loading...

أخبار العالم

كيف يحتفل 5 ملايين سوداني في شوارع القاهرة‎ برمضان

إفطار سوداني في القاهرة

إفطار سوداني في القاهرة



في شوارع حي العتبة العتيقة، خاصة عند تمثال إبراهيم بك، ترى وجوها سمراء، تشعر أنك قد انتقلت للخرطوم، وقد تبدلت حولك مناحي الحياة سواء من اللهجة السودانية إلى الأطعمة والأشربة السودانية، حتى العطارة والمضغ السوداني، لتدرك أنك أمام مجتمع يزيد عدده على الـ5 ملايين سوداني في مصر، فضلت "التحرير" أن ترصد عاداتهم وتقاليدهم في رمضان.

على الرغم أن السودان لا يبتعد سوى بضعة كيلومترات عن مصر فإن العادات الرمضانية تتباين بشكل كبير بين شعبي وادي النيل، ففي جنوب الوادي تجد السوداني يجعل الشارع المكان المفضل لمائدته، حيث تجد العشرات وأحيانا المئات متراصين في الشارع على وجبة الإفطار ولا يوجد من يفطر في البيوت، على عكس المصريين ممن يحرصون أن يفطروا وسط العائلة داخل المنزل.

تملأ رائحة العصيدة أرجاء المطعم السوداني بالعتبة، وهو أحد أهم المطاعم السودانية التي يفضلها الوافدون إلى مصر من أبناء وادي النيل، والذين يتمسكون بالعادات والتقاليد السودانية، خاصة في هذا الشهر الكريم، وهو جزء لا يتجزأ من الموزاييك السوداني المحيط بهذا الميدان.

"يأتي إلينا الوافد فيشعر كأنما يأكل في بيته"، بتلك الكلمات وصف محمد شحاتة صاحب المطعم السوداني، الأجواء الرمضانية لزبائنه في الشهر الفضيل، فأكثر من 15 سنة احتكاكا مع أبناء النيل، ولذلك بات التعامل سلسا وسهلا، تأتي الكثير من المواد الخام للمطاعم المصرية في رمضان من السودان، خاصة "الويكة" وهي البامية المجففة، و"الدكوة" الفول السوداني المطحون، وزيت السمسم والشطة السودانية، كلها تجلب من هناك، غير العصائر مثل الحلو مر والعراديب، كما أن طاقم الطباخين وطاقم تقديم الأطباق من السودانيين.


محرر التحرير مع صاحب المطعم السوداني

المطعم السوداني

باتت المنطقة كلها مصبوغة بالصبغة السودانية، ففي رمضان يتحول هذا الجزء إلى خلية نحل من الإفطار وحتى أذان الفجر.

تعلو وجه شحاتة، بسمة فخر، ويقول: "تحول كل شيء هنا بعد فتح محلنا، إلى سوداني"، فالمقهى المجاور أصبح سودانيا خالصا يقدم فيه الشاي والمشروبات الساخنة السودانية، ويستعين بسيدات سودانيات لتقديم هذه المشروبات للجمهور، بل ويعرض الدوري السوداني للزبائن، حتى عربة الفول اكتست بكساء أبناء النيل، والفول السوداني يوضع عليه الكمون المسمى "شمار".

توتر سياسي

أشار محمد إلى أن رمضان هذا العام كان أصعب كثيرًا من الأعوام التي مضت، ففي الفترة الأخيرة ظهرت نتائج التوتر في العلاقة بين مصر والسودان، خاصة في إدخال البضاعة من المعابر، حيث قل الإدخال، خاصة مع عدم مجيء بعض التجار الذين كانوا يدخلون بضائع لمصر، والتضييق على واردات المحل نفسه مثل زيت السمسم، كان يشترى بالجراكن، وباتت ممنوعة من الدخول، والدكوة "الفول السوداني" لم يعد يدخل، وقبل رمضان حاول الحصول على كمية ضئيلة منها لتلبية رغبات مرتاديه، والويكا إذا جاءت بشكل كبير، لا تستطيع إدخالها، وإذا استمر الوضع سيتوقف المحل عن إعداد مأكولات كالتقلية والنعيمية اللتين تدخلان بهما الويكة، وسلطة الدكوة، والشطة.

