loading...

مقالات

أسبوع الإلهاء

أسبوع الإلهاء


يمكننا أن نطلق عليه أسبوع الإلهاء العظيم، أسبوع كرة القدم وتصفيات كأس العالم، فمثل الملايين غيري كنت في قمة الإلهاء وأنا أنتظر المباراة بيننا وبين أوغندا التي ستحسم تأهل المنتخب لكأس العالم، ثم تبين بعد ذلك أنها ليست حاسمة كما كنت أتصور، وأن المنتخب المصري بسبب تخاذله وهزيمته في المباراة السابقة قد أدخلنا في حسبة برما كالعادة، وهكذا كان الإلهاء تاما فلم ننتبه لما يدور في العالم، ولا ما يقع من أحداث على أرض مصر. 
على سبيل المثال لم نتوقف عند خبر إيقاف سويسرا التحقيق في مصير أموال مبارك وأولاده، لقد صرخنا طويلا عن حاجتنا لهذه الأموال التي هي من حق الشعب والتي سرقت منه بسبب الحكم المطلق وعجز أجهزة الرقابة، ومنذ قيام الثورة على مبارك وقد تعاقبت على الحكم العديد من الحكومات، كل واحدة منها تؤكد أنها لن تتهاون أو تتقاعس عن استرداد هذه الأموال، ولكنها لا تفعل شيئا، لا تقدم طلبا رسميا، ولا تكلف متخصصا في هذا الشأن، كأن هناك نوعا من التواطؤ الخفي على إبقاء هذه الأموال مجمدة في الخارج، ولأن أهل سويسرا ناس دوغري فقد بادروا من تلقاء أنفسهم بإرسال وفد قانوني ليرشدنا إلى الوسائل القانونية اللازمة لاسترداد هذه الأموال، ولكننا لم نهتم، استمعنا لهم دون مبالاة ولم نقم بأي رد فعل، وكان رد سويسرا واضحا، أوقفت أي نوع من التعاون القانوني معنا، بعد ذلك لا نعرف ماذا سيكون مصير هذه الأموال، هل ستعاد للسيد مبارك بعد أن أثبتت المحاكم المصرية براءته من كل التهم، حتى من قتل المتظاهرين، وأصبح فجأة رئيسا نقيا مكافحا وكل هذه الأموال من حقه، أم أن سويسرا ستستولى عليها بحجة أنها بلا صاحب ولا مطالب؟! 
عموما علينا أن ندفع ثمن خيبتنا القوية.  

إلهاء المباراة لم يجعلنا ننتبه إلى ما يحدث لإخوتنا في الوطن، أهل النوبة الكرام، الذين اكتفوا وضاقوا وملّوا من كثرة الوعود التي لا تنفذ، لقد فقدوا أراضيهم وقراهم القديمة عندما تم بناء السد العالي، وتم نقلهم إلى أماكن قاحلة، عسيرة التربة شحيحة الماء، لم يرتاحوا فيها رغم طول السنين، لم يستطيعوا أن يزرعوها أو يعمروها وهذه خسارة كبيرة لنا ولهم، وخسارة عظمى لاستقرار هذا الوطن، لقد وعدتهم الحكومات بالعودة إلى قطعة من الأرض قريبة من أرضهم القديمة، يمكن زراعتها، ولكنهم فوجئوا أنهم خارج حسابات الدولة، الأرض التي وعدوا بها أصبحت مطروحة للبيع، متاحة لم يدفع أكثر بلا مبالاة بحقوقهم أو بأحلامهم، تسببت رغبة بعض المسئولين الحكوميين في جني بعض الأموال في حرمانهم من الأرض البديلة التي كانوا يطمحون فيها، لقد أخرجنا أهالي النوبة الودعاء عن طباعهم، أحبطنا بعد أن استسلموا للدولة وصدقوها وأجلوا مطالبهم الأساسية في انتظار انتهاء الظروف المضطربة، صدقوا الدستور الجديد الذي أكد حقهم وطالب الدولة بإعادة توطينهم في أرضهم الجديدة في ظرف عشر سنوات، ولكن الدولة ما إن أفاقت قليلا حتى أنشبت أظافرها في لحمهم، وأخذت جزءا كبيرا من هذه الأرض لتصبح أراضي عسكرية، ثم ضمتها لمشروع المليون ونصف المليون فدان وطرحتها للبيع، لذلك قرروا أن يتخلوا عن انتظارهم الطويل وأن يتحركوا نحو أرضهم، نهض الشباب في 44 قرية وكوَّنوا مسيرة للعودة، سلمية كالعهد بهم، ساروا في الصحراء الخالية، ولكن قوات الأمن كانت لهم بالمرصاد، لم توقفهم فقط ولكنها قست عليهم، ضربتهم وقبضت على عدد من شبابهم، وهكذا تم إشعال الأزمة بالمزيد من الوقود الأمني.

