loading...

مقالات

ممر الشمال الروسي وقناة السويس (٢)

ممر الشمال الروسي وقناة السويس (٢)


في عام 2004، رأى سكرتير الاتحاد الروسي البيلاروسي السابق بافل بورودين أن "روسيا بنهاية حقبة الثمانينيات وبداية التسعينيات من القرن العشرين، أي تقريبا منذ البدايات الحقيقية لانهيار الاتحاد السوفييتي، بقيت من دون "فكرة قومية". ولم يتقبل المجتمع الروسي القيم الديمقراطية، نظرا لأن هذه القيم يمكنها الحياة بصعوبة بالغة على التربة الروسية، هذا برأي بورودين. وبينما رأى أن المستجدات الخاصة بنظام السوق قد أدت إلى المزيد من الهزات الاجتماعية، فإنه ورغم كل ذلك بقيت روسيا موجودة، وتم الحفاظ على الدولة من الانهيار الكامل.

لكن بورودين يعود هنا ليؤكد فكرة أخرى ستصبح بعد قليل منصة الانطلاق لفكرة قومية لروسيا الجديدة بتشكيل اتحاد سوفييتي بطابع مختلف عن السابق الذي انهار. فيقول إنه على الرغم من أن روسيا فقدت نحو ربع أراضيها، وأكثر من ثلث السكان، فإنها حافظت على الأمر الرئيسي، ألا وهو المكون الأوروآسيوي للدولة، وسوف تظل كما في السابق قوة أوروآسيوية.

كان بورودين يتصور أن ذلك تحديدا هو الأساس الذي يمكن أن تولَد عليه "الفكرة القومية" الحديثة لروسيا، ويمكنه أن يصبح الدافع نحو عملية توحيد جديدة، بل وذهب إلى إمكانية الاتفاق مع النتائج التي توصل إليها الكاتب السوفييتي -القيرغيزي الأصل- جينكيز أيتماتوف الذي قال: "لقد ابتعدنا عن بعضنا البعض، ولكننا لم نفترق". وانطلق هو لإكمال فكرته بأنه "في الواقع، من الممكن أن تكون الفكرة القومية لروسيا في الوقت الراهن هي إقامة اتحاد أوروآسيوي جديد في مجال الاتحاد السوفييتي السابق. وبطبيعة الحال فسوف يكون لدى هذا الاتحاد أسس أيديولوجية مغايرة تماما لما كان عليه الوضع في السابق، سواء في روسيا القيصرية أو الاتحاد السوفييتي".

آنذاك رفض بورودين إطلاق تسميات محددة على هذه الأسس، لأنها لا تتضمن إطلاقًا أي مكونات أو عناصر خاصة بما سماه بـ "التحزب الطبقي". وقال إن "هذه الأفكار التوحيدية قريبة بمسافات متساوية من جميع الناس: الموسرون وغير الموسرين، ورجال الأعمال، والطبقة العاملة، والفلاحون، والمثقفون، وأصحاب جميع الحرف الإبداعية". ولكنه من جهة أخرى ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك بهدف تجذير الفكرة نفسها ووضعها كمشروع قومي يتضمن عدة أفكار دفعة واحدة. إذ تطرق إلى شكل الفكرة القومية الروسية في ظل الحقب والعصور السياسية والاجتماعية والأيديولوجية المختلفة.

وقال إن "الإمبراطور نيقولاي الأول، وبمساعدة وزير المعارف أوفاروف، تمكن في زمنه من العثور عليها في صيغتها التالية: الملكية المطلقة، الأرثوذكسية السلافية، الطابع القومي. وظلت هذه الصيغة فعالة إلى أن بدأ يشكك فيها خصوم الحاكم المطلق الكثيرون في وقتها، أو بالأحرى في دقة الجزء الأول منها بالذات. وقد نجحوا في إقناع الشعب بأن الملكية المطلقة قد بدأت تأخذ طريقها إلى الانهيار، وبعد الملكية المطلقة تبعتها الأثوذكسية السلافية إلى نفس القاع، ومن ثم صارت المعابد التي دمرتها السلطة الجديدة في روسيا (الشيوعية) رمزًا لفقدان الفكرة القومية التي كانت تمثل عنصر قوة الدولة ورسوخها".

