loading...

مقالات

سأم إسكندرية (عن إسكندرية التسعينيات)

سأم إسكندرية (عن إسكندرية التسعينيات)


فوتوغرافيا: سلوى رشاد

فى عام 1990، وقبل حرب الخليج الأولى مباشرة؛ كنت أمشى فى شوارع محطة الرمل بالإسكندرية متقافزا من الفرح بعد خروجى من القنصلية الفرنسية بالمنشية على البحر وقبولهم لأوراق الالتحاق لدراسة اللغة الفرنسية فى جامعة السوربون فى برنامج مخصص لتعليم اللغة للأجانب لمدة 3 شهور، كان قد دلنى عليه أحد الأصدقاء المجربين من القاهرة. كان السؤال الأساسى الذى وجه لى من طرف المسئولة الفرنسية، ولماذا لاتدرس اللغة هنا فى الإسكندرية؟ وكانت إجابتى المعهودة والمقررة أن اللغة وسط أهلها ليست لغة وإنما هواء وطعاما نتنفسه ونأكله ونهضمه طوال اليوم. 

كنت أتصور باريس مدينة لاتنام ويمكننى أن أرى فيها هذا السقف العالى، بعد أن أصبح سقف مدينتى، ومصر كلها، واطئا، وكلما تحركت أو حاولت أن أستجلب الهواء من مكان عال أكثر نقاء اصطدم رأسى بهذا السقف. كانت جملتى الخالدة التى أرددها وأنا أضع كف يدى فوق رأسى مباشرة "بأن السقف أصبح واطئا، والجدران اقتربت أكثر".

كان بينى وبين السفر مسافة أسبوعين أو ثلاثة على الأكثر. كانت تلك الفترة من أجمل الفترات، حرا وخفيفا أتقافز كعصفور بدون خطة فى التنقل، أى مكان كان يسع روحى وجسدى، وارتفع السقف، وتراجعت الجدران، طالما انفتح هذا الجسر بينى وبين حلم ثقافى ظل يراود الكثيرين وجئت أنا لأقف فى آخر الصف ويقف أمامى بدون ترتيب: توفيق الحكيم وعبد القادر الجنابى وكاظم جهاد وصبحى حديدى ود. مصطفى صفوان، وألبير قصيرى، وغالى شكرى، وطاهر بن جلون. كثيرون كانوا يقفون فى الصف الذى أحتل آخره.

أتذكر أثناء مرورى بمقهى مطعم" إيليت" أنى قابلت مرشدا سياحيا له أصول شامية، كانت باريس بالنسبة له كغرفة زائدة فى بيته، قابلته يجلس مع شخص آخر حاصل على الدكتوراه من باريس فى الاقتصاد "المركنتلي"، ومن عائلة شامية معروفة ومكئتب على الدوام. كثيرون عادوا من باريس السبعينيات والثمانينيات مصابين بالاكتئاب. ظل يسمع منى عن باريس التى أحلم بها، بينما الآخر يعضده فى صمته، حتى خلت أننى أتكلم مع نفسى. كان صمتهما بليغا لدرجة صادمة، بدأت أشك قليلا فى حلمى الذى حاولت أن أثبت لهما جدواه وجدوى سفرى لباريس. مرة واحدة أطحت بهما من صندوق ذاكرتى وخرجت سريعا، لاستعيد حالة تقافزى، وتوجهت حيث الأصدقاء لأخبرهم بالمفاجأة.

