loading...

أخبار مصر

حلاق وصنايعي وسائق «توك توك».. هؤلاء أئمة المنابر

الائمة والدعاة

الائمة والدعاة



لا تمرّ عدة أيام دون سقوط شهيد من الجيش أو الشرطة أو المدنيين، في الحرب التي تخوضها مصر على الإرهاب، دافعة ثمن انتشار الأفكار المتطرفة بين عديد من الفئات، بسبب غياب الدور الوعظي المطلوب.

الرئيس عبد الفتاح السيسي كانت له المبادرة بالدعوة من أجل تأهيل وتحسين أوضاع الأئمة، لأنهم "الجنود" في المواجهة ضد أفكار التطرف والتكفير، ودورهم حماية الشباب وصون عقولهم، إلا أن دعوة الرئيس لم تجد صدى في المؤسسات الدينية، خاصة وزارة الأوقاف.

"التحرير" فتحت ملف تحسين أوضاع الأئمة (الشائك)، لنكتشف أن جنود معركة تجديد الخطاب الديني مشغولون بالبحث عن لقمة العيش في أماكن أخرى بعيدًا عن منابر المساجد.

صنايعي شيشة
قال الشيخ محمد عباس، أحد خطباء المكافأة بوزارة الأوقاف، إنه يعمل كخطيب بالمكافأة منذ ست سنوات، ولم يتقاض سوى راتب شهري 143 جنيهًا.

عباس متزوج ومعه ثلاثة أولاد، ووالده أصيب بجلطة بسبب عدم تعيينه بالأوقاف، كما يحكي، مشيرًا إلى عمله بعديد من المهن، منها نجار مسلح وصنايعي، يقدم "شيشية" فى محل بلاي ستيشن بمساكن شيراتون، فضلًا عن العمل بالصرف الصحي.

وتابع: "سبق له أن ظهر فى إحدى الوسائل الإعلامية منددا بالأحوال السيئة للأئمة، الأمر الذى قوبل برفض واستنكار وزارة الأوقاف"، معربًا عن استيائه الشديد من الأوضاع الاقتصادية والظروف المالية التى يمر بها وأسرته، بعد عدم حصوله على عمل، وكذلك رفض تعيينه من قبل الأوقاف رغم اجتيازه الاختبارات المقررة للتعيين.

وهدد عباس، أنه سيقدم على الانتحار رغم أنه رجل دين ويعلم جيدا حرمة الانتحار، مؤكدا أنه ضاق به الحال ومسئول عن أسرته وصافي دخله لا يتجاوز مئتي جنيه.

وطالب عباس الرئيس السيسى بالتدخل من أجل إنقاذ الخطباء من التشرد وتحقيق دعوته التي قوبلت بالتهميش من قبل الأوقاف بتحسين أحوال الأئمة.

سائقو توك توك وبائعو خضراوات
يكشف الشيخ رضا موسى، أحد خطباء المكافأة بالغربية، أن خطباء المكافأة الذين يتجاوز عددهم قرابة العشرين ألف إمام، أوضاعهم المالية والاجتماعية سيئة.

ويوضح موسى لـ"التحرير"، أنه يعمل تاجر مستحضرات تجميل، إلى جانب عمله كخطيب بالمكافأة، وذلك لأن خطيب المكافأة يتقاضى شهريا 140 جنيها، الأمر الذى يجعل الخطيب يبحث وبقوة عن العمل فى مهن أخرى لكسب الرزق، منوها بأن أغلب خطباء المكافأة يعملون سائقي توك توك، وبائعي خضراوات وفاكهة، وكذلك يعملون فى محلات عطور، إلى جانب عملهم بالخطابة، حتى يتسنى لهم العيش في ظل الظروف الاقتصادية المرتفعة والغلاء الفاحش، على حد تعبيره.

ويضاف إلى ذلك، على حد قوله، أن خطيب المكافأة يخطب الجمعة، وباقى الأيام المساجد خالية من الخطباء، وبالتالي فإن المسجد بالتأكيد عرضة لمشايخ الجماعات المتطرفة، الذين يستغلون ذلك الأمر في الخطابة للناس بمفاهيم مغلوطة عن تعاليم الإسلام، ليل نهار، الأمر الذي يضر بالمجتمع ويزيد من العمليات الإرهابية.

