loading...

محليات

مستندات وصور| خطة تغيير مجرى النيل في المنصورة بمباركة الحكومة

مجرى النيل بمدينة المنصورة

مجرى النيل بمدينة المنصورة



المواطنون اشتكوا منذ 30 عاما.. والأحكام القضائية في الهوا

جريمة خنق للنيل وقعت على مرأى ومسمع من المسؤولين، ما زالت آثارها تقتل ما بقي من آمال المصريين في الرمز الخالد.. إذ شهدت مدينة المنصورة عاصمة الدقهلية، اغتيالا متعمدا لنهر النيل على مدار أكثر من ثلاثين عاما، بحجة التطوير وحل المشكلة المرورية، لينتهي به الحال إلى شريط ضيق.

«التحرير» تفتح ملف التعديات على نيل المنصورة من خلال مستندات حصلت عليها من مصادر خاصة، لتضعها أمام الجهات المختصة من أجل بحث ما بها من شبهات فساد للتعديات على المجرى النهري الخالد، إذ وصلت أعمال أعمال الردم من نهاية جزيرة الورد وحتى كوبري المنصورة العلوي إلى 20 مترا بالعرض، وبطول 400 متر، من أجل بيع هذه المساحة المردومة في مزاد علني لإقامة مشروع "مطاعم ومحلات ومرسى سياحي"، وذلك بالمخالفة لأحكام القضاء التي أكدت بطلان هذا البيع.

وعلى الرغم من اعتراضات الأهالي وجهاز حماية النيل وإدارة المرور على المشروع، فإن المحافظة واصلت عملها وقامت بردم النيل، ليفاجأ الجميع بانحرافه عن مساره، وتحويل الطريق الذي تم إنشاؤه من عملية الردم إلى جراج خاص للمطاعم والعائمات وإغلاقه من جهة كوبري المنصورة العلوي حتى لا يستخدم من أصحاب السيارات، لتحويل الشارع إلى جراج خاص للمشروع، مما زاد من الاختناق والشلل المروري في المنطقة بعد تزايد الإقبال على المشاريع التجارية الجديدة.

نقطة سوداء

قصة التعديات تبدأ من عام 1984، حينما أصدر اللواء سعد الشربيني محافظ الدقهلية الأسبق، قرارًا يحمل رقم347 لسنة 84 بإنشاء "مشاية سفلية" موازية لنهر النيل بمدينة المنصورة خصصت كطريق لتخفيف الضغط المروري عن شارع الجمهورية وتم اعتماد خط التنظيم، ليكون عرض الشارع 20 مترًا، وتضمن القرار في مادته الثانية تكليف الوحدة المحلية لحي غرب المنصورة بالسير في إجراءات ضم الأجزاء الواقع بها هذا الامتداد من نهاية كردون مدينة المنصورة حتى زمام قرية ميت خميس.

وبحسب المستندات التي حصلت «التحرير» على نسخة منها تم التلاعب والتعدي على خط التنظيم من العاملين بحي غرب وديوان عام محافظة الدقهلية واستصدار قرار مطلع التسعينيات من القرن الماضي من اللواء فخر الدين خالد محافظ الدقهلية الأسبق ببيع القطع أرقام "78 أ، 78 ب، 78 ج"، رغم أنها استبعدت من جميع المزادات السابقة كونها مخصصة للمنفعة العامة وجزء من نهر شارع المشاية ومخرجه الرابط بينه وبين شارع الجمهورية، وبفحص إجراءات المزاد بواسطة التفتيش الفني التابع لجهاز بحوث البناء بوزارة الإسكان تم تحديد جميع المخالفات التي ارتكبتها الجهة الإدارية وانتهت لجنة الفحص بإصدار تقرير الجهاز الفني رقم 1 لسنة 1994 الذي أوصى بضرورة عمل تخطيط تفصيلي للمشاية مطابق لمواد القانون، وقرر عدم مشروعية المزاد الذي بيعت فيه القطع.

وعلى الرغم من توصية جهاز بحوث البناء بإلغاء المزاد وعودة القطع إلى نهر الطريق، فإن الجهة الإدارية ضربت بالتوصية عرض الحائط وأصدرت تراخيص بناء لتلك القطع، وفي عام 1996 رفع أحد المتضررين دعوى على تراخيص البناء الصادرة لتلك القطع فصدر الحكم رقم "1419/16 ق"، في 13 أبريل 1996 بإلغاء تراخيص البناء على القطع الملغى مزادها.

