون العسكرية لم تكن فقط ما خالف ترامب فيها نفسه، فبعد أن وعد ترامب خلال حملته الانتخابية باتخاذ موقفٍ صعبٍ على القادة الصينيين، أعلن في الآونة الأخيرة أن لديه تقاربا في وجهات النظر مع الرئيس الصيني شي جين بينج.

خلال فترته الانتقالية، تلقى ترامب مكالمة هاتفية من الرئيسة التايوانية تساي إنج ون، مُهددًا بذلك تدمير سياسة "الصين الواحدة" التي تتبعها أمريكا، ما لم تقم الصين باتفاقية تجارية بشروط في صالح الولايات المتحدة، وبعد توليه المنصب رسميا تراجع فورًا عن هذا الموقف، متراجعًا عن وعدٍ كبيرٍ من وعود حملته الانتخابية.

وفي أبريل الجارى، قال ترامب لصحيفة "وول ستريت جورنال": "إنّ الحكومة الصينية لا تتلاعب بالعملات"، وذلك بعد أيام قليلة من تصريحه بأنها من كبار الدول التي تتلاعب بالعملات.

وبالنسبة للمكسيك، فقد هدأت الأمور قليلًا منذ إلغاء الرئيس إنريكه بينيا نييتو للزيارة التي كانت مُقررة للبيت الأبيض في يناير، وذلك بعد إعلان ترامب تضييق الخناق على الهجرة، وحتى الآن ما زالت المكسيك متمسكة بموقفها التي أعلنت فيه أنّها لن تدفع في بناء الجدار الحدودي بين الدولتين، ويحاول البيت الأبيض الحصول على التمويل اللازم من الكونجرس، وإقناع المكسيك بدفع حصتها ولكنها محاولة لم يُكتب لها النجاح بعد.

 أما حلف الناتو، فقد وصف ترامب أقوى التحالفات العسكرية الموجودة في العالم بأنّه "عفا عليه الزمن" في يناير الماضي، ثم ناقض نفسه وقال إنّه لم يعف عليه الزمن، ولكنه "حصن السلم والأمان الدوليين"، في مؤتمر صحفي مع ينس ستولتنبرج الأمين العام للحلف.

كما أخر وعده لإسرائيل، وهي الحليف الاستراتيجي لأمريكا، بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس مُشيرًا إلى معارضته لبناء مستوطنات جديدة في الضفة الغربية، ويبدو أنّه بصدد تخفيف التزام أمريكا الطويل باقتراح حل الدولتين دون التخلي تمامًا عن هذه الفكرة.

وعن علاقة ترامب بروسيا وإيران ربما تكون في أدنى مستوياتها، خاصة بعد الهجوم الذي شنّته الولايات المتحدة على مطار الشعيرات التابع للنظام السوري الذي تدعمه حكومة روسيا بقيادة بوتين، وانتقاده لاتفاق إدارة أوباما النووي مع إيران الذى أكدت إدارته أنها تستجيب للصفقة بشكل كبير، وعلى الرغم من ذلك اشتكى ترامب من أنّ إيران تخترق "روح" الصفقة.

يقول السفير ميتشل ريس: "ترامب قام بعدة تصريحات خلال حملته الانتخابية تدفعك للاعتقاد أنه قد ينقلب على أي شيء، ولكن الآن هناك توازن تقليدي في تصريحاته، وهو الأمر الذي ينبغي أن يكون مُطمئنًا لأصدقائنا وحلفائنا في جميع أنحاء العالم".

وعن تصريحات ترامب التى قد تبدو غير مسئولة فى بعض الأحيان، قالت هيذر هرلبرت، مديرة مشروع: "النماذج الجديدة لتغيير السياسات" بمنظمة New America: "يجب على كوريا الشمالية معرفة متى تأخذ تصريحات ترامب جديا ومتى تأخذهم شفهيا، وأنا لا أعتقد أنهم فهموا ترامب بشكل جيد بعد".

التواصل مع الشعب الأمريكي

في بعض الأحيان، انحرف ترامب بعيدًا عن المعايير الرئاسية التي اتّبعها سابقوه في لهجتهم وكياستهم في أثناء تواصلهم مع الشعب عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو غيرها، ودخل في عداءات مع القضاة ووسائل الإعلام، وكتب تغريدات عبر "تويتر" عن نظرية المؤامرة من مصادر هامشية، وانتقد المرشحة الديمقراطية السابقة هيلاري كلينتون، والتي ما زال يشير إليها بـ"المتقلبة والملتوية"، كما أنه بدأ في الحشد لحملة ترشحه للرئاسة عام 2020، ونظّم ندوات شبيهة بتلك التي عُقدت في 2016.

وقال المُحلل الاستراتيجي التابع للحزب الديمقراطي، كورنيل بيلشر: "ما يقوم به ترامب هو إعادة لما حدث في 2016، ولكنه يقوم به مُبكرًا بشكل لا يمكنك أن تراه تاريخيا، سواء كانت الإدارة ديمقراطية أو جمهورية".