ورأي بورودين أنه في ظل تلك الظروف، مع بداية القرن العشرين "احتل الساسة مكانة رجال الدين، ونشروا بين الجماهير أفكار العدالة الاجتماعية والأخوة والمساواة. وظل الاتحاد السوفييتي قائمًا على هذه الأفكار أكثر من 70 عامًا. ولكن هذا (الحصن) انهار أيضا، واتضح أن الأفكار "الطيبة" الخاصة بالمساواة بدون حوافز اقتصادية مجرد آمال اجتماعية باطلة وخيالات لا تثير إلا الدهشة والعجب". هنا يعترف بورودين من وجهة نظره بكمية الأخطاء التي رآها سببا هاما في بعض مشكلات روسيا الحالية، فقال: "لقد ارتكبنا الكثير من الأخطاء خلال السنوات الأخيرة في غمار المعارك السياسية. والآن حان الوقت المناسب للتوقف عن كل ذلك، والتأمل وإصلاح الأخطاء".

بعد كل هذا التنظير التاريخي الخطير دخل سكرتير الاتحاد الروسي البلياروسي السابق إلى صلب فكرته القومية التي رآها مناسبة لروسيا الجديدة وظروفه، فقال: "إنني كإداري لا كسياسي إطلاقًا ينبغي أن أعلن بأننا لا نستفيد إطلاقًا من وضعنا الأوروآسيوي. فأراضي روسيا هي أقصر الطرق من أوروبا إلى جنوب شرق آسيا، ولا يوجد أي داع لنقل أي شيء عبر قناة السويس. غير أن هذا الممر القصير غير فعال.. لماذا؟! لأنه ببساطة غير موجود. ومن ثم ينبغي ببساطة أيضا بناؤه من (بريست) إلى (فلاديفستوك). يجب تعبيد طرق للسكك الحديدية، وطرق للسيارات، ومد أنابيب للنفط، وشبكات للكهرباء، وكل تلك الأمور الأخرى. هذه هي بالضبط الفكرة القومية لروسيا - أن تصبح أقصر ممر للنقل من أوروبا إلى آسيا".

وخلال تطرقه إلى جملة الفوائد التي يمكن أن تجنيها روسيا من هذه الفكرة، قال بورودين إن هذا الممر سيكون طريقا كاملا للحياة، وإحياء للاقتصاد الروسي. هذا الطريق سيحل مشكلة البطالة المستفحلة في روسيا، وسيعيد مساحات واسعة من الأراضي إلى الحياة، وسيعطي حافزًا لتنمية وتطوير الفروع والمجالات الأخرى مثل صناعة السيارات، والطاقة، وبناء الطرق والمساكن، والمجالات البنكية.. إلخ، وسوف يكف حكام الأقاليم الروسية عن امتصاص الأموال من وزارة المالية التابعة للمركز الفيدرالي، لأن هذا الممر سوف يمر عبر 42 إقليما روسيًّا، وهو ما يمثل استثمارات يقدر حجمها بمئات المليارات من الدولارات، وجباية الضرائب، والميزانية، والبرامج الاجتماعية. وهناك حلول أخرى ممكنة، وخاصة لمشكلات هجرة رؤوس الأموال بأشكال قانونية أو شبه قانونية. وعلى الدولة أن تعلن بأن رؤوس الأموال التي ستوضع في هذا المشروع الهائل سوف يتم إعفاؤها، وستكون أصولها بعيدة عن الشبهات.