كما اختلف المشهد في رمضان اجتماعيا بسبب الأزمة، وتباينت آراء الزبائن حول التوترات الأخيرة، فكل من يأتي مصر بات ينتقد تهويل الإعلام المصري والسوداني للأزمة بين الطرفين، والبعض، يندهش أن إدارة المطعم السوداني مصرية، بينما تكاد خلافات السودانيين السياسية تختفي بين البسطاء الذين لا يهتمون كثيرا بالسياسية.

سودانيين ينتظرون الإفطار

طبق اللمة

تنطبع عادات أبناء النيل على جو الشهر الفضيل، فعند الإفطار، دائمًا ما يطلبون طبقا واسعا، ولا يحبون أن يوضع كل صنف في طبق صغير منفصل، وذلك لأن السوداني يعشق الجماعية في الأكل، فإذا رأى صديقا له يناديه ليأكل من طبقه وإن كان الآخر لم يطلب، وقد يضطر الآخر للتحمس وتكملة الأكل معه، وممكن أن يصبح الواحد اثنين وثلاثة، حتى يصبحوا مجموعة قبل انطلاق المدفع، ولذلك تجد المحل حريصا على شراء الأطباق الواسعة.

المطبخ السوداني

وفي المطبخ السوداني حيث تجهز كل الأكلات الرمضانية المميزة، يقف عم آدم بملامحه السودانية، فهو صاحب خبرة طويلة ويعمل منذ 2005 في إعداد الطعام، وبدأ مشواره من  السودان، بكافيتريا "الزمالك المصري" بالخرطوم، وكان صاحبها أمه مصرية وأبوه سوداني، وجاء لمصر في زيارة لصديقه، ولكن استهوته مدينة المعز، خاصة بعد أن وجد عملا بها  كـ"شيف سوداني" ومنذ ذلك الوقت لم يغادر أرض الكنانة إلا للزيارات العائلية ورؤية الأقارب.

ويتحدث عم آدم عن الكسرة وهي خبز يصنع من دقيق الذرة وذلك عن طريق العِواسة، وهي العملية التي تصنع بها الكسرة، تبدأ عملية عجن الكسرة بعمل الخمارة وقديما كان لا يخلو أي منزل سوداني من الخمارة، وهي عبارة عن دقيق ذرة + دقيق قمح معجون بالماء ويترك لساعات، ليخمر ويكتسب المذاق المر قبل العواسة مباشرة يؤخذ قليل من الخمار ويضاف عليه المزيد من الدقيق والماء حتى يصبح عجينا سائلا يسهل التحكم به. وتختلف أنواع دقيق الذرة المستخدمة، أما القراصة فهي عبارة عن عيش خفيف ونضعه بالصاج، وتصنع من دقيق القمح الأسمر، بينما تصنع النعيمية، من "الزبادي الرايب" والويكة والفول السوداني المدشوش.

المشروبات السودانية
 

إفطارات جماعية

قال حسام بيرم، مدير صوت الجالية السودانية، إن السودانيين في مصر لهم جمعيات تقريبًا بكل محافظة جمعية، وكل جمعية تحرص على عمل إفطارات بشكل دوري في رمضان، فمنهم من يقيم إفطارات بشكل يومي، ومنهم من يقيم عدة إفطارات في الشهر، بجوار الإفطارات الرسمية التي يجتمع فيها ممثلو السفارة إلى جوار الجالية وكبار السياسيين، وكل فرد يقوم بـ"عزومة" في الجمعية، وبتلك الطريقة فنادرًا ما يفطر السوداني ببيته.

وأكد بيرم لـ"التحرير" أن الأكلات السودانية الشهيرة مثل القراصة والعصيدة والكسرة، لا تخلو من أي بيت سوداني في مصر، في الشهر الفضيل، وذلك لأن الأكل السوداني في مجمله يعتمد على فكرة الدقيق والماء، كا أنهم يسهرون من الإفطار للفجر، بين التراويح والعبادات والزيارات، والتجول في شوارع القاهرة.