loading...

مقالات

لقاء وحيد وأخير

لقاء وحيد وأخير


كانت أيام قليلة قد مرت على قتل عضو مكتب الإرشاد والقيادي الإخواني محمد كمال في شقة بمنطقة البساتين، والخلافات بين جبهتي الجماعة على أشدها، قسم يتهم الآخر بالمسئولية عما يجري للأعضاء وذويهم من اعتقالات وقتل بعد قرار انتهاج العنف والتحول إلى جماعة تكفيرية، والثاني يتهم الأول بالتواطؤ والمهادنة مع النظام وابتزاز الأعضاء بأموال التنظيم والمعارضة من المنافي بأموال الفقراء. بينما كانت خطط "الإرباك" التي تحدث الإخوان عنها في بياناتهم قد اتسعت من استهداف محولات الكهرباء وما دون الرصاص إلى "عمليات نوعية" وخلايا تصدر فيديوهات تسجل لحظات استهداف ضباط الجيش والشرطة والقضاة.

بدت المشاهد في كثير منها أقرب إلى ما كان يجري في عصر عبد الناصر، يستدعي الأمن والإخوان أيضا مواطن الشبه كتهديد أكثر منه محاولة بحث عن عبرة مما جرى،  لكن المقارنة بين الزمنين لم تكن دافعي الوحيد للقاء الراحل صلاح عيسى في مكتبه داخل جريدة القاهرة. كانت القراءة في هذا الزمن قد وصلت بي إلى شخصية سينمائية تظهر في كتابات تلك المرحلة وما تلاها، وفي تشبيهات الخبراء الأمنيين، وتحذيرات الجهاديين المتقاعدين. وكان الرجل أول من التقط ذلك وأفرد له مقالا نشره في الوفد عام 1992 تحت عنوان "تكنولوجيا صناعة الإرهابيين" وجعله بعد ذلك فصلا كاملا في كتابه "شخصيات لها العجب".

كنت أريد أن أسمع منه كيف بدا شكرى مصطفى الذي التقاه مرتين، وما انطباعه عنه، وإلى أي مدى ما زال مؤمنا بما قاله مرارا، من أن ما جرى حوَّل الكثير من الأبرياء المسالمين إلى إرهابيين عصابيين.

كيف كان الرجل الذي بدأ الانتقال بالتكفير من فكرة إلى منهج عمل وجماعة لها أنصار وأعضاء وخطوات على أرض الواقع؟ وهل الحديث عما جرى له وتركيب شخصيته وظروف اعتقاله وتعذيبه مبررات لما اعتنق وفعل؟ أم أنه دراسة معمقة وواسعة لما شهدته تلك الفترة؟

كان عيسى يرى أن "المرحوم شكرى مصطفى" كما يصر على تسميته حالة نموذجية لدراسة دور السياسات الأمنية في خلق الإرهاب وتربية الإرهابيين، فالرجل دخل السجن بريئا في صيف عام ألف وتسعمئة وخمسة وستين، وغادره في صيف عام واحد وسبعين شخصا آخر إلى أن انتهت القصة بإعدامه.

كان سؤالي الأول عن الدافع الذي جعله يفكر في تخصيص كتاب مستقل للحديث عن شكري بعد ما كتبه في التسعينيات، فقال إنه كان يملك وثيقة تشرح الآراء الفقهية التي بني عليها التنظيم وتشكيله، لكن الحديث الذي امتد لساعة كاملة انتقل بين جوانب عدة بدأت بشكري ومرت بحكايات من تجارب السجن والعلاقة بين سجناء اليسار والإخوان والتكفيريين.
وانطلق بعدها يحكي بسلاسة واسترسال:
التعذيب الذي جرى فاق العقل إلى درجة دفعت الكثيرين إلى التفكير في الموقف من السلطة التي فعلت ذلك، هل هي كافرة أم لا؟ وكان هذا مثار جدل ونقاش بين الإخوان داخل السجون، وكانت أفكار سيد قطب رافدا فكريا استند إليه تيار التكفير، ولم تفلح محاولة الهضيبي بكتابه "دعاة لا قضاة" في حصار أو تفكيك هذا الخطاب.

