loading...

مقالات

صورة عائلية

صورة عائلية


تلك الصورة التي أحبها للعائلة، التي لم تجتمع مرة أخرى فى صورة، ولم تفكر أصلا فى أن تخلق صدفة كالصدفة الموجودة فى هذه الصورة. يبدو أن البدايات تخلِّد تلك الأيقونات، كصورة العائلة، وهو الشىء الواقعي، ففي البدايات يكون الجميع لاهين عن الموت أو لا يضعونه أساسا فى حساب سنواتهم القادمة.

تلك الصورة العائلية التي لم أكن موجودا بها، فلم أكن وقتها قد ولدت بعد. كنت لا أزال أمنية يمكن أن تتحقق أو لا تتحقق، قابلا للوجود وعدمه معا. ربما فكرة "العائلة"، بالنسبة لي تعني غيابي الشخصي عن صورتها، أن أنظر إليها من بعيد وأتأملها من زمن آخر كنت فيه قابلا للوجود والعدم معا.

لا أعرف سحر هذه الصورة التى كانت موضوعة في غرفة نوم أبي وأمي، فوق دولاب الأحذية الأنيق، المصنوع من خشب الزان، داخل برواز زجاجى مثبت فى قاعدة معدنية، ويحوطها كرة معدنية من ناحية، ومن الناحية الأخرى كلب من النحاس المجنزر، شبيه بأنوبيس الذى يحرس ويرشد أرواح الموتى فى الآخرة، كما تقول لنا الحضارة الفرعونية.

صورة عائلية

زمن الصورة بالتحديد، فى منتصف الخمسينيات. أبى عن اليمين وأمى عن اليسار وإخوتي فى المقدمة. يضع أبي يده اليمنى على كتف أخي الأصغر، وقتها. بينما أمي تريح أصابع يدها اليمنى على كتف أخي الأكبر. بينما أمي تشبك يدها اليسرى بذراع أبى اليمنى، فى المنتصف تماما، لتكمل خيوط الصورة وتلامساتها. لم يبق إلا أن يتلامس الأخان لتكون هناك دائرة مغلقة تجمع هذه العائلة غير دائرة الدم والنسب، ولكن هذه التلامسات لم تكتمل بسبب عدم انتباهما، وعدم إدراكهما لمعنى التلامس، وقتها. تلك الفجوة التى تنبثق فى النسيج الحي لأي عائلة، ويسعى الجميع بعدها إلى أن يملأوها.

هذا التلامس الذي يبدو فى الصورة التي أُخذت تقريبا بعد أربع أو خمس سنوات من زواجهما لم يتغير، بل أخذ أشكالا غير مادية. الاثنان كان عندهما هذا الجانب العاطفي والشجن الشخصي فى شخصيتهما الذي يسمح بالتسامح، والبكاء، والعناق بدون عناق. هناك نقطة تراجع مستمرة، كانت بادية منذ اللحظة الأولى، أو السنوات الخمس الأولى. عادة كانت أمى هى المبادرة دائما بإعادة وإشعال زيت قنديل التسامح، وسرعان ما يستجيب أبي، وإن كان بعد عدة أيام من أوقات الخلاف، كان زيت قنديله يستيقظ متأخرا قليلا، في مواجهة "أناه" العنيدة، ليضيء جوانب نفسه الشجية المشحونة بالدموع.

للمرة الأولى والأخيرة بالطبع، أشاهد أمي تضع طلاء الأظافر ذا اللون الأحمر القاني كما يظهر في الصورة، وأيضا أحمر الشفاه، وهى حالة نادرة جدا لم أرها أبدا فى رحلتي التى رافقت هذه العائلة. كانت أمي مقتصدة تماما فى إظهار مثل هذا النوع من الجمال، لا تفكر فيه من الأساس، وربما أنا جئت فى نهايات هذه المرحلة فى حياتها بعد عشر سنوات من زواجهما، كان وهج البدايات قد تحول.

أبي، فى الصورة، يضع يده اليسرى خلف ظهره، مثل يد تمثال فينوس المفقودة، التي تعتبر أحد أسباب الإحساس باكتمال نسب الجمال لهذا التمثال. اليد دائما تشكل مشكلة فى الصورة والحياة معًا، لا نجد المكان الذى ندسهما فيه في اللحظات الطويلة التى ليس فيها مصافحة أو تلامس أو احتضان. عندها تدخل اليد فى مهام الحياة اليومية الملول، تتحول إلى جناح عاطل.

