loading...

ثقافة و فن

حسن أبو عتمان.. «أسطى الأغنية الشعبية»

حسن أبو عتمان.. «أسطى الأغنية الشعبية»


كتب- وليد عبد المنعم:

"كراكشنجي دبح كبشه"..  وأنت تستمع إلى هذه الأغنية بتوزيعها المودرن وبمصاحبة عدوية لفريق وسط البلد، هل خطر ببالك مَن هو مؤلف هذه الأغنية العجيبة؟ وهل تخيلت أن مَن كتبها شاعر من الأساس أم لا؟

دعونا نذهب إلى عالم هذا الكاتب، ربما نجد بعض الإجابات، ولنكتشف سويًّا تجربته الشعرية الجد مختلفة..

عم حسن أبو عتمان

هذا الاسم الذي يجهله الكثير منا رغم أنه يعتبر مدرسة مستقلة جدًّا في الشعر الغنائي، سواء اختلفت معها واتهمتها بالابتذال وتشويه الذوق العام، أو جلست في أحد فصولها تحاول فهم منهجها وتعلم دروسها، حسن أبو عتمان هذا الرجل المجهول الذي صنع لونًا لم تعتده الأغنية المصرية من قبل، وتركنا حتى يومنا هذا حائرين نتجادل: هل كانت كلماته إبداعًا حقيقيًّا لم نستطع إدراكه في حينه أم  كانت مجرد نوع من الابتذال، كما صنفها البعض وحاربها البعض الآخر، لكن المؤكد أننا جميعًا ما زلنا نتغنّى بأغنيات أحمد عدوية، ونبتسم لخفّة ظل الكلمات وقدرة كاتبها على صناعة البهجة، ونغرق في حالة من الشجن حين نستمع إلى أحد المواويل رغم غرابة التراكيب أحيانًا ومفاجأة الكلمات أحيانًا أخرى.. هذا المعني الذي أكده الموسيقار الكبير محمد عبد الوهاب حين قال: "أحمد عدوية هو هذا المطرب الذي يسمعه المهمشون في العلن ويسمعه المثقفون في الخفاء"!


صالون الحلاقة وخواطر عم حسن
عم حسن من مواليد عام 1929 في المحلة الكبرى، كانت بداية صناعة الدراما في حياته حين أصيب بمرض في عينه وهو في المرحلة الابتدائية، مما دفع أهله لإخراجه من المدرسة خوفًا عليه، وبعد فترة التحق بشركة مصر للغزل والنسيج، ليعمل بها كعامل نسيج، لكنه لم يفضل أن يكون مقيدًا كموظف حكومي يقوم بأعمال روتينية يومية، لذلك ترك عمله في الشركة وهو في الرابعة والعشرين من عمره، لقد كان يريد أن يعمل حرا طليقا، لذا قرر أن يفتتح صالون الحلاقة الخاص به. وبين رأس زبون وآخر كان "عم حسن" يمارس هوايته المفضلة بكتابة الأزجال والخواطر التي كان ينهيها أحيانًا بدماء الزبون نفسه!


لم يتعامل "أبو عتمان" مع مهنته (الحلاقة) بشكلها الاعتيادي، بل تعامل معها باعتبارها نوعًا آخر من الفن، حيث كان يقول لجيرانه في المحلة إن مهنة الحلاقة ليست مجرد حرفة قص أجزاء من الشعر، وإنما هي الفن الذي يصنع وجوهًا أكثر جمالا، ربما لم يعِ الآخرون فلسفة الجمال في كلمات "أبو عتمان"، لكنهم كانوا يعون جيدا أنه (صنايعي شاطر)، لذلك اشتهر صالون "أبو عتمان" في كل أرجاء المحلة وتوافدت عليه الزبائن من كل أنحائها.


كان "أبو عتمان" أيضا خطاطا ماهرا وموهوبا فى الكتابة بالخطوط العربية، وكان يستطيع الرسم، حتى إنه كان يكتب اللوحات الإرشادية الخاصة بشركة «مصر للغزل والنسيج»، كما أنه قام بكتابة اللافتة الخاصة بمحل الحلاقة الذي كان يمتلكه.


أنجب "أبو عتمان" محمد وأخلاق، تلك الفتاة التي أعطاها هذا الاسم حتى ينادي الجيران على زوجته "يا أم أخلاق"!