فوق القانون

إدارة «حي غرب» ضربت بحكم المحكمة وتوصية جهاز بحوث البناء عرض الحائط، وأصدرت تراخيص بناء حملت رقم 67/95 للقطعة رقم 78 ج، فقام أحد المتضررين بالطعن مرة أخرى على المزاد الذي بيعت بمقتضاه القطعة وصدر الحكم رقم 1802/15 ق في 15 مارس 1997 بإلغاء المزاد، ولم يلتفت محافظ الدقهلية له.

وفي عام 1997 أصدر محافظ الدقهلية القرار رقم 1497 لسنة 1997 بتصحيح مسار "المشاية السفلية" بعرض 20 مترا بداية من فيلا غيث وحتى نهاية كردون مدينة المنصورة وإلغاء جميع تراخيص البناء البارزة عن خط التنظيم، وبموجب هذا القرار يتم إعادة القطع الثلاث إلى نهر الطريق مرة أخرى، إلا أن أحد الأشخاص طعن على القرار بحجة عدم عرضه على المجلس الشعبي المحلي، ليصدر حكم بإلغاء قرار محافظ الدقهلية لعيب شكلي وليس موضوعيا، فأصدر أحمد سعيد صوان محافظ الدقهلية الأسبق القرار رقم 13 لسنة 2007، لتصحيح العيب الشكلي في القرار رقم 1497 لسنة 97، إلا أن المسئولين بحي غرب المنصورة أخفوا قرار المحافظ لمدة عامين حتى لا يكون فعالا لحين تكريس الأمر الواقع والتعدي الحادث على نهر الطريق، ولم ينشر بالجريدة الرسمية إلا في 5 أبريل 2009 وعلى نفقة عدد من الأهالي سعيا لتفعيل القرار.

وكان من المفترض أن تنتهي قصة التعدي على الطريق إلا أن أحد أصحاب القطع رفع دعوى ضد جهة الإدارة يتهمها فيه بالامتناع عن منحه التراخيص، على الرغم من قرارات إلغاء بيع القطع والأحكام الباتة بإلغاء المزاد الذي بيعت بموجبه القطع المخالفة، وحدث تواطؤ من جهة الإدارة بإخفاء الأحكام النهائية والقرارات الخاصة بالموضوع ليتم التدليس على المحكمة لتصدر حكمها رقم 5139 لسنة 26 ق عام 2010 بإلغاء قرار الجهة الإدارية بالامتناع عن منح تراخيص البناء، وبالعرض على المستشار القانوني للمحافظ قرر استحالة تنفيذ الحكم لتعارضه مع الحكم رقم 464 /20 ق النهائي والخاص بذات الموضوع وإلزام الوحدة المحلية لحي غرب بالتنسيق مع هيئة قضايا الدولة بالتداخل في الإشكال رقم 2214 لسن 33 ق، إلا أن مسؤولي «حي غرب» لم يقوموا بالتداخل في الإشكال ولم ينفذوا قرار المستشار القانوني.

وفي 25 يناير 2012 أغمض المسئولون بـ«حي غرب» المنصورة أعينهم عن تعدي أصحاب العقارات المجاورة للقطعة 87 ج على حرم الطريق العام والتعدي على خط التنظيم بعمل بروز لوجهات المحلات لمسافة تزيد على مترين وبناء دورة مياه كاملة في الشارع على امتداد القطعة المستولى عليها لإخفاء البروز الواضح لتلك القطعة عن خط التنظيم لتمرير الجريمة، فحرر عدد من الأهالي المحضر رقم 1115 لسنة 2012 قسم أول المنصورة بجميع المخالفات.

وحقق المستشار القانوني للمحافظة في الموضوع، وخلص إلى وجود شبهة تواطؤ وأحال المختصين بالإدارة الهندسية والشئون القانونية لحي غرب إلى التحقيق بالنيابة الإدارية التي حفظت التحقيق، بينما قام أحد المضارين من تواطؤ الجهة الإدارية بالاستشكال في تنفيذ الحكم برقم 22114/33 ق بتاريخ 12 مايو 2015، وتنبهت المحكمة لوقائع الغش والتدليس الذي حدث وقضت بإلغاء الحكم وما ترتب عليه من آثار إلا أن التعدي ظل قائما.

حجة التطوير

لم تكتفِ الإدارة المحلية ببيع نهر الشارع العام وغض الطرف عن أحكام القضاء الخاصة بعدم مشروعية البيع وإغماض العين، بل والتواطؤ مع أصحاب القطع لردم النيل وتوسعة الشارع من أمام القطع لتغيير الواقع، بل قامت أجهزة الحكم المحلي ممثلة في حي غرب المنصورة وديوان عام المحافظة بردم النيل لمسافة يصل عرضها إلى 20 مترا وبطول 400 متر بحجة تطوير «المشاية السفلية» وعمل امتداد لها لعلاج الاختناق المروري في الجهة المقابلة لفندق الجامعة بشارع الجمهورية وحتى كوبري المنصورة الجديد، إلا أن المشروع تحول إلى إنشاء مولات تجارية في موضع الردم وتحويل امتداد المشاية السفلية إلى جراج خاص برواد المولات التجارية، وتم إغلاقه من جهة كوبري المنصورة العلوي لمنع سير السيارات به، ليتحول إلى مربع معزول لخدمة رواد المولات التجارية ومرسى لعدد من العائمات غير المرخصة.