وتابع: "جميع الوقفات الاحتجاجية لخطباء المكافأة بالتثبيت والتعيين ورفع الأجور، باءت بالفشل الذريع، وأن عددًا بسيطًا لا يتجاوز 600 إمام تم تعيينهم رسميًا فقط".

فلاحون بالأرض
قال الشيخ محمد أحمد، أحد أئمة وزارة الأوقاف بالبحيرة، إنه يعمل في الأرض فلاحًا إلى جانب عمله كخطيب وإمام بالأوقاف، وذلك عن طريق إيجار فدان أرض زراعية، والقيام بزرعه من أجل تحسين دخله.

وأكد خطيب الأوقاف لـ"التحرير" أن مرتب الوزارة في الغالب يكون ألفا وخمسمئة جنيه، وبالتالي يضيع بمرور نصف الشهر، وأنه في حالة وجود مناسبات أمثال العيد أو المدارس يكون الإمام في ورطة لعدم قدرته على شراء مستلزمات المدارس من ملبس وغيره.

وطالب الدولة بضرورة بحث ذلك الموضوع خاصة في ظل الأسعار المرتفعة، وظروف الأئمة جميعا صعبة، مشيرًا إلى أن تجديد الخطاب الديني أحد العوامل المهمة في حرب الدولة على الإرهاب، حيث يعتبر الأئمة والخطباء بمثابة العمود الفقري في قضية التجديد، مؤكدا أنه لا تجديد في ظل المرتبات والأجور الضعيفة للأئمة والدعاة.

هروب من الأوقاف للجمعيات الشرعية
يقول الشيخ "ع.ا.س" أحد أئمة الأوقاف المعينين رسميا بالإسكندرية، إن الأئمة بوزارة الأوقاف سواء المعينين أو العاملين بنظام الخطابة بالمكافأة يعيشون مأساة كبيرة، خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية والأسعار المرتفعة.

ويؤكد خطيب الأوقاف المعين بالوزارة، أنه يعمل في مجال تطريز عباءات السيدات المشغولة إلى جانب عمله كإمام معين بالأوقاف، وذلك لأن مرتب الخطيب المعين ألف جنيه، وبدل صعود المنبر يتقاضاه الخطيب بعد الخصومات 700 جنيه، ولو وقع له أي جزاءات لا يتقاضى بدل صعود المنبر، ليصبح إجمالي راتب خطيب الأوقاف 1700 جنيه، في حين أن سعر الكتاب يصل إلى 500 جنيه، متسائلا: كيف يتسنى للإمام قراءة الكتب والمراجع حتى يكون على قدر عال من الثقافة؟

ويشير "ع" إلى أنه من النادر بل من المستحيل أن تجد خطيبا وإماما بالأوقاف يعمل بالخطابة فقط، إنما يعمل في مهن أخرى، فأغلبهم يعمل بأعمال النجارة أو الزراعة، أو عامل في المعمار والخرسانة.

وأكد أن قطاعًا عريضًا من الخطباء خاصة من خطباء المكافأة يلقون دروسًا دينية في مساجد الجمعيات الشرعية مقابل 500 جنيه شهريًا، من أجل تحسين دخلهم، فالوزارة تتحدث عن خطورة تلك الجمعيات وما تبثه من أفكار متشددة، وأئمتها لظروفهم المالية الصعبة يلقون دروسًا دينية في مساجدها للقدرة على العيش.

ولفت إلى أن نصف المرتب يذهب في المواصلات، خاصة للأئمة المغتربين، وأن من حصل على قرض من البنوك من الأئمة هو شحات بدرجة إمام.

