loading...

ثقافة و فن

شحات الغرام.. رائد الموسيقى العربية الذي أفلسته ثورة 23 يوليو

فوزي

فوزي



كتب - أحمد نبيل

اسمه بالكامل «محمد فوزي عبد العال حبس الحو»، ولد 28 أغسطس عام 1918، في قرية كفر أبو جندي بمركز طنطا في محافظة الغربية، لعائلة متوسطة الحال، يأتي في الترتيب 21 من بين 25 ولدًا وبنتًا، منهم المطربة هدى سلطان، حصل على الشهادة الإعدادية من معهد فؤاد الأول الموسيقي في القاهرة، لكنه ترك الدراسة فيما بعد.

تزوج فوزي للمرة الأولى عام 1943، من السيدة هداية، التي أنجب منها ثلاثة أبناء هم "نبيل" مهندس و"سمير" مهندس و"منير" طبيب، لكنهما انفصلا عام 1952، ليتزوج في نفس العام من الفنانة "مديحة يسري"، التي أنجب منها ولدًا واحدًا اسمه "عمرو"، وفي عام 1959، تم الطلاق بينهما، ثم تزوج للمرة الثالثة عام 1960 من السيدة "كريمة"، التي أنجب منها ابنته الصغرى "إيمان"، واستمر معها حتى وفاته.

تعلم أصول الموسيقى منذ طفولته، على يد صديق والده "محمد الخربتلي" الذي كان يصحبه للغناء في الموالد والأفراح، فتعلق بالموسيقى وتأثر بأغاني محمد عبد الوهاب وأم كلثوم، التي كان يغنيها في احتفالات المدينة بمولد السيد البدوي، وكان ولعه بالموسيقي السبب الأساسي في تخليه عن الدراسة، حيث حضر إلى القاهرة عام 1938، وعمل في ملهى رتيبة رشدي، قبل أن تغريه بديعة مصابني بالعمل في صالتها.

وفي ملهى بديعة تعرف على فريد الأطرش ومحمد عبد المطلب ومحمود الشريف، واشترك معهم في تلحين الاسكتشات والاستعراضات وغنائها، ما شجعه على دخول امتحان الإذاعة كمطرب وملحن، ولكن على الرغم من نجاحه كملحن ورسوبه كمطرب، إلا أن هاجس الغناء كان مسيطرًا عليه فقرر إحياء أعمال سيد درويش التي أتاحت له الفرصة للتعاقد مع الفرقة المصرية للتمثيل والموسيقى، كممثل ومغني في مسرحية "شهرزاد" لسيد درويش.

لم يحقق الفنان المصري النجاح المطلوب في عرضه الأول، الأمر الذي أصابه بالإحباط، فتوارى زمنًا إلى أن عرضت عليه "فاطمة رشدي" التي كانت تؤمن بموهبته العمـل في فرقتها كممثل ومغني، وفي عام 1944، طلبه يوسف وهبي ليمثل دورًا صغيرًا في فيلم "سيف الجلاد"، فكان بمثابة فاتحة الخير عليه، إذ شارك بعد ذلك في فيلم "أصحاب السعادة"، الذي حقق نجاحًا غير متوقع عقب إجراءه لجراحة تجميلية في شفته العليا، وساعده هذا النجاح على تأسيس شركته السينمائية التي حملت اسم أفلام محمد فوزي عام 1947.

استطاع خلال ثلاث سنوات أن يتربع على عرش السينما الغنائية والاستعراضية، طيلة الأربعينيات والخمسينيات، حيث بلغ رصيده الفني حوالي 400 أغنية منها ما يقرب 300 في الأفلام، ومن أشهرها "حبيبي وعينيه، شحات الغرام، وحشونا الحبايب، اللي يهواك أهواه"، بالإضافة إلى مجموعة من أجمل أغنيات الأطفال منها "ماما زمانها جاية، ذهب الليل طلع الفجر"، وقد دأبت الإذاعة المصرية على إذاعة أغانيه.

وفي عام 1958، أسس شركة “مصرفون” أول شركة لإنتاج الاسطوانات، والتي أنتج من خلالها أغاني كبار المطربين في ذلك العصر أمثال "أم كلثوم، محمد عبد الوهاب" وغيرهما، كما اعتزل التمثيل من أجل التفرغ لإداراتها، إلا أن قيام الحكومة بتأميمها عام 1961، وتعيينه مديرًا لها بمرتب 100 جنيه، أدى إلى إصابته باكتئاب حاد كان مقدمة رحلة مرضيه طويلة انتهت برحيله بمرض سرطان العظام يوم 20 أكتوبر 1966 في ألمانيا.

