loading...

ثقافة و فن

في الذكرى المئوية لميلاده.. صلاح أبو سيف «أستاذ الواقعية»

في الذكرى المئوية لميلاده.. صلاح أبو سيف «أستاذ الواقعية»

في الذكرى المئوية لميلاده.. صلاح أبو سيف «أستاذ الواقعية»



يحتل صلاح أبو سيف مكانة بارزة فى السينما المصرية، حيث أخرج عددا كبيرا من أهم أفلامها التى شكلت وعى المصريين، ومن أبرزها «شباب امرأة» و«الزوجة الثانية» و«القاهرة 30» وغيرها، كما مارس كتابة السيناريو وألَّفَ فيه عدة كتب، ويعتبر نموذجًا للفنان متعدد المواهب، ورائدا للسينما الواقعية، ولا ينسى التاريخ أن أبو سيف هو الذى علَّم الروائى الكبير صاحب «نوبل» نجيب محفوظ كيفية كتابة السيناريو، وجذبه إلى عالم السينما الساحر، وقد استطاع أبو سيف حل المعادلة الصعبة التى ترهق كل المخرجين فى العالم، وهى معادلة القيمة الفنية وشباك التذاكر.

«التحرير» وبمناسبة الذكرى المئوية لميلاد أبو سيف، تلقى الضوء على «عبقرى» السينما، وأهم مراحله الفنية، ومدى تأثيره على أجيال متعددة من السينمائيين، بداية من موجة الواقعية الجديدة التى مثَّلها خان والطيب وبشارة إلى الأجيال الجديدة ومن أبرزهم أحمد عبد الله وهالة خليل وأيتن أمين.

علّم نجيب محفوظ السيناريو.. والنتيجة: روائع سينمائية

كتبت- نانسي حبيب:

كان المخرج الكبير صلاح أبو سيف يعتبر كتابة السيناريو أهم مراحل إعداد الفيلم، وربما كان هذا سببا فى مشاركته فى كتابة السيناريو لكثير من أفلامه، حتى يضمن أن يكون متفقًا مع رؤيته السينمائية. كان مخرج الواقعية يبحث دائما عن الواقع، ويستمد منه أفلامه، لذا كان لا بد أن يجتمع مع ملك الأدب الواقعى.

كانت الساحة السياسية فى مصر فى فترة الأربعينيات مليئة بالأحداث، التى لا بد، وأنها تركت أثرها فى المخرج الشاب آنذاك صلاح أبو سيف، الذى كانت نقطة تحوّل فى حياته، عندما التقى بالأديب الشاب آنذاك نجيب محفوظ.

ويحكى محفوظ عن بداية علاقته بالسينما قائلا «عرفنى صديقى المرحوم الدكتور فؤاد نويرة بصلاح أبو سيف، وطلب منى أن أشاركهما فى كتابة سيناريو فيلم للسينما، اخترنا له فى ما بعد اسم (مغامرات عنتر وعبلة)، وكان صلاح أبو سيف هو صاحب فكرة الفيلم، وشجعنى للعمل معه أنه قرأ لى (عبث الأقدار)، والحقيقة أننى تعلمت كتابة السيناريو على يد صلاح أبو سيف».

أما المخرج الكبير صلاح أبو سيف فيحكى ذكرياته عن بداية دخول محفوظ السينما: «بدأنا نفكر معا فى (مغامرات عنتر وعبلة) عام 1945، وكتبناه سنة 46، وتم تصويره 47، وعرض 48، كان قصة عبد العزيز سلام، ولم يكن فيها جديد عن الفيلم، الذى سبق إخراجه عن نفس الموضوع. فكرت فى أن يكون الجديد أن تكون الحروب بين العرب وعدو خارجى، وليس بين العرب والعرب.

وافقنى نجيب محفوظ، وقررنا أن تكون الحروب فى الفيلم بين العرب والرومان، كما صورنا فى الفيلم شخصية يهودى قام بتمثيلها زكى طليمات، وجعلناه يلعب على الطرفين: العرب والرومان، تم تصوير الفيلم فى أثناء احتدام المشكلة الفلسطينية، وبدأ المونتاج بعد تقسيم فلسطين فى نوفمبر 47، وإن كان قد عرض فى ديسمبر 48 بعد إنشاء إسرائيل. والغريب أن الحوار الذى كتبته مع نجيب محفوظ وردت فيه بعض العبارات والشعارات، التى رفعتها ثورة 23 يوليو بعدها مثل (نسالم من يسالمنا ونعادى من يعادينا)، بل والأغرب أن شخصية اليهودى فى الفيلم كانت له عصابة على عينه تماما مثل موشى ديان بعد ذلك، ولم يكن ديان قد أصيب بعد ووضع هذه العصابة».