آخر أمور الإلهاء وأخطرها هو ذلك التقرير المفزع الذي أصدرته منظمة العفو الدولية حول وقائع التعذيب داخل سجون مصر، تقرير لا يمكن التغاضي عنه أو إنكار ما فيه بسهولة، فهذه منظمة دولية ذات مصداقية عالية، يحترم العالم تقاريرها ويضعها في اعتباره، خاصة وأن سمعتنا في مجال حقوق الإنسان ليست جيدة، فقد منعت الولايات المتحدة جزءا من المعونات التي تقدمها لمصر للسبب ذاته، وأيد هذا التقرير أيضا لجنة مناهضة التعذيب التابعة للأمم المتحدة وكررت التهم نفسها وطالبت بمعاقبة المسئولين عن التعذيب، ثلاث ضربات في رأس واحدة جعلت مصر في موقف لا تحسد عليه، وقد اعتمدت منظمة العفو الدولية في إعداد تقريرها على لقاءات مطولة مع عدد من السجناء السابقين وشهادات المحامين العاملين في هذا المجال، وتأكدت من مصارها الخاصة من دقة هذه الوقائع، رغم أنها تحدث خلف الجدران الصماء للسجون، ورغم خطورة التقرير فقد تعاملت مصر معه بالإنكار المعتاد، ووجهت تهم الانحياز والتآمر لهذه المنظمة بدلا من التحقق من الوقائع، لقد اكتفينا ببيان من عدة سطور أصدرته وزارة الخارجية، وهي التي لم يوجه لها أي اتهام، تنفي فيه كل ما ورد في التقرير، بل وتتهمه أيضا بالتحريض على العنف، وكان الأجدر بنا أن نرد بشكل عملي وليس بمجرد كلمات، أن نحقق في وقائع العنف والتعذيب بجدية وأن نحاسب المسئولين عنها مهما بلغت رتبهم، وأن يتم تأليف لجنة تحقيق مستقلة تضم شخصيات معروفة للتحقيق فيما جاء بالتقرير ويتم نشره في مؤتمر صحفي عالمي، ولكنهم بدلا من ذلك قاموا بإغلاق الموقع الإلكتروني الخاص بالمنظمة، كأن إغلاق النوافذ كفيل بإنكار وجود الشمس، وكان الأجدر بمجلس النواب أن يتخلى ولو مرة عن تأييده الأعمى للسلطة وأن يمارس دوره الحقيقي في تقديم استجواب يطالب بتوضيح ما فيه من وقائع، بدلا من شجب التقرير دون أي تحقق، وكان الأجدر بالمجلس القومي لحقوق الإنسان أن يتخلى عن سلبيته القاتلة وأن يفعل شيئا بدلا من هذا الشلل الذي أصابه، كل هؤلاء كانوا مطالبين بالدفاع عن سمعة مصر وإظهار وجهها الإنساني، فإخفاء الجرائم لن ينكر وجودها ولكن الكشف عنها ومعاقبة المسئولين عنها هو طريق التطهير، الحل هو المواجهة وليس الإلهاء.

هل هناك مجال بعد ذلك للتحدث عن المباراة التي سببت كل هذا الإلهاء؟ يكفي القول بأنها كانت مباراة مرعبة، جعلت كل البيوت في مصر تترك شاشة التليفزيون وتتوجه إلى السماء بالدعاء، كنا في أمس الحاجة للفوز حتى نبقي على حظوظنا في التأهل لكأس العالم، تلك المسابقة العسيرة علينا، ورغم أن المنتخب سجل هدفا مبكرا فإنه انهار بعد ذلك، بدا حائرا ومرهقا لا يستطيع التحكم في سير المباراة، وبدلا من أن يدعم هدفه الوحيد أخذ لاعبوه يتبارون في إضاعة الأهداف، النتيجة أننا فزنا بالمباراة ولكننا حصلنا على منتخب ضعيف، يمكن أن ينكشف أمام أي منتخب على شيء من القوة، هل يمكن أن نصل إلى كأس العالم وهذا الفريق يمثلنا، وهذا المدرب العجوز يقوده؟ 
أشك في ذلك.