loading...

رياضة مصرية

أسامة خليل يكتب: المليون ونصف المليون الذي أفسد فرحة المصريين بكأس العالم

أسامة خليل يكتب: المليون ونصف المليون الذي أفسد فرحة المصريين بكأس العالم


السعادة والفرحة والبهجة والارتياح والرضا، هي أحاسيس جميلة وممتعة ومريحة للنفس ومهدئة للأعصاب.. مشاعر وأحاسيس لا تباع ولا تشترى ولا تتوفر في الأسواق.

وصعودنا لمونديال روسيا بعد غياب ٢٨ عاما عن كأس العالم، هو واحد من تلك الأحداث والإنجازات، نادرة التكرار التي تجمعنا في فرحة جماعية وسعادة وجوبية دون أن ندفع فيها مليما واحدا، وما أجمل وأحلى وأروع وأمتع وأبدع أن تخرج السعادة من رحم الأزمة والاكتئاب والضيق والحزن! فالشباب اللطيف الذي ظهر في المدرجات وهو يبكي بعد هدف التعادل للكونغو لم يكن وحده الذي يبكي، فالملايين الذين جلسوا في منازلهم أو أمام الشاشات في المقاهي والميادين العامة والساحات لم تنزل دموعهم ولكن بكت قلوبهم من ضياع حلم السعادة والفرحة، قبل أن يكون حلم الوصول للمونديال. فالسعادة في هذه الأيام باتت حلما وأملا وطموحًا، يبحث الناس عنه ولو للحظات تخطفهم، يعودون من همهم وحزنهم وكآبتهم.

وعن نفسي كان حزني حزنين، الأول -مثل الملايين- على ضياع حلم السعادة والفرحة، والثاني خوفا على الإحباط الذي سيصيب بنتي الاثنتين. واللتان ذهبتا مع زملائهما في الجامعة إلى الاستاد مثل آلاف الشباب والشابات، وكلهم تفاؤل وأمل وارتباط بتحقيق الحلم، وأنهم الجيل الذي سيشهد على صعود مصر للمونديال للمرة الثالثة في تاريخها، كيف ستكون حالتهم وهم عائدون من الإسكندرية إلى القاهرة محبطين منكسرين؟ وما الأثر الذي ستتركه هذه المباراة فى حياتهم؟ وكيف سيتشككون في الارتباط بأي حلم أو طموح جماعي لوطنهم؟

في استاد برج العرب كان الله موجودا، كان الله معنا.. يسمع قلوبنا التي توقفت من شدة الحزن وأفواهنا التي تتمتم بـ«لا حول ولا قوة إلا بالله».. ثم حناجرنا التي هتفت في الاستاد والمقاهي والساحات والبيوت في نفَس واحد، وفي أماكن شاسعة ومتباعدة وهي تقول يا رب.. يا رب.. فاستجاب لهم ربهم، وأحرز محمد صلاح، أيقونة شباب هذا الوطن، هدف الفوز من ضربة جزاء في الدقيقة الأخيرة من الوقت بدل الضائع. 

s

يا الله!.. مع هذه النعمة المفرطة والسعادة المتفجرة والفرحة الغامرة التي منحنا إياها في وقت لا يفرج فيه الضيق إلا معجزة من الله.. هذه هي السعادة، وتلك هي الفرحة التي لا تباع ولا تشرى ولا يوجد منها في الأسواق.

وأنا أشارك في تسجيل هذا الحدث الكروي التاريخي والمذهل، أريد أن أتوقف هنا: 

أكان لا بد من هذه العكننة؟

غريب أمر هذا الشعب، ففي عز فرحته ونشوته وسعادته ورقصه على الأغاني توقف فجأة وقرر أن يُعمل عقله ويفكر ويتفق ويختلف ويناقش ويجادل، عندما ظهر شريط الأنباء العاجلة على شاشة التليفزيون يعلن أن الرئيس عبد الفتاح السيسي قرر منح مليون ونصف المليون جنيه لكل لاعب في المنتخب الوطني، ولم أفهم هل الصدمة في أن المكافأة المجزية جاءت من الرئيس السيسي الذي يأمرهم بربط الحزام على بطونهم ويدعوهم لتحمل الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد حتى تتعافى من وعكتها الاقتصادية؟ أم من الحكومة التي تكويهم بارتفاع أسعار الكهرباء والبنزين والسولار والخدمات ثم تخرج هذه المكافأة من ميزانيتها؟ أم أنهم انقلبوا بين طرفة عين وانتباهتها من سماع قيمة المكافأة إلى حاقدين حاسدين ناقمين على اللاعبين الذين حققوا لهم سعادة لا تقدر بثمن؟ 