وكانت تلك هى البداية فحسب، لينطلق بعدها الثنائى فى عدة أفلام ناجحة دخلت فى قائمة أفضل مئة فيلم فى السينما المصرية، ففى عام 1953 كتب محفوظ قصة وسيناريو فيلم «ريا وسكينة»، مستلهما إياه من تحقيق صحفى عن الجريمة الشهيرة، وبعدها بعام قدما فيلم «الوحش». وبعد تعاون فنى امتد نحو 13 عاما كان صلاح أبو سيف أول من أقدم على إخراج فيلم سينمائى عن رواية لنجيب محفوظ، وهكذا خرج فيلم «بداية ونهاية» عام 1960 لتنتبه بعدها السينما إلى عظمة روايات نجيب محفوظ.

والتعاون بين محفوظ وأبو سيف ممتد، فلا يمكن أن تنسى فيلما مثل «الفتوة» أو «القاهرة 30»، ويكفى أن تتوقف أمام فيلم مثل «بين السما والأرض» لتعرف كيف يمكن أن يجتمع عملاقان ليخرجا معا تحفة فنية. والعجيب أن الفيلم كله مأخوذ عن تجربة شخصية لأبو سيف، عندما تعطل به المصعد مع زوجته فخطرت له الفكرة وحملها إلى نجيب محفوظ.

لم يكن محفوظ يقبل أن يتنازل عن إحساسه بالواقع المصرى، وكانت هذه هى النقطة نفسها التى تميّز بها صلاح أبو سيف، الذى كان يصر على أن ينقل الواقع، وهكذا كوّن الاثنان معا ثنائيا واقعيا متجانسا، وكأن كل منهما كان يبحث عن الآخر ليكمل به إبداعه. وهكذا أخرج محفوظ أفضل ما فى أبو سيف، وأخرج أبو سيف أفضل ما فى محفوظ، وخرجنا نحن بروائع سينمائية.

مخرجون: أفلامه «مدرسة»

كتب- عمر خليل:

«الفتوة» و«الزوجة الثانية» و«شباب امرأة».. وغيرها من الأفلام، كانت وما زالت تعيش فى وجدان وذاكرة الجماهير، ولكن ماذا عن «أهل الصناعة»، وأى منها شكل وجدانهم إلى الحد الذى تمنوا تقديم أحدها؟

فى البداية، أكد محمد أبو سيف، ابن المخرج الكبير صلاح أبو سيف، أن تقديمه فيلم «النعامة والطاووس» ليس إلا محاولة للإفراج عن أحد أحلام والده الذى جاهد الرقابة طويلًا لتحقيقها، مشيرا إلى أن جميع أعمال والده بمثابة تاريخ يفخر به.

المخرج الكبير على عبد الخالق، نفى أن يكون فيلمه «شادر السمك» هو النسخة المعاصرة من فيلم «الفتوة»، مشيرا إلى أن تلك المقارنة ترجع إلى تشابه «تيمة» الفيلمين، حيث رصدا فكرة الصعود من القاع إلى القمة، وما ينتج عن ذلك من غرور وتجبر وفساد، خصوصًا مع تشابه أماكن الأحداث (سوق خضار وشادر سمك)، أما «شباب امرأة» فهو أحب أفلام الراحل إلى قلبه، لأنه مصنوع بتميز على جميع المستويات.

المخرجة هالة خليل، أكدت أنها تربت وجدانيًّا على أعمال أبو سيف، مشيرة إلى أن فيلم «بداية ونهاية» هو أقرب أعماله إلى قلبها، مضيفة أن «القاهرة 30» و«ملحمة عظيمة» تتيح لأى مخرج تقديم صراع مجتمعى محبوك دراميًّا وبحرفية عالية. المخرج الكبير داوود عبد السيد، وصف أستاذه أبو سيف بأنه «عبقرى»، مضيفًا أنه تأثر بعدد كبير من أفلامه لكن يبقى «الفتوة» هو الأبرز بينها كذلك «الزوجة الثانية».

بشارة: المقارنة بين فيلم ومسلسل «الزوجة التانية» غير موضوعية

كتبت- فايزة هنداوى:

فيلم «الزوجة الثانية» من أفلام صلاح أبو سيف، التى شكلت علامة مميزة فى السينما المصرية، وقد أعاد المخرج خيرى بشارة تقديم نفس القصة فى مسلسل تليفزيونى، وهو ما فتح باب المقارنة بين الفيلم والمسلسل.