كان أغلب الأصدقاء فى تلك الفترة قد غادروا مصر، للبلاد العربية. وكنت أنا الوحيد المستبقى فى الإسكندرية. ربما نظير هذا التخلى عن المدينة والصداقة، قرروا أن يساهموا فى مصاريف سفرى، ولو بجزء بسيط. اتفقوا سوية على هذا وتقبلت هذا العرض المشحون بالشجن والصداقة، كما تقبل الابن "محسن محيى الدين" حلق الأم "محسنة توفيق" وكل تضحيات العائلة، فى فيلم "إسكندرية ليه"، ليتم تدبير ثمن تذكرة السفر إلى كاليفورنيا ليدرس السينما. كان اتفاقهم من أجلى أكثر من "حلق"، أو "أسورة" على قلبى وعلى لسانى. حلية وقيد فى آن. هذا العرفان الذى سيأخذ زمنا حتى أتخلص منه وأتعرف عليهم بهدوء ومحبة لأنهم جديرون بهذا، خارج إخلاصهم لى. كان ضمن الأوراق التى قدمتها للسفارة رصيد لحساب وهمى فى البنك، جعلنى بقدرة قادر ومن يوم وليلة صاحب رصيد من الدولارات يحتوى أربع أرقام، ولكى نسبك العملية لم نغال، أو" نبحبح"، حتى فى الكذب، وفى عدد الأصفار.

غزت العراق الكويت فى 2 أغسطس 1990، قبل موعد تسلم التأشيرة بيومين تقريبا. وبدأت سلسلة من التحولات الدرامية، فقد تم تأجيل كل إجراءات السفر فى جميع السفارات الأجنبية لأجل غير مسمى، خاصة السفريات التى تحتاج لتأشيرة طويلة مثل حالتى.خرجت مرة أخرى من القنصلية، ولكن بشعور جديد على تماما. لم تكن الضربة فى الصميم مباشرة، ولكن بمسافة سنتميترات عن هذا " الصميم". ما أشعرنى بهذا أننى أحسست بطمأنينة ما، بعد علمى بتأجيل سفرى لأجل غير مسمى؛ ربما لتعجل تلك الخطوة، أو لتعليقى كل الآمال عليها كأنها خطوة خلاص. ربما هذا الشعور جعلنى أستقبل السهم فى موضعه الصحيح، فى صف تلك الآمال التى طمحنا إليها وسعينا إليها سعيا ولكن لم تكن هى آمالنا الحقيقية، بل كانت جزءا من طريقنا للخلاص والقطيعة.

كانت جملتى الأثيرة، التى تمتمت بها، بينى وبين نفسى، فى ذلك الوقت " فلأجعل باريس هنا فى الإسكندرية". كل ماكنت أريد أن ألقاه هناك وأتعلم منه، أحاول أن أجد له شبيها فى الإسكندرية أو مقاربا له، ويمكن تعويض فارق الخبرة أو التقدم أو التأخر بالإمعان والاخلاص للتجربة، وتحميلها مالاتحتمل. لأن داخل هذا الجزء "غير المحتمل"، تلك الخطوات فى الهواء التى تحسب الحياة بمسافة ومنظور جديدين؛ كانت ترقد باريس السكندرية.

كانت هناك أسورة أخرى تلتف على قلبى وتعصره، وهى والدى، فقد كان مريضا فى تلك الفترة بأعراض انسحاب من الحياة، إثر ارتفاع مفاجىء فى الضغط. كان يقضى أغلب أوقاته فى ظلام غرفة النوم. أتذكر اليوم الذى أخبرته بأنى مسافر : " خلاص يابنى هتسيبنا"، قالها بصيغة المتسائل المستعطف أن أعدل عن قرارى. استجابت الحروب لضغط سواره الذهبى على قلبى، وظللت بجانبه حتى مثواه الأخير، ولكنى أيضا كنت مسافرا، فنزعة السفر، حتى وأنا عائش فى نفس المكان، لم تفارقنى منذ تلك الفترة الحيوية والملهمة فى حياتى.