«عرباوي».. بوابة «أبو عتمان» لعالم الشهرة 
في عام 1964 قرر "عم حسن" ترك صالون الحلاقة الخاص به، وانتقل للعيش في القاهرة، واستقر في شقة بسيطة في منطقة "أبو أتاتا"، ليحاول عرض موهبته على صناع الفن والغناء في القاهرة، جاء "أبو عتمان" إلى القاهرة لإيمانه بأنه يمتلك ما لم يكن موجودا في أغانيها، ترك أسنان المشط والمقص وفرشاة الحلاقة، واستبدلها جميعًا بقلمه وورقته!


كان الهدف الرئيسي لـ"أبو عتمان" هو صوت "محمد رشدي"، لقد كان يشعر بأن هذه الحنجرة ستكون بوابة وصول كلماته إلى الجمهور، كان يستمع إلى صوت رشدي القادم من المذياع المعلق على جدار صالون الحلاقة وينظم الكلمات في رأسه، الكلمات التي كان يؤمن في قرارة نفسه بأنها ستلامس حنجرة رشدي يومًا ما، وبالفعل كان رشدي هو أول مَن يغني من كلماته، وكان تعاملهما الأول في أغنية "عرباوي" من ألحان حلمي بكر، واستمر التعاون بينه وبين رشدي في "حسن ونعيمة" و"والله وفرحنالك يا ولَه"، وبعض المواويل الأخرى.


أبو عتمان ومحمد رشدي
لم يكن الوصول إلى رشدي بهذه السهولة، لكن يحكي البعض أن قصة تعارف "أبو عتمان" بمحمد رشدي لم تكن قصة تعارف عادية بين شاعر ومطرب، بل يقال إن "أبو عتمان" ظل يطارد رشدي أوقاتا طويلة في كل الأماكن التي يغني بها محاولا الاقتراب منه، وعرض موهبته عليه دون جدوى، إلى أن استطاع ذات مرة أن يلقي بورقة داخل سيارة رشدي وهي تتحرك من أمام أحد المسارح، تلك الورقة التي كانت تحمل كلمات أغنية "عرباوي" ورقم هاتف القهوة التي توجد بجوار منزل "أبو عتمان" في "أبو أتاتا". وبالفعل جاءت المكالمة المنتظرة، وبدأت أهم أحلام "أبو عتمان" في التحقق.. صوت رشدي يشدو بكلماته!


لم يدم هذا الحلم طويلاً رغم النجاح الكاسح لأغنية "عرباوي"، ولا أحد يعلم على وجه الدقة لماذا انقطع التعاون بينهما، بينما يحلو لبعض الخبثاء إشاعة أن السبب الرئيسي وراء انصراف رشدي عن "أبو عتمان" هو نصيحة وجهت إليه من الملحن حلمي بكر بعدم التعاون مجددا مع "أبو عتمان"، لأن الصحافة ربما تعلم بمهنته القديمة (الحلاقة)، ويستغل الخبر منافسو رشدي للسخرية منه، وربما استمع رشدي بالفعل إلى تلك النصيحة، حيث إنه كان يخوض في هذا الوقت منافسة شرسة لم تخلُ من المكائد مع العديد من المطربين، أبرزهم عبد الحليم حافظ.

 

الحلاقة والنظرة الطبقية لـ«أبو عتمان» 
ظل هذه الحال مع "أبو عتمان" مدة لا تقل عن عشر سنوات، تعرض فيها لكل محاولات وقف موهبته، إما من شعراء منافسين أدركوا جيدًا حجم موهبته وأن تمكنه من العبور المريح للوسط الغنائي ربما يمنعهم من حالة الهيمنة الفنية التي يعيشونها، وكما يقال إن أبرزهم كان الخال عبد الرحمن الأبنودي الذي عرض في الكثير من الأحيان أغانيه على المطربين دون مقابل حتى يغلق الباب أمام منافسيه، وإما من ملحنين خشوا أن تؤثر مهنة "أبو عتمان" القديمة على سمعتهم وسط المعركة الشرسة التي يخوضونها للبقاء.


عشر سنوات لم تصل كلمات "أبو عتمان" إلا بشكل محدود للغاية لا يتجاوز سبع أو ثماني أغاني فقط هي التي استطاعت العبور بصعوبة من داخل هذا الحصار، مثل "علي كوبري أبو العلا" لمحمد قنديل، و"عليه العوض" لمحرم فؤاد، و"فكهاني" لمحمد العزبي، و"انزل يا قمر" لعبد اللطيف التلباني.