في ذكرى ميلاده، التي تمر اليوم، تقف التحرير على بعض المحطات المؤثرة في حياة رائد الأغنية المصرية «محمد فوزي»...  

فوزي ومديحة

علاقة «مديحة يسري» بالفنان محمد فوزي، لها نكهة خاصة تلمسها من نبرات صوتها، وهي تصفها في حوارات سابقة بـ"نقطة تحول" في حياتها على المستويين الشخصي والفني، حيث أنجبا ابنهما الوحيد عمرو، واشتركا بأعمال فنية متعددة بعد الزواج، ورغم الشائعات -التي انتشرت بمحدودية لقلة وسائل الإعلام آنذاك- كان حبهما لبعضهما كبيرًا ما أطال عمر زواجهما، الذي عاد وانتهى بعد مرور 10 سنوات. 

وعند اكتشافها خيانة "فوزي" لها -الأمر الذي لم تحتمله- دفعها ذلك للطلاق، رغم السعادة التي كانت تملأ حياتهما كزوجين. فعلى الرغم من نجاحهما بتجاوز كافة الأزمات الفنية والزوجية، إلا أنها عجزت عن مسامحته على الخيانة، فتفهّم بدوره الأمر واتفقا على الانفصال الهادئ دون مشاكل، على أن يعيش عمرو معها -علمًا أنها كانت تقوم بزيارته في منزل زوجته لكي يراه ابنه ولا يتأثر بانفصال والديه.

فطلاقها من "فوزي" لم ينقلب عداءً، بل تحول إلى علاقة صداقة استمرت حتى وفاته، حيث كانت تتردد عليه خلال فترة مرضه الأخير بكثافة، كما وقفت إلى جانبه في أزمة تأميم أمواله التي خسر فيها الكثير وكانت السبب بسوء حالته النفسية.

أكابيلا بالمصري.. كلمني طمني

لم يُوصف الفنان محمد فوزي بعبقريّ التلحين من فراغ؛ فقد كان رائدًا للعديد من الألوان الغنائية المختلفة، مثل أغنيات الأطفال، صناعة الاسطوانات، الأداء الحركي الراقص، وكذلك فن «أكابيلا»، الذي قدمه فوزي في أغنية «كلمني طمني» لأول مرة في مصر.

أغنية فوزي التي شداها ضمن أغنيات فيلم «معجزة السماء»، قدمها دون فرقة موسيقية مكتفيًا فقط بصوت خلفي للكورال فيما يعرف بالأكابيلا، وهو فن استعراض سمعي يستغنى عن المصاحبة الموسيقية بالآلات ويستعين بدلًا منها بالصوت البشري من كل الطبقات.

وقد حقق الفنان العبقري تحديًا كبيرًا بتلك الأغنية؛ حيث يحتاج مثل هذا اللون إلى دراسة متعمقة لعلم الأصوات البشرية وكيفية استخدامها موسيقيًا.

تفسير غير منصف كان قد تطرق إلى تعمُد فوزي تقديم مثل هذا اللون، ويذكر أن الفرقة الموسيقية تأخرت عن موعد البروفة، فاضطر إلى عقابهم بالاستغناء عنهم واستبدالهم بالكورال، ولكن الموسيقار والناقد الموسيقي محمد قابيل نفى تلك الرواية بقوله: «محمد فوزي كان نجمًا كبيرًا ولم يكن يجرؤ أي عازف على التأخر عن موعد تسجيل له، كما أن الأغنية أذيعت عام 1956 أي بعد عشرات السنين من انتهاء مرحلة الإذاعة على الهواء في مصر بدون تسجيل».

وسبق وأفرد الراحل «عمار الشريعي» حلقة كاملة ضمن برامجه، لينصف بدوره رائد أكابيلا، أوضح فيها أن قصة عدم حضور الفرقة كانت ضمن دراما العمل السينمائي، ولم تكن الحقيقة، وأن هذا الفن لا يأتي حين غرة، بل يحتاج إلى أوقات تدرب طويلة تتعدى السنوات. 

المجدد الأشهر في تاريخ الموسيقى العربية

سبق قدم الدكتور زين نصار، في مجلة الكواكب، عام 2012، دراسة نقدية، خصصها لبحث تجديد فوزي في الأغنية خلال أعماله السينمائية، وقدم خلال دراستة 3 نماذج، تحمل تجديدًا وأفكارًا مبتكرة نعرض لكم منها النموذج الأول..