وطالب الأزهر والأوقاف بتلبية دعوة الرئيس السيسي في النهوض بأحوال الأئمة والخطباء باعتبارهم الجنود الحقيقيين في معركة تجديد الخطاب الدينى، بضرورة توفير مكتبات للأئمة، خاصة أن المؤسسات الدينية تمتلك مطابع خاصة بها، حتى يتسنى للإمام الاطلاع على الكتب والمراجع، وكذلك توفير وسائل التكنولوجيا من أجهزة لاب توب، حتى يكون الإمام على دراية بالتطورات الحديثة والتكنولوجيا، أما الوضع الحالى فيجعل أئمة الأوقاف في واد والمجتمع والشباب في واد آخر، الأمر الذى جعل الشباب يذهبون للإلحاد والجماعات المتطرفة، لقدرة الأئمة على الوصول لعقول الشباب.

حلاق أو عامل في مطعم أو نجار
يقول نقيب الأئمة والدعاة الشيخ محمد البسطويسي، إن أوضاع الأئمة المالية تحتاج إلى تحسين، ولا يستطيع أي إمام أن يلبي احتياجات الأسرة، خاصة مع ارتفاع الأسعار بالاعتماد فقط على راتب عمله كإمام وخطيب بالأوقاف، لذلك فالإمام يمتهن مهنا أخرى إلى جوار عمله.

ويؤكد نقيب الأئمة لـ"التحرير"، أن الإمام يعمل حلاقا وسائق توك توك، وعاملا في مطعم ونجارا، الأمر الذى يجعل نظرة الناس للأئمة غير لائقة، فيتحدث عن الإسلام وتعاليم الشريعة، ويذهب بالمصلين كسائق توك توك بعد الصلاة، الأمر الذي يتنافى مع طبيعة رسالة الإمام.

وشدد على الأئمة ضرورة البحث عن مهن أخرى تتناسب مع طبيعة عملهم، سواء محفظين للقرآن الكريم فى المساجد، أو إلقاء دروس خصوصية في الفقه والتفسير والحديث، وعدم العمل في مهن لا تليق بالخطيب، وذلك للحفاظ على احترام الناس لرجال الدين، ومن يعتلي منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، مؤكدا أن النقابة تسعى بالتنسيق مع الوزارة لتحسين أوضاع الأئمة المالية، وذلك من خلال توحيد صرف المستحقات المالية للأئمة على مستوى المحافظات، بحيث يتقاضى الجميع مبلغًا واحدًا.

صاحب المذلة لا يصلح
تقول النائبة البرلمانية آمنة نصير، أستاذ العقيدة والفلسفة، إن أوضاع الأئمة بجلالتهم وحضورهم تفرض علينا أن نحترم كل كلمة تقال على لسانهم على منبر رسول الله، ولا بد أن تقوم المؤسسات الدينية بوضعهم فى مكانة مالية تكفل لهم حياة كريمة، حتى يحترم ما يقولون لا العكس.

وتضيف نصير لـ"التحرير"، أنه إذا ارتقينا بالأئمة فنكون ارتقينا بمستوى الخطاب الدينى الذى نادى به الرئيس مرارًا وتكرارًا، ولا تجديد فى ظل الأوضاع المتردية للأئمة، مؤكدة أن استمرار الأوضاع المالية السيئة للأئمة وامتهانهم مهنا غير لائقة بهم، ينذر بجمود الخطاب الدينى لا تجديده، كما أن الحاجة مذلة، وصاحب المذلة لا يصلح أن نتلقى منه.

غير مقبول 
من جانبه علق الشيخ جابر طايع، رئيس القطاع الديني بالأوقاف، على المهنة البديلة للأئمة، بأن وزارة الأوقاف لا تدخر جهدًا من أجل النهوض بأحوال الأئمة المادية، وذلك بتنفيذ كادر الأئمة بعد جهود كبيرة مع وزارة المالية، فضلا عن أن الوزارة قامت بتعيين عدد من خطباء المكافأة. 

وأوضح طايع لـ"التحرير" أن هناك أكثر من 60 ألف إمام وخطيب، فضلا عن خطباء المكافأة، وأن الوزارة تعمل بشكل دوري ومنتظم فى تنمية قدرات الأئمة من خلال الورش والتدريب، وأن مسألة قيامهم بمهن أخرى أمر غير مقبول، ولا بد لهم من التفرغ التام للإمامة والخطابة.