حتى لا نظلم أحدا، فالأكيد أن الناس بالفعل مرهقة وتعبانة من عبء تكاليف الحياة، وسعادتها دائما ما تكون لحظية يأكلها التفكير في مصاريف المدارس والمدرسين والكهرباء والمواصلات، لذا جاء انقلابها سريعا ولها في ذلك مليون عذر. 

أما الرئيس فطبيعي ومنطقي أن يكافئ من أسعد هؤلاء الملايين مجتمعةً في لحظة واحدة وألا يتجاهل إنجاز من ينجز ويحسن عمله، وبالمناسبة الرقم الذي تم رصده لا يمثل شيئا في ميزانية الدولة، من هنا لم أفهم هذا الرعب الذي ظهر على بعض المسئولين، ومنهم وزير الشباب والرياضة خالد عبد العزيز الذي بدلا من أن يؤكد حق المنجز في مكافأته وتقديره ليكون قدوة بأن الوطن يكافئ من يعمل ويجتهد خرج يقول: إن الموازنة العامة للدولة لن تتحمل مكافآت لاعبي المنتخب، مضيفًا: "هناك لوائح وضعت منذ فترة طويلة تخص التصفيات والمكافآت". 

وأوضح في تصريحاته عبر قناة «صدى البلد» صباح اليوم الثلاثاء: «اتحاد الكرة لديه رعاة والحقوق وصلت إلى ما يزيد على 400 مليون جنيه، بجانب أموال ستأتي من فيفا قد تصل إلى 12 مليون دولار». وأكمل خالد عبد العزيز: «الموازنة العامة للدولة لن تتحمل تلك المكافآت، اتحاد الكرة له مصادره، وهناك رجال أعمال يمنحون اللاعبين أموالا، هم أحرار وهذا يحدث دائما، ولن نمنع الخير عن أحد». 

وأنهى وزير الرياضة حديثه قائلا: «في ميزانية الدولة مكافآت تخص البطولات الإفريقية والعالمية، ومن حق الوزير أن يمنح مكافآت خارج اللائحة، لكن منتخب مصر لا يحصل على أموال من الدولة».

وهو كلام مهم وحساس، يحتاج إلى تفسير واضح، فما يقوله يعني أن القرار أو البيان الذي صدر منسوبا لرئيس الجمهورية كان هدفه الإعلان عن المكافأة التي سيمنحها اتحاد الكرة ورجال الأعمال للاعبين وليس المكافأة التي رصدها الرئيس للمنتخب، ومقام رئيس الجمهورية وقدره وكلمته أكبر بكثير مما يقوله الوزير أو ما قاله المهندس هاني أبو ريدة رئيس اتحاد الكرة (وهو واحد من الصناع الحقيقيين لهذا الإنجاز العظيم) هو الآخر في تصريحات تليفزيونية لقناة «أون سبورت» هل تتخيل أن السيسي سيدفع هذا الأمر من ميزانية الدولة؟ هذا الأمر ليس له أي أساس من الصحة على الإطلاق.

ونفهم من ذلك كله أن الرئيس لم يأمر بالمكافآت من الأساس وأن الخبر الذي نشر على أغلب الفضائيات والصحف غير صحيح، وهو أمر يحتاج إلى تحقيق موسع من الهيئة الوطنية للإعلام، فكيف يُنشر خبرٌ يثير هذه البلبلة وينسب إلى رئيس الجمهورية؟! 

وربما يكون هناك قرار اتخذ وتم التراجع عنه بعد الشعور باستياء الجماهير، وعن نفسي أرى أن القرار لو اتخذ فهو قرار سليم. 

الخلاصة أن هذه البلبلة خطفتنا من سعادتنا ودفعتنا إلى الجدل والشد والجذب في وقت فرحتنا. 

