الاستبداد الرقمي في العالم الجديد

دكتوراه في فلسفة العلوم السياسية وخبيرة في العلاقات الدولية
٠٦ يناير ٢٠١٩ - ١٢:٥٨ م
شهد النظام العالمي منذ بداية الخمسينيات وحتى بداية التسعينيات حربا باردة بين الكتلتين الشرقية والغربية وقد دارت رحاها بين أيديولوجيتين مختلفتين، الأولى هي الأيديولوجية الماركسية الاشتراكية والثانية هي الديمقراطية الرأسمالية، وقد كانت الغلبة للثانية، وقد تم الحديث في هذا الوقت عن النظام العالمي الجديد الذي أضحى أحادي القطبية وأصبحت الولايات المتحدة الأمريكية هي القطب الأوحد، ثم عاد الحديث مرة ثانية عن نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب مع تولى الرئيس الأمريكي باراك أوباما السلطة بعد مرور أمريكا بالأزمة المالية العالمية عام 2008 وذلك حتى تتمكن أمريكا من بسط نفوذها على العالم مع توزيع الأعباء على باقي دول العالم، وبخاصة دول الاتحاد الأوروبي.
وفي هذه الأثناء شهد النظام العالمي صعود الصين كقوة سياسية وروسيا الاتحادية كقوى كبرى وهنا صعب القول بأن النظام العالمي أحادي أو متعدد الأقطاب، وذلك لأنه لم تتوفر عوامل القوة الشاملة في دولة واحدة ولكنها توزعت بين أكثر من دولة حيث تراجعت أمريكا والاتحاد الأوروبي اقتصاديا في حين صعدت الصين اقتصاديا وصعدت
فى التكوين المعرفى لبعض من مثقفى جيلنا، لم يكن ثمة حضور غائم وعام وسائل وغامض لمصطلح الغرب، الذى ساد فى عقد التسعينيات كجزء من العالم الإدراكي الذى صاغه بعض كتاب الحركة الإسلامية السياسية، كجزء من التفكير الثنائى النمطى الذى يسود العقل الأصولى لمنظرى هذه الجماعات الذى يميل إلى نمط من الثنائيات الضدية حول الحلال والحرام، والكفر والإيمان، والمسلمين وغيرهم، وهو نمط مستمد من الفكر الأصولى الفقهى النقلى القديم، وقد يكون سائغ ومقبول فى المراحل التأسيسية لتكوين هذا العلم الهام والرصين، إلا أن تطور وتعقد الحياة الاجتماعية والسياسية فى المجتمعات الإسلامية، وغيرها من المجتمعات وصراعاتها وحروبها، وتطور العلم من مرحلة لآخرى، كان يتطلب تطور بعض هذه الثنائيات الضدية، أو الإبقاء عليها، وإضافة مفاهيم جديدة لها قادرة على حفز العقل الاجتهادى على اكتشاف الظواهر الاجتماعية والسياسية والعلمية الجديدة، وتقديم اجتهادات جديدة حولها. إلا أن إغلاق باب الاجتهاد، نظرًا لشيوع الفوضى، والإسرائيليات، وظاهرة وضع الأحاديث، وغيرها من الأسباب، أدت إلى حالة من الجمود الفقهى، واستمرت الثنائيات الضدية، وامتدت من المجال الفقهى إلى المجالين السياسى والثقافى، من هنا برز الغرب الغائم والمشوش والسائل وغير المحدد فى الخطاب الإسلامى السياسى للجماعات السياسية الإسلامية، ظهر وكأنه كتله واحدة مندمجة، بلا تضاريس، ولا تواريخ، وكأنه ثقافة واحدة، ونمط حياة واحد، على الرغم من تعدديته وتنوعه واختلاف تاريخ كل بلد من البلدان عن الآخرى التى تقع فى الإطار الجيو سياسى الأور-أمريكى. من هنا تكاثرت التعميمات وأحكام القيمة الأخلاقية، والمعايير الدينية حول هذا الغرب الواحد الموحد فى نظر غالبهم!