في فيلم "الآنسة ماما" الذي عرض عام 1950، وشاركت محمد فوزي البطولة المطربة صباح، وفي هذا الفيلم قدم محمد فوزي "أبطال الغرام"، وعرض فيه أشهر ثلاث قصص للحب هي "قيس وليلي، وكيلوباترا ومارك انطوان، وروميو وجولييت"، نقدم القصة الأولى منها وهي "قيس وليلى" ولحن نفس المشهد الذي سبق وقدمه الموسيقار الكبير محمد عبد الوهاب مع المطربة الكبيرة أسمهان، وشارك فيه الممثل القدير عباس فارس والخادمة وهو من نظم أمير الشعراء أحمد شوقي، وقدمه عبد الوهاب بأسلوب تقليدي رائع، وذلك في فيلم "يوم سعيد" عام 1940.

وجاء محمد فوزي ليقدم المشهد بصورة هزلية، وشاركه في الأداء "صباح، إسماعيل ياسين"، واستخدم كورس من النساء والرجال ليقوم بدور الراوي بمصاحبة الفرقة الموسيقية تبدأ موسيقى المشهد بعزف لحن ذي طابع عاطفي مؤثر، وتؤديه الآلات الوترية بسرعة متوسطة، وبعد لحظة صمت تزداد سرعة الموسيقى فنستمع إلى لحن سريع يغلب عليه روح المرح، وتؤديه الآلات الوترية ويبرز هنا دور آلة الرق بوضوح، ثم نستمع إلى كورس النساء والرجال:

اتفرج يا سلام ع الدنيا يا سلام

يا فيها يا سلام يا سلام يا سلام يا سلام

إسماعيل يس: اتفرج يا سلام

الكورس: ع الدنيا يا سلام

 صباح: ياما فيها يا سلام

الكورس: يا سلام يا سلام يا سلام

فوزي (بأسلوب تطريبي): اتفرج يا سلام...ع الحب يا سلام وأبطال الغرام..يا سلام يا سلام يا سلام.

صباح: فين حب زمان من دلوقتي..كان حب زمان غير دلوقتي.. ياريت يا زمان تيجي دلوقتي.

الكورس: ياريت يا زمان تيجي دلوقتي

فوزي: الحب كان ياما كان زي الهوى والنور..له في التاريخ يا زمان.أجمل حروف وفصول

صباح: دلوقتي خلاص ما بقاش إخلاص وبكل سهولة يقولوا خلاص..الحب زمان..يا بنات ما خلاص.

فتاة: ويمين في العاشقين الولهانين.

إسماعيل يس: زي مثلا قيس وليلى المشهورين.

الكورس: اتفرج يا سلام على ليلى يا سلام وقيسها يا سلام يا سلام يا سلام يا سلام ..يا سلام

هنا يبدأ مشهد "قيس وليلى"، ويتغير مباشرة طابع الموسيقى من السرعة إلى البطء ويغلب على اللحن التعبير العاطفي المشحون، وتعزفه الآلات الوترية لتمهد للغناء ويسمع صوت آلة الناي، التي ترمز هنا لناي الراعي في البيئة الصحراوية، وهي تؤدي لحنا ذا طابع تأملي وصاف يتناسب مع طبيعة الحياة  في الصحراء حيث تدور الأحداث.

أم كلثوم وفوزي.. وبليغ حمدي

رغم أن التلحين لسيدة الغناء العربي أم كلثوم أحد أهم الأمنيات لفناني هذا العصر، إلا أنه فضل تلميذه الملحن بليغ حمدي عليه ليحقق هذه الأمنية أكثر من مرة، حتى أن فوزي مات دون أن يحقق هذه الأمنية الغالية.

محمد فوزي هو أول من قدم الموسيقار الراحل بليغ حمدي لكوكب الشرق أم كلثوم، فكان سماع فوزي مقطعًا فقط من أغنية «حب إيه»، كفيل أن يدفعه لاصطحاب الملحن الشاب حينها معه لأم كلثوم لتستمع له الأخيرة.

اللقاء الأول بين بليغ وكوكب الشرق كان في حفلة في منزل الدكتور زكي سويدان أحد الأطباء المعالجين لأم كلثوم، وهناك اعتذر فوزي لأم كلثوم عن تلحين الأغنية مقدمًا لها بليغ، قائلًا: « عندي ليكي حتة ملحن يجنن مصر حتغني ألحانه أكتر من 60 سنه قدام».

هناك بدأ بليغ في تلحين الكوبلية الأول من الأغنية، ليشاء القدر وتغني أم كلثوم أغنية «حب إيه» في ديسمبر 1960 وتحقق نجاحا ساحقًا، مثلت بداية تلميذ فوزي مع سيدة الغناء العربي.

