loading...

مقالات

حديث الرؤوس المقطوعة «1»

حديث الرؤوس المقطوعة «1»


لا شك أن القرن الواحد والعشرين هو قرن الرؤوس المقطوعة بلا منازع، وقد صار من الصعب ألا ترى في كل يوم صورة رأس يُقطع أو جثة بلا رأس. المعدلات كانت عالية جدا في عصر الحَجّاج بن يوسف مثلاً، لكن اليوتيوب لم يكن موجودًا؛ لذا كانت هذه القصص الرهيبة تُنقل في المجالس من لسان إلى لسان. اليوم صار المشهد الرهيب معتادًا ولا شك أن معظم الأطفال رأوه.

منذ فترة تصلني أخبار متكررة عن المعجزة التي سيقوم بها جراح أعصاب إيطالي -نصاب بالمناسبة- اسمه سيرجيو كانافيرو، خطط لمدة 30 سنة لإجراء أول جراحة نقل رأس في التاريخ. المريض المختار مريض روسي اسمه فاليري سبيريدنوف مصاب بمرض عصبي اسمه ضمور العضلات الشوكي. الكلام هنا عن الرأس أساسًا بمعنى أننا نبحث للرأس عن جسد، وليس العكس.. ليس هناك جسد نبحث له عن رأس.

من هو المتبرع بالجسم؟ هو مريض مصاب بموت دماغي. سوف -كما قالوا- يجمدون الرأس في درجة حرارة 15 مئوية، ثم يقوم الجراح بتوصيل الأعصاب مستخدمًا مادة البولي إيثيلين جليكول PEG وهي مادة محببة جدا في الطب اليوم.

النت مليء بأخبار هذه القصة، وفي بعض المواقع تكتشف أن الجراح أجرى الجراحة ونجح فعلا، وفي مواضع أخرى تجد أنه يخطط لديسمبر القادم. النصب يملأ النت لكن هذه القصة أخذت قسطًا وافرًا من الرواج وتكلمت عنها بجدية جريدة محترمة مثل "ديلي ميل" البريطانية. شاهد هذا الفيلم عن التجربة هنا.

منذ اللحظة الأولى منطق القصة واهٍ تمامًا، فلو كان الدكتور فرانكنشتاين هذا قادرًا على توصيل أطراف عصبية مقطوعة فهو قد استحق جائزة نوبل، وهو قد قدم الحل السحري لآلاف البؤساء الذين شل نصفهم السفلي أو أصيبوا بشلل رباعي نتيجة لقطع الحبل الشوكي في حادث. إنه الرجل الذي اكتشف أنبوب (أمير) الذي يلصق الأعصاب أخيرًا. الأمور ليست بهذه البساطة عندما نتعامل مع الجهاز العصبي. لو كان الرجل قد وصل إلى حل المشكلة العويصة للحام الحبل الشوكي، فهناك من هم أحوج لعلمه بدلا من تضييع الوقت في ألعاب الحواة هذه.

يقول الأخ كانافيرو إن الجراحة نسبة نجاحها 90% ويشترك فيها 80 جراحًا -أين سيقفون؟- وتتكلف 10 ملايين دولار. قال كذلك إنه نجح في زرع رأس فأر في كلب. شاهد فيلمًا آخر عن القصة هنا.

الحقيقة أن هناك تجارب كثيرة لزرع رأسين، لكن لا يتضمن الأمر خياطة النسيج العصبي، بل هو توصيل أوعية رأسين. لو كان الأمر كذلك فقد بدأ منذ زمن سحيق.

لا توجد طريقة لخياطة الحبل الشوكي، وهكذا فإن من يتم زرع مخ له لا بد أن يصاب بشلل رباعي. معنى هذا أن من يتم زرع مخ له يجب أن يكون مشلولا رباعيا منذ البداية وهو يفضل الشلل على الموت.

أول تجربة زرع رؤوس تمت عام 1812 مع أرانب وضفادع.. ولم تنجح حقا إلا في السبعينيات. هنا قام فريق من أوهايو بزرع مخ قرد على جسد قرد آخر. كان هذا هو البروفيسور روبرت وايت. المشكلة أن الرأس المزروع لا يمكن أن يملك أية سيطرة على الجسد الجديد، لأنه لا يوجد أي اتصال عصبي. ظل رأس الحيوان قادرًا على الشم والسمع وحاول أن يعض.. وقد أحرز اليابانيون نتائج ممتازة مع الفئران، وإن احتفظوا بالرأس الأصلي ليصير الفأر ذا رأسين.