وبينما حدّد الرؤساء السابقون خططًا ليعملوا ويُركزوا انتباههم عليها في الخُطب والمقابلات، كان ترامب مُختلفًا حيث تحدث في المواضيع الهامة عندما تخطر على باله.

وبينما اقترح ترامب خلال الحملة الانتخابية أنّه قد يستغني عن تويتر خلال رئاسته، جعل ترامب من تويتر وسيلته الأولى في التواصل مع الشعب الأمريكي ويستخدمها -بدون رقيب- ليُعلِّق على كل شيء من قضايا السياسة الخارجية الهامة إلى النزاعات الشخصية.

ويهتم ترامب كثيرًا بالتغطية الإعلامية اليومية عنه، وغالبًا يكتب تغريدات خلال مشاهدته البرامج الحوارية مباشرة، ويُعبِّر عن سخطه منها، ساخرًا من القضايا الهامة واصفًا إياها بـ"الأخبار الكاذبة"، ويصف المُراسلين الذين لا يحبهم بأنّهم "أعداء الشعب".

يقول أستاذ الصحافة بجامعة نيويورك، جاي روزين: "ليس هناك أي شخص - ليس فقط الصحافة والإعلام - يوافق على وسائله في التواصل مع الشعب، وهذا أكبر بكثير من علاقته مع الإعلام، فهذا يتمحور حول علاقته بالواقع الذي نعيش فيه".

ولدى ترامب العديد من الأسباب لرفض نداءات التغيير، فقد فاز بالرئاسة على الرغم من الانخفاض الكبير الذي واجهته شعبيته بسبب الفضائح التي تعرض لها في الأيام الأخيرة لحملته الرئاسية، وذلك عن طريق قلب مؤيدي هيلاري لصالحه وإقناع العديد من الناخبين الجمهوريين المتشككين بالتصويت له.

وتقول جينيفر بالميري، التي كانت مديرة الاتصالات بحملة كلينتون: "ما زال ترامب يتواصل بشكل جيد مع قاعدته الجماهيرية، وأعتقد أنهم متفائلون بالمستقبل، فهم يعتقدون أن الاقتصاد يتحسن، وأن ترامب يجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى".

وتابعت: لكن هذا يأتي بتكلفة كبيرة تكون أكبرها في مصداقية إدارته، فقد زيف ترامب ومساعدوه الكثير من الحقائق من أيامهم الأولى في البيت الأبيض، عندما نشر ترامب ادعاءات كاذبة عن عدد الحضور في حفل تنصيبه رئيسًا، ثم قام المتحدث الرسمي باسم البيت الأبيض بالدفاع عن تلك الادعاءات.

وفي الأسابيع الماضية كان الجميع يتحدث عن ادعاءات ترامب بأن أوباما تجسس عليه في أثناء الحملة الانتخابية، التي شهد العديد من القادة في الكونجرس -من كلا الحزبين- بأنّ هذا ليس صحيحًا.

ويكتشف ترامب أيضًا أن ما يقوله من كلماتٍ بصفته رئيس الولايات المتحدة، له توابعه بطريقة لم تكن تحدث عندما كان مُجرد مُرشح للحزب الجمهوري، وقد استشهد القضاة الذين منعوا قرارات حظر السفر التي سنها بتصريحاته السابقة لمنع المسلمين من دخول الولايات المتحدة في قراراتهم، وادعائه الكاذب أن أوباما تجسس على الحملة الانتخابية تسبب في أزمة دولية، بعد أن اقترحت إدارته أن المخابرات البريطانية شاركت في المؤامرة.

وبالإضافة إلى مشكلات ترامب وفريقه مع الحقيقة، فقد عانت الإدارة كثيرًا لنقل رسالة موحدة، مواصلين بذلك أحد الاتجاهات البارزة للحملة، حيث لا يتحدث أحد نيابةً عن ترامب سواه، حيث يستطيع مساعدوه الإدلاء بتصريحات على لسانه لكي ينفيها الرئيس بعد ذلك فعلًا وعملًا، وفي بعض الأحيان أدلى المسؤولون بتصريحات متناقضة بخصوص بعض القضايا الهامة، مثل ما حدث مع وزير الخارجية ريكس تيلرسون وسفيرة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة نيكي هالي بخصوص مستقبل سوريا.

ويقول رييد جالين، المُحلل الاستراتيجي التابع للحزب الجمهوري الذي خدم في إدارة الرئيس جورج بوش: "من الصعب للغاية ألّا يكون لديك رسالة واضحة، أو أن تظهر الرسالة فقط عندما يقولها الرئيس بصوتٍ عال، فهذا مُرهقٍ".