أيقونة جيل

سيقف التاريخ كثيرًا أمام اللاعب محمد صلاح، فإلى جانب إنجازه الكبير في قيادة المنتخب بجسارة للوصول إلى المونديال فإنه ظهر في وقت صعب، حيث «قحطت» المواهب في ملاعبنا وحالةُ الإحباط التي يعيشها المجتمع بسبب ظروف اقتصادية طاحنة ليس لأحد يد فيها، بل هي تراكم سنوات من الفساد والكسل والمحسوبية وغياب قيمة العمل والاجتهاد والانفصال الاجتماعي بين الأجيال والتباعد الشاسع بين الطبقات، ويأتي محمد صلاح شعاع نور لشاب أعطاه الله الموهبة، فلم يهدرها في الدلع والمسخرة والاستهتار بل كلما ازدادت نجومية زاد تواضعًا وخشيةً وتعمق ارتباطه بأهله وناسه وقريته، فلم يهملهم ويعزل أسرته عنهم إلى الحياة الرغدة، بل قرر أن يأخذهم جميعا معه إلى العالمية ويصلح حالهم من حرِّ ماله، ولا ينسى الكبير ولا الصغير، حيث الجامع والمستشفى والشارع.. ليتحول دون أن يشعر إلى أسطورة الغلابة ورمز للشباب الوفي المجتهد المخلص البار بأهله وقريته ووطنه. 

انظروا إلى اللقطات الرائعة التي التقطها مخرج المباراة ورد فعل صلاح بعد التعادل وكيف يضرب الأرض غضبًا فيطلق طاقته متمسكًا بالأمل حتى آخر ثانية.. انظروا كيف كان يلعب برجولة وجسارة ولا يخشى أن يصاب -وهو الذي تساوي قدمه الملايين- إنه بالفعل يستحق أن يكون أيقونة شباب هذا الوطن.

فسيخنا.. وشربات كوبر

لو أن هذا البلد في أكبر وأصغر شئونه سيدار من الـ«فيسبوك» فإنه سيقع على من فيه في لمح البصر، وهذا ليس عيبا في الـ«فيسبوك» فهو وسيلة تواصل اجتماعي رائعة ولكن تبقى أغلب الاتجاهات العامة التي تظهر عليه وتشكل رأيه العام، انطباعية ومزاجية.. أقول هذا بمناسبة الأصوات التي شكلت رأيًا عامًّا على الـ«فيسبوك» وانتقل ليفرض نفسه على النقاد والمحللين الذين طالبوا بإقالة الأرجنتيني هيكتور كوبر، لأن أداءه دفاعي عقيم وحلوله الهجومية قليلة الحيلة وهي رؤية كنت وما زالت أرفضها شكلا وموضوعا، فالمدرب يلعب في حدود القماشة الفنية والبدنية والبنية العقلية والذهنية للاعب المصري، وهو موهوب في أن يصنع بأقل الإمكانيات أعظم الإنجازات وهو يعادل فييرا الذي صنع من فسيخ لاعبي الزمالك «شرباتا» وفاز بالدوري والكأس. 

للحق فإن كوبر يستحق أن نصنع له في متحف اتحاد الكرة تمثالا، فهو من أعادنا إلى المشاركة في كأس الأمم الإفريقية بعد سبع سنوات عجاف، وقادنا إلى أبعد مما نطمح ووصل إلى نهائي إفريقيا، ثم أتم معجزته على الكرة المصرية وصعدنا إلى مونديال روسيا.

 

 

اقرأ المزيد: 

أسامة خليل يكتب: أحلام الخطيب وواقعية طاهر

أسامة خليل يكتب: محمود الخطيب.. وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون

أسامة خليل يكتب: الخطيب والوزير المتحول وحكايته مع السيسي

أسامة خليل يكتب: الخطيب ومبادئ الأهلي المهدرة.. والقيعي إذا حدث كذب

أسامة خليل يكتب: يا وزير التعاسة.. احترم نفسك واسْتَقِلْ

أسامة خليل يكتب: السيسي ووزير التعاسة

أسامة خليل يكتب: دولة الرئيس ودولة الوزير وبينهما الخطيب.. تحيا مصر

أسامة خليل يكتب للتحرير: محمود طاهر.. الفارس النبيل وشريط السنوات الأربع