بلاغات في الهوا

مسلسل التعديات على النيل لتنفيذ المشروع السياحي الترفيهي بدأ في شهر ديسمبر 2009، بحسب المستندات التي حصلت "التحرير" على نسخة منها، حينما قامت الجهات التنفيذية بالمحافظة بتكليف شركة المقاولون العرب القائمة على المشروع بالتعدي على حرم النيل بالجرافات وبردم النيل وتسوية الأرض وجعل عرض الطريق أكبر مما هو مثبت بالخرائط المساحية، فسارع سكان المنطقة بطلب شرطة النجدة فزعم التنفيذيون أنهم ينفذون المرحلة الأولى من المشروع بإقامة محلات على طابقين وتوسعة عرض طرح النيل ليستوعب هذه الأعمال وعليه تم تحرير محاضر، منها 13546 إداري قسم أول المنصورة في ديسمبر 2009، وتم الإثبات أن ما يتم مخالف لقانون النيل إلا أن التعديات تواصلت من الجهة الإدارية واستكملت شركة المقاولون العرب عمليات الردم والتوسعة بطول 400 متر وتم الاستيلاء على جسر النيل المقام عليه الطريق الأسفلتي "شارع الجمهورية" بعمل قطع بطول 400 متر في عرض 5 أمتار بعمق 4 أمتار وما تبعه من حدوث فرق في المنسوب بين طرح النيل وجسره وصل إلى 4 أمتار وتم استغلال فارق المنسوب لإقامة منشآت ومحلات وقاعات.

وتواصلت المخالفات من الجهة الإدارية والشركة المنفذة للمشروع وحرر الأهالي المحاضر، إلا أن تلك المخالفات والبلاغات لم تسفر عن أي تحرك إيجابي من الجهات الرقابية والتنفيذية المعنية، مما أغرى المحافظة بمصادرة الطريق العام الذي أصبح عرضه من 8 إلى 10 أمتار بدلا من 20 مترا وتحويل مسار باقي الشارع إلى امتداد شارع الجمهورية الذي زاد عرضه وأصبح يستعمل في الاتجاهين، وتمت إقامة حاجز عند مخرج المشاية المؤدي إلى كوبري المنصورة الجديد الذي كان مخططا بقرار محافظ الدقهلية بعرض 20 مترا، وبدلا من ذلك تم اعتباره مدخلا للمشروع المزعوم بعرض من 8 إلى 10 أمتار دون مسوغ قانوني، وتم منع مرور السيارات والمارة في اتجاه الكوبري.

ولم تكتفِ الإدارة المحلية بذلك، بل واصلت تجاوزاتها حين طرحت المشروع للإيجار لمدة 3 سنوات في مزاد علني في 16 ديسمبر 2012 على أن يشمل المزاد التعلية التي كانت توحي بأنها متنزهات عامة مفتوحة، إلا أنه تم تحويلها إلى مكان مغلق وتم إضافتها للمحلات وتم قصر استخدام شارع المشاية على المترددين على المحلات ومراسي العائمات، بمعنى خصخصة الطريق المعد للمنفعة العامة لمشروع سياحي خاص دون سند من القانون، خصوصا أن القرار 13 لسنة 2007 الخاص بخط التنظيم للمشاية كان ساريا في هذا الوقت وحاولت جهة الإدارة احتواء غضب الأهالي المتصاعد من المشروع وتظاهرت بإلغاء المزاد وما ترتب عليه، وصرح محافظ الدقهلية آنذاك بأنه لن يطرح الجزء العلوي من المشروع للإيجار لعدم قدرة المنطقة على استيعاب السيارات والزحام إذا ما تم تأجير هذا الجزء، إلا أنه وفي التوقيت نفسه تم العرض على وزير التنمية المحلية للموافقة على تأجير الدور العلوي ضمن إيجارات المحلات لمدة 5 سنوات بدلا من ثلاث وأعيد طرح الطابق العلوي للإيجار مع المحلات في 20 مايو 2013 على الرغم من اعتراضات الإدارة العامة للمرور، لتبدأ المحافظة في تسليم المحلات للمؤجرين في شهر يناير 2017.

