loading...

مقالات

شارع غروب الشمس

شارع غروب الشمس


شارع غروب الشمس أو "Sunset street" يعد واحدًا من أشهر المصطلحات الكلاسيكية التى يتم استخدامها فى أدبيات النقد السينمائى الأمريكى، وهو يشير إلى طريق الظلال الذى يدلف إليه النجوم مرغمين عندما تنحسر عنهم الأضواء، وتتوقف شركات الإنتاج عن التعاقد معهم لبطولة أفلامها الجديدة.

هذا المصطلح المؤلم لا يعبر عن أفول النجوم السينمائية فقط، ولكنه يصلح أيضا للتعبير عن أفول النجوم فى كل المجالات الفنية والأدبية فى واقع الأمر. الفارق الوحيد أن الأدباء والتشكيليين والموسيقيين وغيرهم من المبدعين الذين لا يعتمد اكتمال إبداعاتهم الفنية على منتج ينفق عليها، يمكنهم دائما العثور على حلول لنشر إبداعاتهم بطريقة أو بأخرى بتكلفة مادية زهيدة، لا تؤدى إلى خسارة مرهقة حتى لو قل إقبال الناس عليها.

مسيرة الفنانين الحقيقية فى شارع غروب الشمس تبدأ عندما يتوقف الناس عن الاستمتاع بإبداعاتهم التى قد يتجاوزها الزمان، فلا تستسيغها الأذواق مستقبلاً، أو عندما تسقط عنها الأقنعة ويكتشف الناس زيفها ويفهم الجميع أن أصحابها، ممن أصابهم الحظ فى تحقيق الانتشار، لم يحصدوا شهرتهم الكبيرة إلا لأنهم كانوا يمثلون تعبيرًا صادقًا عن عصور الانحطاط التى لمعت نجومهم فى سماواتها.

شارع غروب الشمس شديد الانحدار يلقى دائمًا بمن يتعثرون فى أحجاره ويتدحرجون فوقها إلى بئر النسيان. صورة تقليدية ولكنها صادقة ومخيفة. الناجون من ذلك المصير هم أولئك الذين تحتفظ ذاكرة الناس بإبداعاتهم لأنها تشبه قهوة الصباح، التى لا يبدأ الملايين يومهم واستعدادهم لمواجهة العالم إلا بعد احتسائها.

الفنون أجمل صنعة أجادها الإنسان ولم يفقد احتياجه إليها على مر الزمان، مهما تأرجح بين السعادة والحزن والجوع والتخمة.

شعراء وكتاب عظام كثيرون لم يحصلوا على نصيبهم العادل من الانتشار إلا بعد رحيلهم، مثل فؤاد حداد الذى كتب فى إحدى قصائده: "كنت حالف تحت عين الله إنى آخد حقى من موتى"، وتحقق له ما أراد بجهد أبنائه ومريديه الذين لم يهدأ لهم بال قبل أن يحصل شاعرنا العبقرى على تقدير يتناسب مع حجم عطائه وموهبته.

غالبية قراء الأدب الذين يعرفون شاعر الإنجليزية الأعظم ويليام شكسبير لم يسمع أحدهم عن الشاعر المسرحى كريستوفر مارلو المعاصر له، الذى فاقت أعماله فى زمانهما شهرة أعمال شكسبير، وكان مسرحه رائجًا بينما عجز شكسبير فى كثير من الأوقات عن تسديد أجور ممثلى مسرحه.

مات شكسبير ولم يسر فى جنازته إلا أقاربه وبعض أصدقائه فقط، ولم يهتم النقاد بمسرحه واكتشاف كنوزه الشعرية إلا بعد نصف قرن من وفاته، ورغم دخوله المبكر فى شارع غروب الشمس فلم يسقط فى بئر النسيان مثلما فعل مارلو، بل خرج منها إلى شهرة لم يكن يحلم بها.  

أكتب هذه الكلمات وأنا أدعو لكل فنان فذ مات مظلومًا أن يكتب الله له حياة أبدية فى إبداعه.