هناك أكثر من قصة عن زرع رأسين لجسد كلب واحد، وهناك زرع رأس على جسد كلب. وعام 1959 قام الجراح الروسي فلاديمير دميخوف بنقل رأس كلب إلى جسد كلب آخر، لكن الكلب مات بسبب رفض الجهاز المناعي للرأس.

عام 1998 فكر فريد جيج من كاليفورنيا في الخلايا الجذعية، وقرر أنه يمكن استنباتها في جزء من المخ يدعى قرن آمون أوالـhippocampus، حيث تقدر الخلايا الجذعية على إصلاح قطع الحبل الشوكي. هكذا يتم أخذ الرأس السليم من جسد دمره السرطان ليزرع على جسد جديد سليم. لكن ما مصدر الجسد الجديد ؟.. وأين يذهب الوعي؟.. أسئلة لا تنتهي جعلت هذا الموضوع مغريًا جدا لكتاب الخيال العلمي.

الموقف يثير الكثير من الأسئلة الأخلاقية لو تم. وأين تذهب الروح إذن ؟ رأيت فيلم خيال علمي أمريكيا رائعًا يعود للستينيات، حيث يتم زرع مخ عمدة عنصري أبيض في جسد رجل أسود.. ويكون على العمدة أن يجرب الحياة كأسود لأول مرة في ولاية جنوبية متعصبة.

قصة كانافيرو مليئة بالكلام الفارغ، لكنه كلام يثير شهيتنا لموضوع الرؤوس المقطوعة، لذا أعاود هنا نشر مقاطع من مقال قديم لي أعتقد أنه مناسب جدا:

قطع الرؤوس ظل دومًا من الرياضات المحببة للنفس لدى معظم الحضارات، وكان الإعدام بهذه الوسيلة شرفًا مقصورًا على النبلاء في الغرب، بينما يبقى الشنق والحرق للعامة والطبقات المتدنية. وكان على النبيل أن يعطي جنيهًا من الذهب للجلاد كي يجعل قطع رأسه سريعًا غير أليم. ماري ملكة أسكتلندا كانت بخيلة؛ لهذا احتاج الجلاد إلى ثلاث ضربات لقطع رأسها.

نلاحظ أنه بالنسبة للشرق كان قطع الرأس لا يخلو من الإهانة لأن الآسيويين كانوا يعتبرون دفن الشخص محتفظًا برأسه أمرًا ذا أهمية دينية.

أيام الثورة الفرنسية ومع ظهور المقصلة، كان المعتقد الشائع أن الرأس يظل يرى لمدة عشر ثوان بعد قطعه، لهذا كان الجلاد يرفع الرأس ليريه للجمهور. الألمان استعملوا مقصلة خاصة بهم اسمها فالبايل Fallbeil وظلوا يستعملونها حتى عام 1949 مع إلغاء عقوبة الإعدام. الواقع أن النازيين قطعوا رؤوسًا كثيرة جدا.

السؤال الأول هنا: هل من الممكن أن يعيش المرء بلا رأس؟

سؤال سخيف طبعًا، لكن العلم قد سجل حالة غريبة لا تتعلق ببشري هذه المرة لكن بديك.. ديك شهير جدا في الولايات المتحدة اسمه (مايك). ولد مايك في أبريل 1945، وقد استطاع الحياة 18 شهرًا بلا رأس. وحتى لا يعتقد أحد أنها إشاعة فقد أخذه صاحبه إلى جامعة يوتاه ليفحصه العلماء ويدونوا الحالة جيدًا.

بدأت قصة مايك عندما تلقى الفلاح لويد أولسن زيارة من حماته. طلبت منه زوجته إحضار ديك من الجرن.. حاول قطع رأس الديك فلم يوفق تمامًا. هكذا بات الديك ليلتها واضعًا رأسه تحت جناحه.. وفي الصباح صار قادرًا على المشي. راح الفلاح الذي اعتصرت الشفقة قلبه يسقي الديك خليطًا من اللبن والماء عبر الحنجرة بقطارة عيون.. والأغرب أنه ازداد وزنًا. وعاش عدة أشهر بهذا الشكل الغريب.

اشتهر مايك ونشرت له صور في مجلات عديدة، وإن هوجم صاحبه بعنف، لأنه لم يحسن القتلة.

في النهاية مات مايك بسبب المخاط المتجمع في حنجرته والذي لم يستطع الفلاح أن ينتزعه.

لما تم التشريح تبين أن ضربة البلطة لم تصب الشريان السباتي، كما أنها تركت جذع المخ سليمًا. هذا يعني أن ما بقي من المخ ظل قادرًا على أداء وظائف التنفس والجهاز الدوري.

السؤال الثاني هو: هل يمكن للرأس المقطوع أن يظل حيا؟

في المقال القادم نجيب عن هذا السؤال وسواه.