التطلُّع إلى المستقبل

شدَّد المؤرخون الذين تحدّثت معهم شبكة NBC على عدم ارتياحهم ورضاهم عن معيار الـ100 يوم الكلاسيكية، واعتبارها مؤشرًا للنتائج التي يُمكن تحقيقها في المستقبل.

تقول مارجريت أومارا، المُؤرخة بجامعة واشنطن، والتي خدمت في إدارة كلينتون، تقول: "أول 100 يوم في الرئاسة تكون فوضوية أكثر من غيرها، فالتدريب الوحيد الذي يحصل عليه رئيس الولايات المتحدة يكون في أثناء حكمه".

وتابعت: انتهت الـ100 يوم الأولى من عهد الرئيس جون كينيدي بكارثة في العلاقات الدولية، فعلى سبيل المثال، فشل غزو خليج الخنازير بكوبا، ولكنه تعلم من تلك التجربة، وساعدته خلال أزمة الصواريخ الكوبية اللاحقة.

وفى نظرة على تجارب بقية الرؤساء السابقين، ذكر الموقع أن فترة رئاسة جورج بوش ستعرف بالانتخابات المتنازع عليها والحد من الضرائب، بدلًا من حصرها فى هجوم إرهابي، وحربين خاضهما، وإعصار، وانهيار اقتصادي.

وأضاف أن جيمي كارتر كان يُعاني كثيرًا مع الكونجرس ولكنه ظل محبوبًا خلال عامه الأول قبل الثورة في إيران، إلا أن أزمة البترول والركود الاقتصادي جعلاه أحد أكثر الرؤساء تهميشًا ممن تولوا الحكم لفترة واحدة فقط.

وإذا كان أوباما فشل في احتواء أزمة التسرُّب النفطي في خليج المكسيك أو وباء الإيبولا، فإن هذه الأحداث يتم تذكرها الآن كأحداث هامشية مقارنة بإنجازاته التشريعية.

إلا أن أكبر العوائق التي تواجه ترامب حسبما ذكر مراقبون أمنيون أن اعتماد ترامب على الشائعات بدلًا من تقارير الاستخبارات وتجاهله العام للحقيقة وعدم معرفته بالسياسات، كل هذا يُمكن أن يؤدي إلى كارثة.

وقد أعرب الحلفاء الجمهوريون عن قلقهم إزاء بطء وتيرة البيت الأبيض في ترشيح وتأكيد الوزراء المُعينين، وسيكون الأمر متروكًا لترامب لإثبات خطأ المُشككين فيه عندما يأتي اختباره أخيرًا، مهما كان هذ الاختبار.

وقال جوش سنونو، حاكم ولاية نيو هامشير، ورئيس موظفي البيت الأبيض في عهد جورج بوش الأب: "أهم شيء يمكنك فعله في البيت الأبيض هو التعامُل مع المشكلات عندما تكون صغيرة بدلًا من تأجيلها لتصبح كبيرة".

وفي الوقت نفسه، يواجه ترامب طريقًا صعبًا للغاية الآن، ومحاولته إقرار قانون الإصلاح الضريبي الجديد، وكذلك حزمة البنية التحتية وهما مهمتان شاقتان للغاية، وقد تؤدي الأمور التنفيذية التي يقوم بها إلى تغييرات كبرى في اللوائح، ولكنهم سيواجهون عملية طويلة من القواعد والتحديات القانونية أولًا.

وإذا لم يكن ترامب حذرًا، فمن الممكن أن يتعرَّض أيضًا لفضائح تتعلق بفشله في التخلي عن شركته والإفراج عن الإقرارات الضريبية والمعلومات المالية، والتي يمكن أن تلقي الضوء على الصراعات المحتملة، إلا أنه يبقى لديه رفاهية الوقت والمرونة لتصحيح مساره.

وقد يكون بيل كلينتون نموذجًا يُقتدى به في هذا المنوال، فبعد أشهر عدة من الخطوات المتعثرة، عيّن المُخضرم ديفيد جيرجين، الذي عمل لصالح ثلاث إدارات تابعة للحزب الجمهوري من قبل، مستشارًا له، لتهدئة الأوضاع السياسية من حوله.

وعندما فشل كلينتون في تمرير قانون الرعاية الصحية، قام بتجربة تحالفات جديدة ووجد طرقًا للمواءمة بين حزبه والكونجرس الجمهوري، الذي كان بمثابة شريك تشريعي في بعض الأحيان وكعدو متضرر في أوقات أخرى.

وقال تيفي تروي، المؤرخ والمؤلف الذي عمل في عدة مناصب بإدارة بوش: "أتذكر ما قاله جورج بوش عند سؤاله كيف سيتذكره المؤرخون، كان يقول إنّهم ما زالوا يكتبون الكتب عن جورج بوش الأب، مما يعني أنهم سيستغرقون وقتًا طويلًا ليقوموا بكتابة الكتب عني".