وبعد أن اتفق فوزي وأم كلثوم على أن يلحن لها محمد فوزي أغنية «أنساك»، سبقه تلميذه بالصدفة ولحنها أيضًا، لتكون ثاني تعاون بين بليغ حمدي وأم كلثوم على حساب أمنية فوزي.

ففي زيارة لبليغ لأستاذه ومعلمه «محمد فوزي»، قام الأخير لمقابله أحد الضيوف، وترك بليغ يقرأ كلمات أغنية «أنساك» التي أعجبت بليغ تمامًا، وأخذ العود وبدأ يدندن، ولما عاد فوزي كان بليغ أنتهي من تلحين الأغنية، واعتذر بليغ لفوزي عن تلحينه للأغنية.

الموسيقار الكبير محمد فوزي لم يغضب من تلميذه أو يرفع عليه قضية مثلما يحدث حالياً، وإنما اتصل بصدر رحب بكوكب الشرق قائلاً لها: «بليغ قام بتلحين الأغنية أفضل مني»، وتنازل لبليغ عن اللحن، وبذلك رحل فوزي دون تحقيق أمنيته في التلحين لسيدة الغناء العربي.

بليغ قدم لأم كلثوم 11 لحناً من أروع ما تغنت به كوكب الشرق، وهم؛ «حب إيه 1969، ألف ليلة وليلة 1961، أنساك يا سلام 1962، أنا وأنت ظلمنا الحب 1963، كل ليله وكل يوم، بعيد عنك 1964، وسيرة الحب 1971، الحب كله 1967، فات الميعاد وأنا فدائيون 1973، حكم علينا الهوى».

مبدع ظلمته ثورة يوليو

محمد فوزى ذلك المبدع الذى ظلمته ثورة يوليو، بتأميم شركته لإنتاج الاسطوانات "مصر فون"، عام 1961، نظرًا لتفوقها وجودة إنتاجها، وتعيينه مديرًا لها بمرتب 100 جنيه، الأمر الذي أصابه باكتئاب حاد كان مقدمة رحلة مرضه الطويلة التي انتهت برحيله بمرض سرطان العظام في 20 أكتوبر 1966.

كان محمد فوزى قد أسس شركة مصرفون لإنتاج الاسطوانات عام 1958، وفرغ نفسه لإدارتها، حيث كانت تعتبر ضربة قاصمة لشركات الاسطوانات الأجنبية التي كانت تبيع الاسطوانة بتسعين قرشاً، بينما كانت شركة فوزي تبيعها بخمسة وثلاثين قرشًا، وأنتجت شركته أغاني كبار المطربين في ذلك العصر مثل أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وغيرهما..

قسمًا.. النشيد الوطني الجزائري

عرضت المقاطع الشعرية لمفدي زكريا على ملحنين هما "محمد عبد الوهاب وعلي إسماعيل"، لكن محمد فوزي احتج لأنه لم يسمح له بتلحين نشيد ثوري توجب عروبته المشاركة في معركة التحرير.

القائمون ترددوا في البداية، ذلك أن "محمد فوزي" كان مختصًا في الأغاني الخفيفة، والألحان العاطفية، على حد قولهم وقتها، وليس بالملحن المناسب لنشيد تتفجر فيه الضغائن على العدو ويلهب الحماس في الجبال فكان الرد عليه بالموافقة شريطة أن يعجب اللحن قادة الثورة، وفعلا كان اللحن قويًا جدًا، بقوة سواعد رجال الثورة. 

ولحنه محمد فوزي على نفقته، ودفع للموسيقيين أجورهم، ونال إعجاب قادة الثورة حتى أن الراحل "عيد الحفيظ بوصوف طالب إعادته مرات عديدة في اليوم ليحفز المجاهدين".

النهاية.. مرض لا عالج له

احتار أطباء العالم في تشخيصه، وقرر السفر للعلاج بالخارج، وبالفعل سافر إلى لندن في أوائل العام 1965، ثم عاد إلى مصر، لكنه سافر مرة أخرى إلى ألمانيا بعدها بشهرين، إلا أن المستشفى الألماني أصدر بيانًا، قال فيه: إنه لم يتوصل إلى معرفة مرضه الحقيقي، ولا كيفية علاجه، وأنه خامس شخص على مستوى العالم يصيبه هذا المرض، حيث وصل وزنة إلى 36 كيلو، وكان المرض هو تليف الغشاء البريتونى الخلفي. 

«مرض فوزى»، هكذا سماه الدكتور الألماني باسم محمد فوزى، وهكذا دخل محمد فوزي دوامة طويلة مع المرض الذي أودى بحياته إلى أن توفي في 20 أكتوبر عام 1966.