loading...

مقالات

رسالة صباحية إلى بهاء طاهر فى يوم ميلاده

رسالة صباحية إلى بهاء طاهر فى يوم ميلاده


صباح الخير يا صديقى الغالى..

صباح الخير أيها الكاتب العذب والنبيل...

صباح الخير أيها المبدع الذى كان يكشف لنا أنفسنا يوما بعد يوم، والذى استطاع أن ينتصر للجمال والحب والإنسانية، ويحمل كل ذلك إلى كل أطراف المعمورة، ويبنى رويدا رويدا الصرح العالى والغالى والعظيم الذى نطلق عليه «مصر».

وها أنا أتخيّلك وأنت ما زلت شابا وسيما -وإلى الآن- وهادئا ورقيقا، تذهب إلى مبنى الإذاعة القديم، وتقدِّم أحبابك وأصدقاءك المسرحيين العظام فى العالم، وتحاول توصيل رسائلهم المفعمة بالحب إلى كل المصريين من خلال إذاعة «البرنامج الثانى»، هذا البرنامج الذى قدّم أجمل ما فى الثقافة المصرية والعربية والعالمية، وكنت أنت فى قلب هذا العطاء الغزير، فقدّمت هنريك إبسن ويوجين أونيل وشيكسبير، وغيرهم من كتّاب العالم.

ودوما أسأل نفسى: هل كان انشغالك بالمسرح هو الذى قادك إلى اكتشاف القصة القصيرة وكتابتها والإبداع فيها، ثم لتصبح أحد مبدعيها الكبار؟ أم أن هذا الانشغال قد عمل على تأخير اكتشاف هذه الجزيرة الذهبية المخبوءة فى روحك الفيّاضة؟

والعارف بك، سيدرك كم أنت أخلصت للمسرح إخلاص المتيّمين والمدركين لخطورته، وكانت مقالاتك التى كتبتها فى مجلة «الكاتب»، ومجلة «المسرح»، ليست مقالات فى الفن والنقد فقط، بل كانت مقالات كاشفة لكل ما نحن فيه، كانت هذه المقالات المكتوبة بخبرة وإدراك عاليين، تضع -دوما- النقاط التائهة على الحروف المبهمة، ولم تكن مقالات مجاملة ولا مقالات صحفية، لكنها كما قال المخرج عصام السيد فى الاحتفالية التى عقدناها لكم فى هيئة الكتاب، إنها لا بد أن يتم تدريسها فى المعاهد المسرحية، حيث يجد فيها الطالب الحقيقى للعلم كل ما يخصّ المسرح، بداية من أهمية النص، مرورا بالأداء التمثيلى والإضاءة والصوت، وصولا إلى المخرج، وهو المايسترو الذى يحسب له أو عليه كل النتائج التى يبرزها العرض.

وأنت فى عزّ العطاء المسرحى، جاءت قصة «المظاهرة»، والتى نُشرت فى مجلة «الكاتب»، الصادرة فى أبريل عام 1964، وقدمها لك العظيم يوسف إدريس، والذى بشّر المصريين جميعا بأن هذا الكاتب القصصى القادم من عالم المسرح سيكون له شأن عظيم، فقصتك كما وصفها إدريس «بهائية طاهرية»، بشكل لافت، بالطبع فيها آثار الأسلاف العظام مثل إدريس وكل كبار القصة القصيرة، ولكنّ أبعادا خاصة بك ظلّت تتضح وتنمو وتتوغل وتفرض نفسها فى كل القصص التى رحت تنشرها فى مجلات «الهلال» و«صباح الخير»، وغيرهما من المجلات.

وكنت مثالا وفيا وجميلا لأبناء جيلك، وأعلم أن كلكم «جيل الستينيات» عانيتم بأشكال مختلفة، حتى تصل إبداعاتكم إلى الناس، وحتى يقرأكم العالم كله، وعندما صدرت مجموعتك الأولى «الخطوبة» فى عام 1972 كتب الأستاذ علاء الديب مقالا جميلا مثله ومثلك ومثل قصصك، ويفعل مثلما يفعل دائما، أن يبث الفرح والأمل فى الناس، ويتأمل كاتبا جديدا، سيتقدم الصفوف الأولى دائما.