لقد تحالفت الشللية والنظرة الطبقية لمهنته القديمة ضد موهبته، لكن الرجل لم ييأس أبدًا من قدراته وموهبته وظل طوال السنوات العشر يكتب ويحاول إيجاد الضوء داخل النفق.


في منتصف السبعينيات ومع التغيير العنيف الذي بدأ يدب في أرجاء المجتمع المصري وصعود تيار الانفتاح، ومحاولة تحكمه في المشهد الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، كان الفن أيضًا يغير من جلده بشكل شبه كامل، خصوصًا الغناء، فظهر مصطلح سوق الكاسيت للمرة الأولى، وظهرت أمواج غنائية مختلفة تمامًا عما كان سائدًا، ظهر من يحاولون كسر المحاذير، وصناعة فنهم الخاص.


ثورة أبو عتمان ضد مراكز القوى الفنية القديمة
وشهدت الأغنية المصرية ألوانا لم تألفها من قبل، فظهرت الأغنية السياسية بشكلها الجديد من خلال صوت الشيخ إمام، وتمردت الأغنية الإنسانية بصوت محمد منير على الشكل الرومانسي الغالب على الغناء، وظهر عدوية ليقود بصوته وبكلمات "أبو عتمان" شريحة المهمشين والطبقة الشعبية التي كانت تثور بشكل غير معلن على الطبقة الوسطي (المحافظة )، حسب التعبير الماركسي، صاحب هذا كله رحيل أهم رموز أصحاب المرحلة السابقة بوفاة فريد الأطرش وأم كلثوم وعبد الحليم حافظ في أعوام 1974، و1975، و1977.


 

زحمة يا دنيا زحمة.. البداية الحقيقة لأبو عتمان 
إذن لقد تهيّأ المناخ العام الآن لظهور كلمات مختلفة وغناء آخر وشاعر كاسر للثوابت كحسن أبو عتمان، ولم يتبق إلا الصوت وأسلوب التناول الموسيقي، وهذا قد حدث بالفعل، حين التقى "أبو عتمان" أخيرًا بضالته في صوت "عدوية"، هذا الثنائي الذي اكتمل إنتاجه بوجود المنتج عاطف منتصر، وعازف الأكورديون والملحن محمد عصفور، ليقدموا لنا أول أغنية مصرية يتخطى بيعها حاجز المليون أسطوانة، وهي "زحمة يا دنيا زحمة"!


ومع هذه المليونية المفاجئة تأكد للجميع أن النهر يغير من مجراه وأن القادم سيكون مختلفًا، وأن هناك ثورة شبه شعبية قامت على مراكز القوى الفنية القديمة.


لقاء أبو عتمان بعدوية لم يخلص أيضًا من الدراما، فقد كان عدوية عازف رق في إحدي الفرق الشعبية، ولم يكن مطربًا بعد، وبغياب مطرب هذه الفرقة في أحد الأفراح حل عدوية بديلا عنه، إعجاب (معازيم) هذا الفرح الشعبي بصوت عدوية جعله يستمر في الغناء، وفي أحد الأفراح التي كان يحضرها أبو عتمان، استمع إلى صوت عدوية يغني "السح الدح إمبو"، فوجد أبو عتمان ضالته التي كان يبحث عنها في صوت عدوية ونشأت بينها صداقة وطيدة.


استمر التعاون بين "عم حسن أبو عتمان" وبين عدوية ليقدما لنا أغاني كثيرة صاحبتها الشهرة والضجة والنجاح والهجوم من النقاد وممن يطلقون على أنفسهم "مثقفين" مثل «كله على كله» و «يا بنت السلطان» و «يا ليل يا باشا» و «كراكشنجي» و«عيلة تايهة» و«أديك تقول ماخدتش» و«سلامتها أم حسن».


لن نكتفي في حديثنا هنا بهذا العرض التاريخي لمسيرة "أبو عتمان" ونغفل العرض الفني وتحليل كتاباته والغوص في تراكيبه، لكننا سنترك لهذه المساحة جزءًا منفصلا نسنعرضه سويا في مرة أخري.


مرض أبو عتمان
في عام 1990، دخل عم حسن مستشفى الهرم لمعالجة صدره المريض، ولكنه لم يستمر في العلاج طويلا، وقبل وفاته بساعة قال آخر كلماته حين طلبت منه الممرضة الراحة والنوم فقال لها: «أنام أنا.. إزاى أنام.. وفين أهرب من الأيام.. ده أنا لو يوم غلبني النوم.. باكون آخر عيون بتنام».