تحايل مستتر

في عام 2008 ظهرت العائمات السياحية للمرة الأولى في مياه نهر النيل بالمنصورة، إذ تم إنشاء 3 «عائمات رست» جنوب كوبري المنصورة الجديد وبالقرب من شاطئ مدينة طلخا دون استخدام، وفي غفلة أو تغافل ومع البدء في تنفيذ ردم النيل لإنشاء المحلات التجارية تحركت العائمات من مراسيها باتجاه شاطي مدينة المنصورة ورست عائمتان في مقابل مشروع "المنصورة بلازا" للاستفادة من الطريق العام الذي تم تخصيصه لخدمة مشروع المنصورة بلازا، ليتم استخدام الطريق كمرسى للعائمات أيضا في حين رست العائمة الثلاث في مقابل فيلا غيث بالقرب من نادي جزيرة الورد.

بينما بدأت الشكاوى تنهال من سكان المنطقة المواجهة للمراسي بسبب ما تسببه من اختناق مروري، كما اعترض عليها مدير الأمن الصناعي لخطورتها؛ فشكل المحافظ لجنة خلصت إلى عدم السماح للعائمات بالرسو في هذه المنطقة من نيل المنصورة وصدق عليها المحافظ، كما قام مركز الدراسات والبحوث بكلية الهندسة بجامعة المنصورة في تاريخ 7 فبراير 2011 بعمل دراسة لتأثير المشروع على الحركة المرورية بمدينة المنصورة وانتهى بالتوصية بمنع إقامة أي مشاريع جديدة على محور المشاية، من شأنها جذب رحلات إضافية وإزالة جميع المنشآت بموقع المشروع المسمى بتطوير المشاية السفلية، إلا أن اعتماد المحافظ تم التغافل عنه.

وتصاعدت شكاوى الأهالي لمحافظ الدقهلية ضد العائمات، فقام بعقد لجنة لفحص الشكاوى بتاريخ 20 مايو 2013 انتهت بضرورة وقف أمر التشغيل الخاص بالعائمات، إلا أن التلاعب تواصل وخرج محضر الجلسة على خلاف ما تم اتخاذه من قرارات ولم يتضمن توقيعات أو اعتماد أي جهة تنفيذية ممن شاركوا في الاجتماع، وهو ما يؤكد أن المحضر الذي خرج للعلن أعيدت كتابته وتم إخفاء المحضر الذي ثبتت فيه جميع التوصيات المتفق عليها.

وفي شهر سبتمبر 2012 قام محافظ الدقهلية وبعد الاطلاع على مذكرة المستشار القانوني للمحافظة وتوصيته بإصدار خط تنظيم جديد للمشاية السفلية بإصدار القرار رقم 379 لسنة 2012 الذي تضمن تشكيل لجنة برئاسة وزارة الإسكان لفحص ودراسة موضوع خط التنظيم للمشاية السفلية وعرض ما يمكن اتخاذه في هذا الشأن من الناحية الفنية وكيفية تلاشي أثر إلغاء قرار اعتماد خط التنظيم وإمكانية إصدار قرار جديد لتلافي عيوب القرار السابق.

بينما تحايل المنتفعون من التنفيذين بحي غرب وديوان عام المحافظة على توصية المستشار القانوني للمحافظة وإضافة عبارة "مع مراعاة أن يتم التعديل لخط التنظيم بما هو قائم بالطبيعة"، لتمرير كل ما تم من فساد وتحايل على القانون خلال السنوات الماضية وتقنين الوضع القائم.

ولم يكتفِ المسئولون بحي غرب المنصورة وديوان عام المحافظة بما تم من تعديات صارخة على النيل والردم المتواصل خلال السنوات الماضية بل تقدموا بمقترح بردم النيل لزيادة عرض شارع المشاية السفلية من 20 إلى 26 مترا من أول نادي الشرطة وحتى مراسي العائمات، وهو ما يعني تقنين وضع القطع التي تم بيعها من نهر الطريق ووصول الردم أمام تلك القطع إلى نحو 20 مترا خاصة أن عرض الطريق أمام تلك القطع يتراوح ما بين 8 إلى 12 مترا، إلا أن الإدارة العامة لتطوير وحماية النيل شمال فرع دمياط بالمنصورة والتابعة لوزارة الري أعلنت اعتراضها.

وفي النهاية تضع «التحرير» قضية إعادة حقوق الدولة والمواطنين على عاتق المسؤولين الذين قدموا في الفترة الأخيرة مجهودا كبيرا لإزالة التعديات على أملاك الدولة بعد توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي لكل الأجهزة المعنية بذلك.. فهل من متصد لمن يستحلون حرمة النيل في المنصورة؟