loading...

مشاهير

«الشعر الجاهلي».. أكبر معركة أدبية بين شيخ العربية وعميد الأدب العربي

«الشعر الجاهلي».. أكبر معركة أدبية بين شيخ العربية وعميد الأدب العربي


يوافق اليوم، الثامن والعشرون من أكتوبر، ذكرى وفاة الأديب المصري طه حسين علي سلامة، والذي وُلد في قرية الكيلو التابعة لمحافظة المنيا وفقد بصره وهو في سن الطفولة، ودخل الكتاب كعادة الصبيان في القرى لتعلم القرآن والحساب واللغة، وما مرت السنوات إلا وقد ختم كتاب الله بصورة أذهلت أساتذته.

 

مر الدكتور طه حسين بالعديد من الأزمات والمعارك الأدبية "الطاحنة"، بعضها مع أقرانه والبعض الآخر مع تلاميذه، ونقدم اليوم إحدى هذه المعارك الملتهبة وهي قضية "الشعر الجاهلي" التي كانت سببًا في الجفوة الأبدية بينه وبين تلميذه الشيخ المحقق محمود محمد شاكر.

جذور القضية

بدأت القصة عندما نصح طه حسين تلميذه محمود محمد شاكر بالالتحاق بكلية دار العلوم، على الرغم من شغفه بالرياضة واللغة الإنجليزية، ووعده بالإشراف عليه حتى يشتد عوده ويخرج للأمة في ثوب الأديب المحقق الذي كان ينشده.

وفي السنة الأولى، وبينما كان طه حسين يحاضر لفرقة شاكر عن الشعر الجاهلي، ذكر مقولة تبين محمود شاكر أنها للمستشرق الإنجليزي مارجليوث، وهي أن الشعر الجاهلي كله منحول على قائليه، أي لم يكن في الجاهلية أشخاص كزهير وعنترة وامرؤ القيس، وإنما هي أشعار ألفها المسلمون ونسبوها لهذا الأسماء الوهمية.

وانتفض الطالب محمود محمد شاكر يعترض على أستاذه ويذكره بأن هذه المقالة ليست له، وإنما هي للمستشرق مارجليوث، فعنفه طه حسين بقوة ورماه بسوء الأدب ورفض شاكر الاستمرار إلا بعد اعتراف استاذه طه حسين بالسرقة الفكرية من مارجليوث، ومع رفض طه حسين قرر شاكر ترك الجامعة تمامًا والاستقلال بدراسة التاريخ واللغة والأدب منفردًا.

شاهد على السرقة

وأول هؤلاء الشهود هو الدكتور إبراهيم عوض، أستاذ النقد الأدبي بجامعة عين شمس، وقد رد على طه حسين في كتابه "معرَكة الشِّعر الجاهلي بيْن الرافعي وطه حسين"، حيث كان يرى أن طه حسين كان يحترم الشعر الجاهلي ويعتقد صحته قبل سفره إلى الغرب في البعثة العلمية وكذلك قبل أن يصد مرجليوث كتابه بأسابيع  قليلة ونقل من كتاب صه حسين "قادة الفكر" هذا النص :"إنه ما كانت الحضارة الإسلامية، التى ظهر فيها مَنْ ظهر مِنَ الخلفاء والعلماء وأفذاذ الرجال، لِتُوجَد لو لم توجد البداوة العربية التى سيطر عليها امرؤ القيس والنابغة والأعشى وزهير وغيرهم من الشعراء الذين نبخسهم أقدارهم ولا نعرف لهم حقهم، هكذا بالنص على ما سوف يأتى بيانه".

وأردف الدكتور عوض، قائلًا لبعض طلابه ممن كانوا يتهمونه بالظلم في حق طه حسين : "إن هذا الكتاب، كما يتضح من مقدمته، قد صدر قبل ظهور البحث الذي وضعه مرجليوث عن الشعر الجاهلى بأسابيع قليلة جدًا جدًا مما يدل على أن الدكتور طه لم يكن -حتى ظهور دراسة مرجليوث- يشك أدنى شك فى صحة الشعر الجاهلى أو فى وجود شعرائه، ثم إنه لم يكتف بذلك، بل ها هو ذا يؤكد أنه لولا وجود ذلك الشعر ما وُجِدت الحضارة الإسلامية، وهو كلام كبير وخطير!".

ويتضح من هذه النقول، أن الدكتور طه حسين كان يجل الشعر الجاهلي ويراه سببًا رئيسيًا في تقدم الحضارة العربية واللغة والأدب، وذلك قبل أن يطلع على ما كتبيه مارجليوث ما يؤكد كلام محمود شاكر عن ما أسماه "السرقة الأدبية".

ثالثة الأثافي

ساق الدكتور إبراهيم عوض، أدلة كثيرة على انفراد طه حسين بهذا الرأي بالسند المتصل الى مرجليوث وعزز ذلك بان جرجي زيدان صاحب كتاب "تارخ أداب اللغة العربية"، حيث أكد أنه من أشد المطلعين على كتابات المستشرقين وأن كتابه هذا مملوء بالنقولات عنهم، ومع ذلك لا تجد أي أثر لما كتبه أئمتهم عن صحة الشعر الجاهلي وصحة نسبته لأصحابه ومن أشهرهم نولدكه ورينان وآلفارت.

وكذلك لما نقل طه حسين عن كتاب جرجي زيدان في مقالاته بمجلة الهداية عام 1911، ولم يعترض على نسبة الشعر إلى أصحابه ولكن اكتفي بمعارضته في تقسيم شعراء الجاهلية إلى رؤساء وصعاليك وأمراء.

600

ردود وتعقبات

انبرى عدد من الأدباء للرد على كتاب طه حسين "في الشعر الجاهلي" منهم وعلى رأسهم الشيخ محمود محمد شاكر في كتابه " المتنبي"، وكذلك الدكتور محمد فريد وجدي في كتابه " نقد الشعر الجاهلي"، الشيخ محمد الخضر حسين ردَّ عليه في كتابه "نقض كتاب في الشعر الجاهلي"، كتاب "طه حسين.. حياته وآراءه في ميزان الإسلام "للأستاذ أنور الجندي وغيرهم كثير جدًا.

وتبقي المادة الأدبية مثار صراع بين أربابها من أساطين الفكر والأدب في كل العصور وهي النار التي لا تخمد ما دام العقل البشري منتجًا ومتوهجًا.