loading...

مقالات

تضخيم لا يخدم قضايا حقوق الإنسان في مصر

تضخيم لا يخدم قضايا حقوق الإنسان في مصر


تعلمت من مهنتي في تصميم وإدارة وتقييم المشروعات الحقوقية والتنموية أن تحديد المشكلة تحديدا واضحا وتحديد الأهداف بدقة لا بد أن يسبق كل شيء. ماذا نواجه من تحديات وماذا نريد أن نحقق وكيف سنحقق ذلك؟ يقودني ذلك إلى السؤال التالي: ما المشكلة التي يواجهها تقرير "هيومان رايتس ووتش" الخاص بالتعذيب في مصر وماذا يريد أن يحقق؟! بالنسبة للمشكلة فيبدو أنها محددة سلفا ومعروفة بمختلف جوانبها القانونية والاجتماعية والسياسية، لكن إلى ماذا يفضي التقرير وماذا يريد أن يصل بنا؟ فهو محل شك ومحل مراجعة، لأن الصياغات تقودنا إلى أن منهجية التقرير اعتمدت التضخيم أسلوبا والتعميم منهجا فصار التعذيب مشكلة وطن بكامله، وهو تضخيم وتعميم يسقط المصداقية ويستحيل معه الحل! يسقط التقرير في فخ التسييس ويضعنا في معضلة كيف يمكن أن ندافع عن توصياته أو أن نعمل على التحقق من ادعاءاته وهو يبدأ صفحاته بعدم احترام إرادة ملايين المصريين الذين خرجوا في 30 يونيو مطالبين بعزل الرئيس الأسبق محمد مرسي، وطالبوا الجيش بتنفيذ مطلبهم.

الغريب أن نفس الفعل تم اتخاذه مع الرئيس مبارك، فالأخير لم يتنحَّ بإرادته، بل أرغم على التنحي بانحياز المجلس العسكري لإرادة الشعب. توصيف 30 يونيو بالانقلاب العسكري مقابل توصيف قرار 12 فبراير بتنحية مبارك بالانتصار الثوري هو نوع من التضليل ونوع من التزييف، الذي يخلق قناعة بأن التقرير لا يعبر إلا عن شريحة من المصريين تنتمي بشكل أو بآخر للتيار الراديكالي. وبتوصيفه لـ30 يونيو بالانقلاب العسكري فهو ينزع الشرعية عن قيادات الدولة الحالية ولا يعترف بهم ضمنيا، فكيف تدين وتريد محاسبة من لا تعترف بشرعيته. أندهش أن يفتتح التقرير صفحاته برسائل إلى كل من رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي، والنائب العام نبيل صادق، واللواء مجدي عبد الغفار وزير الداخلية، ثم البرلمان المصري. هؤلاء هم قيادات الدولة ورأس نظامها السياسي، فعلي أي أساس توجه لهم الرسائل وأنت غير معترف بشرعيتهم. كان من باب الحكمة والمصداقية الاعتراف بثورية 30 يونيو كإرادة شعبية، ومن ثم يحق لنا توجيه رسائل وتقديم توصيات لأركان النظام الذي تعترف به! تسييس التقرير بهذا التناقض الفج يسقط الكثير من قناعاته ويسقط معه مصداقيته وموضوعيته. الاطلاع على التقرير يعطينا الانطباع بأن كل المعارضين يتعرضون للتعذيب وكل المقبوض عليهم مظلومون وكل قيادات وأفراد جهاز الأمن الوطني يتخذون القسوة والعنف منهجا في تحقيقاتهم. التوصيف الدقيق للحالات التي يدعي أنها عانت من التعذيب يتسم بالسردية والتوصيف الدقيق بحيث تكون الصورة ضخمة واضحه وتخدم الغرض الخاص بالتضخيم في مقابل تقذيم أي فعل إيجابي تم اتخاذه للحد من هذه الانتهاكات. من تحليل الحالات الـ19 حالة التي يذكرها التقرير نجد أنهم تعرضوا لهذه الأشكال القاسية من التعذيب ولأيام طويلة، ثم يتم عرضها على النيابة أو يتم إطلاق سراحها، هكذا وببساطة ندرك أنه تم إخفاء الأصابات أو تم معالجتها سريعا حتى لا تطلع عليها النيابة. أستنكر أن يكون حجم الاصابات المبالغ في توصيفها يمكن علاجه في يوم أو اثنين قبل العرض على النيابة!! أو أنه يمكن إخفاؤها هكذا ببساطة عن أعين الجميع أثناء التحقيق أو حتى في حضور الأهل!! فكرة إخفاء الإصابات وعلاجها تنفي حجم التعذيب المذكور وأنواعه وأساليبه، فكلها أساليب تبقى آثارها لأزمنة ولا يتم علاجها بسهولة، وهذا ما أفهمه من التوصيف المبالغ فيه. لماذا أنا ضد هذه الصورة الفجة والمتضخمة لأشكال واتهامات التعذيب، وأطالب بتحري الدقة وأن يتم وضع الأمور في نصابها وحجمها الحقيقي؟... لأن تضخيم الصورة السوداء لا يعطينا بصيصا من الضوء نتلمس فيه أملا في تغيير مناهج التعذيب. لا يعطينا مساحة من الحوار مع السلطة لمحاسبة المخالفين منها، ولا يعطينا جسرا نتحدث من خلاله إلى المسئولين، ولا نعرف بعدها من سنحاسب ومن سنطلب منه أن يكون مسئولا طالما أن الجميع مدانون والجميع قتلة والجميع قساة القلوب!! قبل أن تتهم الجميع عليك أن تسأل نفسك إذا كان الجميع هكذا فلمن تتوجه بتوصياتك وحلولك!!