ودعا بورودين مجددا إلى "براجماتية" من نوع جديد، مشيرا إلى أن "روسيا قوة عظمى ويجب أن يكون لديها خطط عظمى أيضا. وبالتالي فالفكرة الأوروآسيوية يمكنها هنا أن تصبح، ويجب أن تصبح الطريق نحو وحدة جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابقة". وفي مقارنة نظرية للغاية قال أيضا: "لقد تمكنت الدول الأوروبية في نهاية القرن العشرين من الاتحاد، واجتازت جميع الخلافات، بل واستعارت الخبرة السوفييتية لتطوير نظام التسليح والدفاع لديها. أما نحن، فعلى العكس، قمنا بغباء وحمق بهدم أنظمتنا والتخلص منها. إن الفكرة الأوروآسيوية اليوم هي المنقذ الوحيد لروسيا".

من الواضح أن روسيا الحالية، في عشرينيات القرن الحادي والعشرين، تعود بقوة إلى أفكار بورودين، وإلى كل الإداريين والفلاسفة القوميين الروس، بعد أن نجحت خلال السنوات الخمس عشرة الأولى من الألفية الثالثة في عمل تراكمات مالية واقتصادية وعسكرية يجب "تسييلها" واستخدامها عبر كل الطرق وبشتى الأساليب، خاصة في ظل صراعاتها مع القوى الرأسمالية الكبرى الأخرى في العالم. وبالتالي، ليس غريبا أن تقترح موسكو أيضا إقامة محطة لاستقبال شحنات النفط والغاز في منطقة قناة السويس. هذا على الأقل ما أعلنه الممثل التجاري لروسيا في القاهرة فيدور لوكاشين، بأن شركة "روس نفط" أعربت عن اهتمامها ببناء هذه المحطة. وقال "إننا في الوقت الراهن نعمل على مقترح لبناء محطة النفط والغاز في منطقة قناة السويس، ومن المقرر أن ينفذه الجانب الروسي من خلال شركة روس نفط... نحن نرغب في بناء محطة من النفط والغاز في منطقة قناة السويس، وحاليا نستعد للمفاوضات بين مكتب مبيعات الشركة هناك، وإدارة المنطقة الاقتصادية للسويس".

وأكد المسؤول الروسي أن البعثة التجارية الروسية في القاهرة تلقت في عام 2015، نحو 11 مقترحا من الجانب المصري (وزارة النفط المصرية) للتعاون في قطاع النفط والغاز، مؤكدا اهتمام مصر بإمدادها بالغاز الطبيعي المسال الروسي عبر "روس نفط" أو غيرها من شركات الطاقة الروسية. وبالفعل سلمت شركة "روس نفط" أولى شحنات الغاز الطبيعي المسال إلى مصر، وذلك من أصل 5 شحنات تم الاتفاق عليها. وذلك بتسهيلات في السداد تصل إلى 90 يوما.

من المعروف أن مصر قادرة على تصدير الغاز الطبيعي المسال، ولكن لا يمكنها استيراده دون تشغيل محطة لإعادة الغاز المسال إلى حالته الغازية، وبالتالي استأجرت القاهرة محطة عائمة لتحويل شحنات الغاز المسال المستورد إلى حالته الغازية من شركة "هوج" النرويجية. وفي عام 2016، تسلمت مصر بالفعل أول محطة عائمة من "هوج"، ما سمح لها ببدء استيراد شحنات الغاز الطبيعي المسال، ما يعني أن القاهرة منتبهة جيدا لتنويع مصادر وأهداف التعاون، لكي لا تقع في فخ تقلب العلاقات الدولية، أو أن يعتمد اقتصادها ومسارات الطاقة فيها على مصدر أو بديل واحد.

ولا شك في أن مصر لديها كل الطاقات الكامنة لتطوير اقتصادها في العديد من فروعه، ولكن يبدو أن هناك ضرورة لتسريع وتيرة استخدام كل الآليات والإمكانيات اللازمة لتطوير البنية التحتية للاقتصاد والطاقة، بالاعتماد بالدرجة الأولى على قواها الوطنية، لكي لا تقع ببساطة في فخ الاعتماد الكامل على طرف ما، أو تصبح هدفا لضغوط تؤثر على القرار السياسي والتوجهات الرئيسية للدولة نفسها.