في الفترة التي تلت النكسة تغيرت الأحوال كثيرا في السجون، وسمحوا لنا بالمزيد من الرفاهية للدرجة التي وصلت إلى إدخال تليفزيونات داخل العنبر.

تخيل أن إخوانيا كان المسئول عن ذلك. يفتح التليفزيون ويغلقه، ويتولى آخر مسئولية الصحف، يجلس حين تصل ليقص منها صور السيدات، بينما مشادات يومية تجري حين تظهر سهير زكي فيحتشد السجناء للمشاهدة. قطاع يطالب بإغلاق التليفزيون، وآخر يقول اتركوهم ليتحملوا ذنب ما يفعلون.

كانت تصرفات شكري غريبة ومثار جدل وسخرية الجميع. لا نعلم من أين ولماذا أتى بأرانب رباها في فناء السجن؟ وكان الإخوان يسخرون من سلوكه بالقول إنه يعاقب الأرانب حين تتسلل وتصل إلى المنطقة التي وضعنا فيها التليفزيون ويمنعهم من العودة إلى منطقته عقابا لهم.

ظل شكري مصطفى في مرة سجنه الأولى خمس سنوات. ناله الكثير من العذاب في سلخانة السجن الحربي، قبل أن يستقر في طرة، وحين خرج بدأ جولة في الريف أقرب لما كان يفعله حسن البنا في بداية تأسيسه للإخوان.
حينها كان المناخ العام غير رافض لظهور أي جماعة أو توجه إسلامي، وكان التنظيم الوليد بعيدا عن السياسة وتحت أعين الأمن الذي لم ير أي خطورة في وجودهم، بل ويشجع من يتصدون للتيار اليساري أو الناصري من معارضي السادات بسبب الانفتاح الاقتصادي والحرب، واعتبرهم كالمتصوفة لا يضرون.

كانت المساجد دوما المكان الأنسب للإسلاميين، ملجأ ثابتا يمكنهم المبيت فيه والالتقاء بغيره، والناس لديهم الفضول وحب الاطلاع فكان يلقي عظات قصيرة بعد الصلوات استطاع بها أن يجذب شخصا أو شخصين في كل قرية زارها إلى أن كوَّن مريدين كثرا. نفس الطريقة التي جعلته يلتحق بالإخوان ووضعته في طريق محمد منيب أمين المكتبة الذي ضمه إلى الجماعة وانتهت به في السجن الحربي يحاول أن ينفي صلته بالتنظيم.

بدأت المجموعة التي كونها شكري في التحول إلى تنظيم يبحث ويفكر في مستقبل. وهنا كانوا أمام خيارين. نبقى داخل المجتمع وننفصل عنه شعوريا، إذ إننا لا نملك غير ذلك، أم نفعل كما فعل النبي حين هاجر من مكة إلى المدينة بعد أن ضاقت عليه وفقد كل نصير؟
استقر الرأي على الهجرة من دار الكفر والفرار بالدين إلى معسكرات في الصحراء وجبال في الصعيد وشقق مفروشة في قلب المدن لم يكن انتشارها الكثيف غريبا على المجتمع بعد تغييرات اقتصادية واجتماعية كثيرة جرت حينها. فكان يقدم نوعا من الإغراء لمريديه بمساعدتهم في الزواج بفتيات مؤمنات بنفس الأفكار مع تسهيلات بمهور ووقاية من الفتن تدعم مشروعه.

من أين كان يأتي بهذه الأموال؟ 
كان يستخدم منهج الإخوان "العشر" الذي جاء من أفكار الشيعة "الخمس للولي"، وكان كثيرون قد بدأوا في التوافد إلى العمل في الخليج، وأنفقوا وخصصوا من أموالهم للتنظيم الجديد، وكان من مبادئ التنظيم التوسع في التجارة باعتبار أنها مهنة الأنبياء وفيها تسعة أعشار الرزق، وبديل جيد للتعاون مع الكفار، مع توجه إلى ترك الأعمال الحكومية أو على الأقل عدم التفاني في العمل كي لا نساعد في نهضة هذا المجتمع الكافر.

