loading...

التحرير

بيرم التونسي.. السخرية سلاح الشعراء

بيرم التونسي.. السخرية سلاح الشعراء

بيرم التونسي.. السخرية سلاح الشعراء



إنه سيد الزجل وأمير شعراء العامية، و"أبو الصحافة السياسية الساخرة" بلا منازع، حالة إنسانية حافلة بالإبداع شعرًا ومسيرةً، كلما شَعُر بوقعِ الوجع والمعاناة على شعبه، خلّدَه شعرًا، وظل إلى الرمق الأخير في حياته حاملًا لقلمٍ ناريّْ يتهيبه الطغاة من الداخل والخارج على حدٍ سواء.

ولد الشاعر العامي محمود بيرم التونسي، في الإسكندرية مارس 1893، وعاش طفولته في حي "السيالة" الشعبي، والتحق بالكُتّاب، لكنه كره الدراسة فيه بسب قسوة الشيخ، فأرسله والده إلى المعهد الديني.

مات والده وهو في الـ 14 من عمره، فاضطر أن يترك المعهد ليعود إلى دكان أبيه ولكنه خرج من التجارة خاسرًا.

كان منذ نعومة أظفاره يحب المطالعة وساعده على ذلك حافظة قوية، انطلق في الشعر بعدما كتب قصيدته "بائع الفجل" التي انتقد فيها المجلس البلدي في الإسكندرية، الذي فرض ضرائب باهظة أثقلت كاهل المواطنين، لكنه فوجئ بالمجلس البلدي في الإسكندرية، يحجز علي بيته ويطالبه بمبلغ كبير كعوائد عن سنوات لا يعلم عنها شيئًا، فثار بيرم وقرر أن يرفع راية العصيان ضد المجلس البلدي بقصيدة يجعله فيها أضحوكة أمام الناس، بنبرة السخرية ناقدة، فيقول بيرم التونسي:

يابائع الفجل بالمليم واحدة كم للعيال وكم للمجلس البلدي

 كأن أمي بلَّ الله تربتها أوصت فقالت:

 أخوك المجلس البلدي أخشى الزواج فإنْ يوم الزفاف أتى يبغي عروسي صديقي المجلس البلدي

 أو ربما وهب الرحمن لي ولداً في بطنها يدعيه المجلس البلدي بيرم التونسي

 ونشرت القصيدة في صحيفة "الأهالي" وكانت أول قصيدة تُنشر له، وقد طُبع من العدد الذي نشرت فيه 4 آلاف نسخة، وكانت النسخة تباع بـ 5 مليمات، وأحدث نشرها ضجة هائلة، وحفظها السكان في الإسكندرية، كما طلب موظفو المجلس البلدي ترجمتها إلي اللغات الأجنبية لكي يتمكنوا من فهمها، إذ كانوا جميعًا أجانب.

ولم يكتف بنشرها في الصحيفة، بل أصدر كُتيبًا يتضمنها، وانتشر بسرعة الريح وطبعت منه مائة ألف نسخة، دخل التونسي إلى مهنة الأدب.

وبدأ بيرم التونسي بعد هذه القصيدة في الاتجاه إلى الأدب واهتم بتأليف الشعر وترك التجارة، لكنه أدرك بعد فترة أن الشعر وسيلة محدودة الانتشار بين شعب 95 % منه لا يقرأون، مما جعله يتجه إلى الزجل، لكي يقرب أفكاره إلى أذهان الغالبية.

 وكتب بيرم أزجاله الأولى مليئة بالسخرية الحادة والنقد الصريح الذي يستهدف العلاج السريع لعيوب المجتمع.

واعتمد في زجله علي السرد القصصي، ليصور العلاقات الزوجية، ومشكلات الطلاق، والعادات الاجتماعية الساذجة الموجودة آنذاك، مثل حفلات الولادة والطهور.

وأصدر بيرم  مجلة "المسلة" في عام 1919، وبعد إغلاقها أصدر مجلة "الخازوق" فأغلقت بعدها بقليل.

وكتب مقالة هاجم فيها زوج الأميرة فوقية ابنة الملك فؤاد، فنفي إلى تونس، ومنها سافر إلى فرنسا ليعمل حمّالاً في ميناء مرسيليا، لكنه استطاع أن يزوّر جواز سفر له ليعود به إلى مصر، فعاد إلى أزجاله النارية التي ينتقد فيها السلطة والاستعمار آنذاك.

 وألقي عليه القبض مرة أخرى فنفيته السلطة إلى فرنسا ليعمل هناك في شركة للصناعات الكيماوية ولكنه يُفصل من عمله بسبب مرض أصابه فيعيش حياة صعبة ويواجه أيامًا ملؤها الجوع والتشرد، ورغم قسوة الحياة على بيرم إلا أنه استمر في كتابة أزجاله وهو بعيد عن أرض وطنه.

بعدها عاد إلى مصر وبدأ في تقدّيم أعمال أدبية مشهورة، وقد كان معظمها أعمال إذاعية مثل "سيرة الظاهر بيبرس" و"عزيزة ويونس".

وكتب عدة قصائد لأم كلثوم مما جعل شعره ينتشر في جميع الأقطار العربية.

وغنت له أم كلثوم ما يزيد على الـ 30 أغنية من أروع ما غنت أم كلثوم مثل  أغنية "الآهات"، و"هوه صحيح الهوى غلاب"، و"كل الأحبة" و"الأولة في الغرام"، و"أهل الهوى"، و"غني لي شوي شوي"، و"الحب كده"، و"صوت السلام" وهى قصيدة وطنية.

وكانت أغنية "القلب يعشق كل جميل" من ألحان رياض السنباطى هى آخر أشعار بيرم التى كتبها لها وغنتها كوكب الشرق بعد وفاته بأكثر من 10 سنوات، وتعد هذه الأغنية من القصائد الصوفية.

وترك بيرم تراثًا استثنائيًا يمكن اعتباره تأريخًا فنيًا وأدبيًا للحياة السياسية والاجتماعية في مصر منذ عشرينيات القرن العشرين وحتى رحيله عندما تمكن منه مرض الربو وثقل السنين فتوفى في 5 يناير 1961م بعد أن عاش 69 عامًا تداخلت حياته الخاصة بحياة المجتمع العامة.