loading...

مقالات

جمهورية مصر العربية الرقابية

جمهورية مصر العربية الرقابية


فى النصف الثانى من ستينيات القرن الماضى تم انتداب الرحل الكبير المستشار مصطفى درويش لمنصب مدير عام الرقابة على المصنفات الفنية، لكى يقدم الرجل استقالته بعد تولى منصبه بفترة قصيرة، أوضح خلالها لنظام الحكم وللرأى العام أن رؤيته فى إدارة ذلك الجهاز تنطلق من رفضه القاطع لفكرة الرقابة على الإبداع، وأن اقتناعه الشديد بضرورة السعى إلى تحرير الأعمال الفكرية والفنية من كافة صور الرقابة هو ما دفعه إلى تولى ذلك المنصب، الذى يؤمن إيمانًا قاطعًا بأن الزمن سيتجاوزه، وهو الأمر الذى تحقق جزئيًّا بالفعل فى عصر السماوات المفتوحة والإنترنت، لأن الموافقة على مبدأ غربلة الفنون قبل السماح بعرضها يقنن الوصاية التى تزعم أن الشعب طفل يحتاج إلى رعاية دائمة من حكامه الراشدين.

فالهدف الأول لمقص الرقيب هو استبعاد الأفكار التى تكشف عورة الحكم، وتعرى الزيف والوهم الذى يستمد منهما البقاء، قبل أن يقص مشاهد عرى الأجساد.

بعدها على الفور تم تعيين السيدة اعتدال ممتاز فى ذلك المنصب الذى أدركت السلطة أنها لا تقبل من شاغله أى اعوجاج يبتعد به عن اعتدال موقفها المحافظ بامتياز من كافة الأفكار سياسيًّا ودينيًّا وأخلاقيًّا.

وفى حواراتها الصحفية والتليفزيونية قالت إنها كانت تأنف من الألفاظ النابية اللاذعة، ومن الخروج عن المألوف والأعراف، وليس من مشاهد العرى فقط، أى أنها كانت تجسد المعادلة الرقابية المثالية التى تطمح أى سلطة لتحقيقها بامتياز، لكن فى حقيقة الأمر وللأمانة التأريخية فهذه التصريحات لا تدينها، ولا تجعل منها شخصية سلطوية، بقدر ما تؤكد أن اختيارها كان مناسبًا للسلطة فقط. فلا يمكن لأحد إنكار أن تلك السيدة دافعت عن أفكارها المحافظة ببسالة منقطعة النظير ضد يوسف السباعى وزير الثقافة فى ذلك الوقت، عندما رفضت عرض مسرحية له كان حوارها يحمل سبابًا خارجًا. ذلك الموقف يؤكد أنها كانت تدافع عن مبادئها الرقابية الخاصة التى توافقت مع مطالب السلطة فى كثير من الأحيان.  

وضع المقص فى يد صاحب الفكر التقليدى المحافظ يؤكد أن بعض المجتمعات لم تتعلم شيئًا من تاريخ الإنسانية. نحن نعلم أطفالنا فى كتب التاريخ المدرسية أن الكنيسة فى العصور الوسطى حاكمت عالم الفلك جاليليو جاليلى بتهمة الكفر والخروج عن صحيح الدين المعلوم بالضرورة، عندما صرح باكتشافه أن الأرض كرة تسبح فى الفضاء، وتدور حول الشمس، ولم يوقف حكم الإعدام الصادر بحقه سوى تراجعه باعتراف كاذب، يؤكد أن الأرض مسطحة وأنها مركز الكون، وأن الشمس هى التى تدور حولها.

نحن نعلم أطفالنا هذا فى إطار السخرية من الحضارة الغربية ومن الديانة المسيحية، وليس انتصارًا لحق المختلف فى الرأى، لأننا ما زلنا نضع سيخًا حديديًّا ملتهبًا فى أذن كل من يدعو إلى فكر مختلف، ونستخدم ضده نفس تهمة الكفر والخروج عن صحيح الدين المعلوم بالضرورة. بالمناسبة، مصطفى درويش هو الرقيب الذى أجاز سيناريو فيلم المومياء رقابيًّا فى فترة كان يتم اتهام كل من يتحيزون لفرعونية مصر بأنهم أعداء للقومية العربية. ذلك الفيلم الذى لو لم يحصل على موافقة درويش الرقابية لربما تعثر إنتاجه، ولربما رحل صاحبه شادى عبد السلام قبل أن يكمل تصويره، لتفقد السينما المصرية والعربية فيلمها الوحيد الذى يضعه النقاد الغربيون فى القائمة القصيرة لأهم الأفلام فى تاريخ السينما. 

الأسوأ من جهاز الرقابة على المصنفات الفنية أن تتحول مؤسسات الدولة بأكملها إلى جهاز ضخم للرقابة، يخشى من بوستات الفيسبوك، ويحجب المواقع التى تحمل فكرًا مختلفًا، ويطلق كتائبه لتشويه المعارضين، والتلويح لهم بالسيديهات، ورفع الدعاوى القضائية ضد من يحاولون الترشح للرئاسة باستثناء الحاج سمير البمباوى. نحن نستحق عن جدارة لقب جمهورية مصر العربية الرقابية.