أتذكر قناة "الجزيرة" القطرية قبيل الغزو الأمريكي للعراق، وكيف أنها ضخمت كل شيء يحدث على الأرض. المشاهد كانت متضخمة وسريعة. الهزائم تتوالى والانسحابات تتسارع. وحدات الجيش العراقي تهرب أو تستسلم. الجيش الأمريكي يتقدم سريعا. العراقيون يستقبلون الغزاة بالزهور. لم نبالغ بالقول إن تضخيم الجزيرة للصورة الإعلامية وتسريعها أسقط العراق ليس فقط لصالح الجيش الأمريكي بل لصالح الفوضى العارمة. عندما نتأمل صورة الجزيرة المتضخمة سنفهم حينها خسارة أكثر من نصف مليون عراقي لأرواحهم ليس دفاعا عن وطنهم الغالي، لكن ثمنا لتضخيم الأحداث وتزييفها. نفس المشهد تكرر مرة ثانية أثناء ثورات تونس ومصر وليبيا وسوريا. نفس سيناريو الصورة التي يتم تضخيمها ليس لصالح شعوبها وليس لصالح أوطانها لكن لصالح أهداف فوضوية لا يدفع ثمنها غير الأبرياء. أثناء ثورة الخامس والعشرين من يناير بمصرنا الحبيبة كنت شاهدا على أحداثها اليومية، وعندما أطالعها على شاشات الجزيرة كنت أرى أن السيارة المحترقة يتم ترجمتها إلى عشرات وسقوط شهيد يتم ترجمته لسقوط آلاف الضحايا، عندها أيقنت أن هناك شيئا غير صالح، شيئا يتسم بالظلام وأن الشر يحاك لمجتمعنا، وبالمثل التقرير يعطيني هذه الصورة. زاوية أخرى من التقرير وهو التأثير النفسي على قارئ التقرير فهو يخالف ما نريد تحقيقه من التقرير.

فتوصيف حالات التعذيب –كأن كاتب التقرير يتلذذ بتوصيفاته في مشهد من مشاهد أفلام الجاسوسية أيام النازي– هذا التوصيف يخلق شعورا بالخوف من النظام العنيف ولا يعطينا دافعا لإصلاحه بل يغرس فينا الاستعداد للاعتراف على أنفسنا بارتكاب جرائم لم نرتكبها خوفا من الصورة الذهنية التي ترسخت في أذهاننا بسبب التوصيفات التفصيلية لحالات التعذيب، التي تم تضخيمها بصورة غير موضوعية. يذكرني ذلك بتحذيرات الدكتور عبد الوهاب المسيري في كتابه "بروتوكولات حكماء صهيون"، عندما يقول إن تضخيم الخوف من الصهيونية وقدرتها على الوصول إلى كل معارضي إسرائيل والقضاء عليهم أينما وجدوا يؤدي بنا إلى الهزيمة قبل أن تبدأ الحرب ويخلق فينا شعورا بالخوف الدائم منها. فهل هذا ما تريده هيومان رايتس ووتش من تقريرها.

زرع الخوف في قلوبنا من النظام الأمني فلا نتعامل معه ونخشاه، ومع أول قلم نعترف حتى لا نقع تحت آلات التعذيب التي يتفنن التقرير في توصيفها!! لقد استند التقرير إلى توصيف 19 حالة تعرضوا للتعذيب، ثم قام بتعميم الفعل لتوصيف مصر كلها على أنها في تعذيب، لكن التقرير يذكر على مضض أن 6 حالات من الشرطة تمت إحالتهم للمحكمة بتهم تتعلق بانتهاك حقوق المقبوض عليهم أو السجناء، وفي جملة أخيرة يذكر أن قطاع التفتيش بوزارة الداخلية قام بجهد ممتاز في إحالة 20 ضابطا وفرد أمن للاحتياط في النصف الأول من عام 2016 بسبب انتهاكاتهم الحقوقية. رغم أن هذا جهد حسن لكن التقرير يذكره عابرا ولا يعتمده نقطة إيجابية يمكن البناء عليها.

ختاما يوجد ضعف في حالة حقوق الإنسان في مصر ويوجد ضعف في آليات المساءلة، لكن وضع الأمور في نصابها الحقيقي سيجعلنا نضع حلولا وطنية ناجعة لها. أخيرا وليس آخرا أعرف أن الكتابة هنا وفي هذا الموضوع وفي مواجهة منظمة مثل هيومان رايتس ووتش مثل السير على الأشواك، لكني اتخذت منذ زمن النقد الذاتي أداة لتطوير قناعاتنا الحقوقية، وآمنت بالحوار كوسيلة لتحقيق الأهداف التي تتلخص في حياة كريمة لجميع أفراد مجتمعي. فلتكن تقاريرنا الحقوقية مساهمة في بناء مجتمع كريم ولا تكن وسيلة لهدم ما هو قائم منها.

اقرأ أيضا:

ولاء جاد الكريم يكتب ردا على تقرير «هيومن رايتس ووتش»: ما بين نهري جنون المكايدة والتزلف