ولم تتوقف عند مجموعتك الأولى ككاتب قصة، ولم يكن استئذانك من صالة المسرح بكل أضوائه المبهرة، إلى مقصورة القصة القصيرة، إلا إعلانًا عن أن واردا فنيا جارفا قد أخذك مرة أخرى للإبحار، مع تقديرك لبيتك القديم، وحضور حالة الحنين الدائم فى شخصياتك، وصدقنى يا عم بهاء إننى كنت أتخيّل شخوصك القصصية والروائية وهى لم تغادر المسرح إطلاقا، بل إننى كنت أعتبر المساحة التى ترسل فيها حكاياتك القصصية، وكأنها خشبة مسرح، وهذا ما سيفهمه المخرجون -رفاق المهنة والطريق- عندما يتعرض الواحد منهم لأى قصة أو رواية أبدعتها.

وهل يستطيع المرء عندما يقرأ «قالت ضحى» و«الحب فى المنفى» -مثلا- أن ينفى حالة التمسرح التى تنتاب الشخصيات، والله يا عم بهاء كان بطل روايتك «قالت ضحى»، المحبط والمحاط بكل السهام التى تتقاطر على روحه من كل حدب وصوب، لا يفعل سوى أنه يقف على خشبة المسرح، ويلقّن القارئ درسا فى الحب، وكانت «ضحى» وهى تأخذه يمينا ويسارا إلى عوالم غريبة، تمثل لغزا متعدد الجوانب الاجتماعية والثقافية والفنية، وأنا أتذكّر الموقف التراجيكوميدى الذى وجد نفسه فيه، عندما اصطحبته «ضحى» إلى صالة رقص، وعندما عجز عن المشاركة، طلبت منه أن يرقص، فقال لها: لا أعرف، فقالت له: «اقفز كالقرود»، وأعتقد أننا كلنا عشنا هذه اللحظة بأشكال مختلفة، بكل ما تحمله من سخرية وألم فى الوقت ذاته، ولم يكن بطلك يعبّر عن نفسه فقط، بل كان يعبّر عن إحباطات وألغاز مرحلة كاملة.

وقبل أن تتجه بشكل واسع إلى إنجازاتك الروائية الفريدة، كان لا بد أن تترك علامات واصحة وبارزة فى فن القصة، وكانت قصتك الأيقونية «بالأمس حلمت بك»، نموذجا فنيا -وليسمح لى الأصدقاء- تجاوز كثيرًا من الكتابات التى عالجت ثنائية الشرق والغرب، هذه العلاقة الأزمة والمأزومة، والتى تجد تجسيدا حيّا ومربكا عندما تنشأ علاقة بين مصرى مثقف، يحمل طابعا شرقيا وعربيا، ونموذج غربى لا يعرف التنازل عن كل ما ينطوى عليه.. قصة قصيرة، لكنها حملت من المعانى والألغاز الكثير، ثم توالت قصصك ومجموعاتك واكتشافاتك الفنية على طريق أسلافك العظام يوسف إدريس ويحيى حقى، وأقرانك الكبار مثل يحيى الطاهر عبد الله وإبراهيم أصلان وآخرين.

ولم تكن «قالت ضحى» -بعد «شرق النخيل»- سوى باكورة لاكتشافات روائية عظيمة، ورغم أن الزمن الذى قضيته خارج مصر كان كبيرا فإنك كنت فى قلب مصر، وفى عمق عمق همومها، ومع ناسها دوما، فأتيتنا برائعتك «الحب فى المنفى» التى أحدثت حضورا غير متوقع، وكتب عنها كثيرون، وعلى رأسهم الناقد الكبير الراحل الدكتور على الراعى، والذى كتب مقالا فى «الأهرام» عنوانه على ما أذكر «رواية كاملة الأوصاف»، وكان هذا المقال مثيرًا وجالبا لكثير من المتاعب للراعى نفسه، ولا أريد أن أتحدث عن جلسات النميمة التى كانت تهاجم الراعى على هذا المقال الذى أنصفك وأنصف الرواية، وانحاز بشكل واضح وشجاع إلى الأدب الذى يعيش بقوة فى قلب الأحداث، دون أى هتافات تفسد لعبة الفن.

وأثبتت كل إبداعاتك الشامخة فى ما بعد أنك أحد أنبل أبناء هذا الوطن العظيم.. كل عام وأنت مبدع وبخير وسلام وصحة يا عم بهاء، ولن أقول لأحد إنك قد بلغت الثمانين -فى غفلة منا- فى هذا اليوم.