إلا أن التغير الدرامي بدأ مع تزايد أعداد المنضمين من فئات اجتماعية واقتصادية مختلفة، وأولياء أمور بدأوا في إبداء تخوفاتهم من مصير أولادهم والبحث عن السبب وراء ما يجري لهم. اتصلوا بالشرطة التي بدأت تطاردهم.
حالة الطوارئ مفروضة، والمعتقلات كثيرة، فانطلقت حملات تأديبية وحبس لبعض الأعضاء بهدف حصار هذا التنظيم الذي تحول إلى خطر وصداع لأجهزة الأمن.

في ذات التوقيت كان التنظيم يبحث عما يجب فعله في المقابل. انشقاقات الكثيرين داخل صفوفه كانت تستدعي ممارسات حازمة وعنيفة لاحتوائها ومنع انتشارها وتزايدها، وتأديب من فكروا في ذلك، وكان صحفي في مجلة المختار الإسلامي يدعى عبد الرحمن أبو الخير قد انضم للتنظيم، وبدأ في ممارسة دور منظر الجماعة. اقترح على شكري خطة سماها "التسلل من خلال خطة العدو". وصفها بأنها استغلال للحملة بالتصعيد والترويج للأفكار وجذب المزيد من الشباب. 
ومن هنا جاءت فكرة خطف الشيخ الذهبي.
كان الدكتور حسين الذهبي الذي شغل منصب أمين مجمع البحوث الإسلامية، وتولى وزارة الأوقاف، وتحرك في محافظات عدة متحدثا عما يفعله هذا التنظيم قد استيقظ من نومه على تسعة أشخاص يخبرونه بطلب حضوره إلى مباحث أمن الدولة لأمر عاجل. حين رفض وتشكك في الأمر جروه عنوة إلى سيارة حملته إلى شقة مفروشة في الهرم.
في صباح الرابع من يوليو من عام ألف وتسمعئة وسبعة وسبعين وصل مندوب من جماعة المسلمين "التكفير والهجرة" مكتب رئيس الوزراء المصري ممدوح سالم ليسلمه بيانا يتبنى عملية خطف الذهبي، ويعلن قائمة من الشروط التي تضمن الإبقاء على حياته، تشمل الإفراج عن ستين معتقلا من أعضاء الجماعة، ودفع فدية مئتي ألف جنيه تعويضا عن فترة حبسهم، واعتذارا في كل الصحف والمجلات عما نال الجماعة من إساءات وهجوم.
حاولت أجهزة الأمن مناورة شكري والذين معه، لكسب مزيد من الوقت ومد فترة التفاوض، إلا أن ضابط شرطة مفصولا كان يعمل في مباحث أمن الدولة واستطاع شكري تجنيده قد تولى قتل الشيخ الذهبي بإطلاق رصاصة استقرت في عينه اليسرى. لتبدأ منذ تلك اللحظة نهاية التنظيم وصاحبه.

حين حكى صلاح عيسى جانبا من تلك الحكاية قبل ذلك ختمها بالقول: "أيامها كانت الصحف تتحدث عن العنف، وتدعو لاقتلاع جذوره، وتطالب بإصدار قانون جديد لمكافحة الإرهابيين، وكانت السجون قد امتلأت بمئات من الشبان والفتيات، وكان حكماء الجاهلية من صناع الإرهاب في الدولة المعصومة يفركون أيديهم سرورا".
اليوم وقد رحل كاتبنا ومؤرخنا وشاهدنا الذي روى القصة، تكون أربعة عقود قد مرت، لكن الآلاف من أحفاد شكرى مصطفى يواصلون مسيرته، بينما تتمسك السلطة بمعالجة القضية وفق "الكتالوجات" القديمة، ونتصنع جميعا الترقب كأن القصة ستنتهي هذه المرة بشكل مختلف.