ولكن أيضا هناك شىء آخر لهذه اليد المخفية وراء ظهر أبي. هناك سبب اضطراري جعله يخفي يده اليسرى للخلف، كمن يخبئ مفاجأة يجهزها للقادم. هذه المفاجأة كانت في  أصابع يده اليسرى القزمية، أصابع طفولية لم تنم عُقلها كأصابع يده اليمنى. ظلت أصابعها صغيرة طوال عمره وغير مكتملة النمو، وربما هى الأثر الباقي من هذه الطفولة وروحها التى ظلت معه حتى النهاية. بسبب هذه الأصابع الطفولية لم يلبس أبى خاتم زواج ولم يستبدل اليد اليمنى به، كما يحدث عادة. بل ظل هذا الخاتم مرفوعا من الخدمة منذ البداية، وظلت هذه اليد سادرة فى طفولتها لم تكتسب أثر هذا الخط الدائرى الذي يحفره خاتم الزواج الذهبي فى أصابعنا. حتى لو نزعناه يوما، ظل هذا الأثر الدائري علامة على سنوات أثمن بكثير من مادة الذهب نفسها.

يبدو أن العائلة، فى الصورة، فى أحد الشواطئ، فى أحد أيام الصيف بالإسكندرية، حيث رمز العائلة لا يتبلور إلا فى المكان الأكثر قدما وأهمية وقوة، أمام البحر، أو بالقرب منه. تنظر أمي بقوة لعين العدسة، لتواجهنا هنا فى الحاضر ونحن ننظر إليها الآن؛ بهذه النظرة الموصولة الودود التى لم تتخل عنها حتى النهاية. أما أبي فينظر في انحراف بعيدا عن العدسة، لأنه كان يعرف كيف يمثل وينظر للكاميرا بزاوية وبشكل غير مباشر. الخلود، بالنسبة له، ولكل من يسعى إليه، عبارة عن انحراف قليل عن البؤرة وليس تجاهلها تماما. إظهار الانشغال بعدم الانشغال بهذا المركز. كأنه يحدق في هذا الفضاء النفسي الحالم والمتأمل بداخله، وأعتقد أن أبي كان يود أن يجعل هذا الفضاء النفسي الحالم يصاحبه فى الظهور فى الصورة، وفي أي صورة تخلد "أناه".

مضى على هذه الصورة حوالى 62 عاما تقريبا، ولا تزال نظرة أمي، المواجهة للحاضر، ترسل هذه المحبة من العالم الأثيرى الذي انتقلت إليه.  
يد أمى اليسرى الخجول، التى تجرأت فى الصورة لتخرج وتحوط ذراع أبي؛ تمسك بمنديل. أعرف جيدا هذا المنديل، الذى كانت تصحبه فى حقيبة اليد. شىء تتمسك به ويمنحها بعض الثقة، أو يمتص قليلا خجل اليد، وكسوفها اللذين كانت تشتهر بهما وسط عائلتها. هذا المنديل الأبيض المشغول على جوانبه بتطريز لورود وأوراق شجر صغيرة، كان يقوم بهذا العمل، برغم بساطته ومادته اللينة. كأنك تضغط على يد أبيك، وأنت صغير، لو واجهك موقف محرج. هذه الضغطة القوية هى مقدار انزياح النفس لحظة المواجهة، أو مقدار الإحساس بضغطة الخجل ورغبة التمسك بأي قشة نجاة طافية.

يدا أبى وأمي، خجولتان، باختلاف الأسباب، وهذا ربما يشرح إحدى الصفات الأصيلة فى كل منهما التى جمعتهما سويا، بجانب قنديل التسامح، وبجانب تلك الآية التي كان يرددها أبي باستمرار ليثبت لنفسه حقا ربما كان يشك في أنه يستحقه "الطيبون للطيبات".

أستغرب جدا فى هذه الصورة العائلية هذا الجزء من قميص أبي الذى يخرج من البنطلون. أعتقد أنه لم يأخذ باله وقتها، وربما جهز نفسه للصورة على عجل، ولم يلحق إلا ليضبط نظرته. لأن طبيعته أن يجعل كل شىء منظما. يبدو أن يد أمي وهى تحاول أن تتسلل من الخلف وتشتبك بذراعه، أخرجت طرف القميص، ولم يجد أبى بُدًّا من أن يترك ما حدث بدون إصلاح، فزمن الصورة والتقاطها قد حان. ولكن أعتقد أنه كان يفكر دائما، عند رؤيته للصورة فيما بعد آلاف المرات، فى هذا العيب الذي ود ولو لم يكن موجودا.

توازي ذراعي أبي وأمي اليمين، صنع إيقاعا. خطان متوازيان يخرجان عن الخطوط المستقيمة الطولية للأجساد الأربعة. سيُقرأ هذا الميل الواضح، هذا الخروج الإرادى، كجملة موسيقية لم تكتمل، كرقصة جانبية خارج أى نظام يبحث عن الخلود.