المخرج خيرى بشارة، قال إن هذه المقارنة «غير موضوعية»، لأن الفيلم تم تقديمه فى ساعتين، بينما المسلسل فى 20 ساعة.

بشارة أوضح فى تصريحات خاصة لـ«التحرير» أن السبب فى هذه المقارنة للحنين الدائم إلى الماضى.

وعن سبب حماسه لتقديم ذلك العمل، قال بشارة إن الفترة التاريخية التى تدور فيها الأحداث ثرية ومشجعة، إضافة إلى الإسقاطات السياسية والاجتماعية التى يحتويها مؤكدًا أنه لم يتأثر بصلاح أبو سيف كما قال، لأنه يقدم نوعية مختلفة من الدراما، مضيفا أن الفيلم يمثل جزءًا من ذاكرته كمخرج.

نساء «أبو سيف».. نسخة من الواقع

كتبت- رانيا يوسف:

لا يمكن وصف المخرج الراحل صلاح أبو سيف بـ«نصير المرأة»، ورغما عن هذا كانت نماذجه النسائية المطروحة فى أعماله هى الأكثر حيوية وطزاجة وحضورا.

فى البداية، تؤكد الناقدة خيرية البشلاوى، أن أكثر ما يميز أبو سيف أنه كان «معجونا» بمصريته، ومن ثم لم يقدم أبطال أفلامه عموما بمعزل عن واقعهم الاجتماعى أو السياسى، وبتعبير أدق كان يعى جيدا طبيعة البيئة التى يتناولها، لذا كانت شخصياته انعكاسا لها، فمثلا فى «الزوجة الثانية» قدم 3 بورتريهات نسائية (سناء جميل، سعاد حسنى، سهير المرشدى)، لكل منهن طبيعتها المختلفة، ورؤيتها وأسلوبها فى التعامل مع الحياة، فكلهن بنات البيئة اللاتى ينتمين إليها وكذلك سلوكهن.

البشلاوى واصلت قائلة إنه فى فيلم «القاهرة 30» قدم نموذجا آخر لما يمكن أن تمارسه البيئة المحيطة من قهر على الجميع، ومن بينهم النساء، وهو الدور الذى جسّدته باقتدار سعاد حسنى، فهى البنت الطموحة التى حالت ظروفها الاجتماعية دون ذلك، بينما بقية شخوص الفيلم نتاج لهذا المجتمع وانكساراته، كذلك شفاعات فى «شباب امرأة»، وشخصية الأم والابنة فى «بداية ونهاية»، حتى فى «القادسية» قدم نماذج لسيدات محاربات بنات بيئتهن. باختصار قدم عبر أعماله «ألبوما» كبيرا للمرأة فى بيئات متنوعة سواء فى الريف أو الحضر، رصد من خلاله كيف تشتبك المرأة مع الواقع، ووفقا للمقومات التى شكلت شخصيتها، وأثرت بسلوكها.

الناقد نادر عدلى، أكد هو الآخر أن أبو سيف لم يكن متبنيا قضايا المرأة على الشاشة فقط، فقد تناولها فى إطار تناوله الواقع بوصفها جزءًا منه، مشيرا إلى نجاحه فى تقديم أكثر من نموذج وبحرفية عالية، مثل ما قدمه فى أفلام «بداية ونهاية»، و«القاهرة 30»، كذلك أفلام مثل «الزوجة الثانية» و«أنا حرة»، وفيلم «الوسادة الخالية»، الذى استعرض من خلاله ليس فقط نموذجا نسائيا له خصوصيته، لكنه قدم صورة للطبقة المتوسطة من منظور معاصر، ورصد عبر فيلم «البداية» كيف همّش المجتمع دور المرأة مقابل سيطرة الرجل.

الناقد محمود قاسم، أوضح أن صورة المرأة فى السينما قبل صلاح أبو سيف لم تخرج عن طرح شخصية الراقصات والنماذج المقهورة الضعيفة، مشيرا إلى أن أبو سيف نجح فى فتح الباب لطرح وجهة نظر مغايرة عن المرأة المصرية، كما فى فيلم «أنا حرة»، راصدا من خلاله النهضة التى شهدها المجتمع فى تلك الفترة، مضيفا أنه ساعده على ذلك كون أغلب أفلامه مقتبسة عن نصوص أدبية.