كنت أحب في طفولتي أن أسرِّح شعر أمي، كلما وجدت وقتا فارغا أثناء فترات المرض. كنت أقوم بدور الكوافير وهى مستسلمة تماما لأصابعي، كي تمنحني هذا الدواء الترفيهي ليعجل بالشفاء. كانت أمي تذهب للكوافير فى المناسبات الهامة فقط وربما تفوتها أيضا، كانت تملك شعرا ناعما كثيفا، وأيضا تخجل من أن يلمس أحد الرجال الأغراب هذا الجزء الحميم من جسمها.

بينما شعر أبى كان خفيفا به صلعة في الخلف. عاصرتُ هذه الصلعة منذ البداية وحتى وفاته، وخشيت كثيرا أن تصل إلى رأسي. كان يرسِّم "الفرق" بوضوح في الربع الأول من الرأس، يسحبه كخط جيري أبيض بمشط له سنون رفيعة ويسرِّح باقي الشعر للخلف حتى يخفي هذه الصلعة.
هذه الجبهة العريضة لأبي انتقلت لنا، أنا وأخي الأوسط، بعنادها وحماسها ومناطحتها للصخر وطموحها. 

هذا القميص المفتوح لأبي، لا يشي بالانطلاق، ولا بشاب متحمس من شباب ثورة يوليو التي مر عليها سنوات ثلاث فى وقتها. ورغم أن أبي من طبقة اجتماعية متوسطة، لم تتأذ من هذه الثورة، فإنه قد كان يرفض هذه الثورة وقائدها. ولكن اللون الأبيض، أو البيج الفاتح، كان أحد ألوانه المفضلة، التى يتحدى بها حر الصيف. كان هناك أكثر من حذاء أبيض، في دولاب الأحذية، وله ورنيش وفرشاة مخصوصان لدهانه. الأناقة كان لها إطار أبيض ربما يرجع لبذلات وأحذية عبد الوهاب وجيله. 

البلوزة البيضاء المغلقة لأمي حتى العنق، ربما إحدى الموضات، وربما بسبب أنها كانت تخشى الهواء دائما حتى فى الصيف. تشعر بالبرد كأنه جزء من ميراثها الشخصي. ولكن أيضا لا تعني الانغلاق أو التزمت مثل أغلب الذين يغلقون هذا الزرار الأخير حول الرقبة. فقد كانت هذه الأفكار، التحرر والانغلاق، لا ترد على بالها أصلا. ربما كانت ترد على بالها فكرتان أساسيتان: النجاح فى هذه الحياة أو الفشل. وأعتقد أنها استبعدت تماما منذ البداية فكرة الفشل، فلم يكن أمامها إلا النجاح مهما كانت، وأعتقد أنها تستمتع الآن بفاكهة هذه الحياة التى قاومت من أجل استمرارها وزرعت فيها كل هذه المحبة المثمرة.

يبدو في يمين الصورة أخي الأوسط، وهو يبكي. ربما لم يكن يريد أن تؤخذ له صورة، أو لا يعرف بعد ما هي الكاميرا وكيف ينظر للمستقبل من خلالها، ودخل فيها عنوة بدون ترتيب أو استعداد. بينما أخى الأكبر، فيما بعد، ينظر لها بوضوح كونها تلفت نظره. نظرة أخي الأكبر التى تنظر للمستقبل الممثل فى عدسة الكاميرا، ستعشق، وتكتسي، فى المراهقة، وحتى وفاته، من سنتين؛ بعذابات فريد الأطرش وتشاؤمه وهو يغني "عدت يا يوم مولدي/ عدت يا أيها الشقي/ ليت يا يوم مولدي/ كنت يوما بلا غد".

كم أحببت هذه العائلة قبل أن أصبح عضوا فيها. ولدت بعد هذه الصورة بخمس سنوات. بالفعل كنت ما زلت سابحا في المستقبل الذى تنظر إليه أمي فى عدسة الكاميرا، كأنى أنا من كان يقوم بمهمة التصوير ويشغل مكان مستقبل هذه العائلة، ليلتقط لها هذه الصورة العائلية الخالدة. تلك العائلة التي لم يبق منها سواي، وأخي الأوسط، الذى كان ينظر بعيدا ولا يعبأ بالكاميرا المصوبة نحوه.

أعتذر "لحياتنا معًا" على نشري لهذه الصورة الخاصة. ولكني، الآن، أجد لي الحق في هذا، فقد تحولت هذه العائلة إلي ميراث جماعي، يجب أن يستمر. نسبة من ذهبوا منها أكثر من نسبة الباقين. لذا يحوم حول الصورة خلود لا راد له. لا أفهم الآن، بعد أن تحول المستقبل إلى حاضر، أو ماض أحيانا؛ معنى للحياة الخاصة بدون أن نشرك الآخرين فيها. ربما هذه الصورة تحفظ هذه الحياة من النسيان.