وسَّعت على نفسى المدينة. المزيد من الحركة الشخصية، المزيد من المعارك المؤجلة، التنقل بين ماضى وحاضر المدينة، استجلاب المعانى الأبعد وخلطها بليل المدينة ونهارها، النقاشات التى لاتنتهى مع الآخرين ومع النفس، بدون حساب الربح والخسارة، باستبياع من لن تطلع عليه شمس أخرى، واصطياد الاختلاف فى المذاقات، والأرشفة للماضى صوتا وصورة، وعلاقته بالحاضر، لكل هؤلاء المجهولين الذين وقفوا صفا واحدا فى طابور المدينة بداية من مؤسسها الإسكندر، نهاية بأبى الذى كنت أقف وراءه فى الصف تماما متتبعا سيرة حياته بداخلها، بل وباعثا لها.

كل يوم كان هناك جديد نراه، كان هذا "الجديد" يتألق بجوار الملل والسأم اللذين يغزوان أرواحنا، ليس لأن المدينة فقط تبعث على السأم، ولكن لأن السأم والملل أصبحا إدمانا حديثا لكل المجتمعات، الثمرة التى نجنيها بجوار نسخ الأمل للحياة الحديثة المكدسة بالبضائع والسلع.

كنا باحثين، بمعنى ما، لانحمل منهجا ولكن نحمل شغفا باكتشاف والاستطعام بهذه "الخبيئة" التى تحتفظ بها المدينة وستظل تحتفظ بها أى مدينة تكونت ولها هذه الطبقات من التاريخ والوعى والاختلاف. فى لحظة ما وجدت لى دورا، ليس بوصفى من يقف فى آخر صف الملهمين فى المدينة، ولكن أقف كحلقة وسط بين ماض وبين آخرين قادمين لم أرد أن أخذلهم وأتركها وأرحل لمدينة أخرى. هذا الدور الملتف الذى أسندته لنفسى بدون ادعاء أى بطولة، وفى لحظة كانت فيها إسكندرية الحالية مظلمة تماما؛ كان أحد العلاقات التى ثبتت معرفتى وعلاقتى بالمدينة.

كانت القاهرة هى المنافس على الدوام وحدث تنازع وفترات هدنة مخفية. فكرت كثيرا فى أن أحول سفرياتى الطويلة للقاهرة إلى إقامة دائمة كما حدث مع أصدقاء لى، ولكن كان هناك دور ما ينتظرنى وحياة جديدة، لم تخلُ من الملل والسأم، ولكن بجوار صنوف أخرى من الاكتشافات والمعارف بطيئة التكوين، لم يسممها هذا السأم.

القاهرة فى منتصف التسعينيات كانت قد أظلمت "وسط بلدها" الثقافى، وخرجت حيويتها تبحث عن لقمة عيش وإجابة على سؤال الحاضر القاسى الذى خلفته حرب الخليج، وهدم سور برلين، وتقسيم الإتحاد السوفيتى. كل هذا خلخل الهواء، انفجرت قنبلة هوائية فصلت كل التواطؤات اللزجة فى المجتمع، و"فشخت" الجماعة الثقافية ومنتوجها المعرفى، ووضعتهما مباشرة على طريق السلطة السياسية. حدث تقارب شديد بين المعنى ورأس المال، بل تم وضع "المعنى" تحت إمرة رأس المال/ السوق. وكشف المجتمع عن وجه حقيقى به مساحات واسعة من الزيف والتواطؤ، وانعدام العلمية التى كان يمكن أن ترمم بعضا من آثار هذا الاهتزاز الذى أصاب العالم كله فى ذلك الوقت.

المركزية تورث أيضا مركزية الأفكار، وهوما كانت "القاهرة" جديرة به عندما كان هناك تمثيل للشعب أو "للغالبية العظمى" داخل المتون السردية أو الرواية. كانت القاهرة هى المدينة الأحق بسرد تاريخ مصر الرسمى وغير الرسمى كونها تمتلك الأفكار الأساسية والطبقات الممثلة لهذا السرد، بداية من محفوظ لتوفيق الحكيم ليحيى حقى ليوسف إدريس. حتى المقاومة الهامشية، خارج المتن الثقافى، مع أمل دنقل ويحيى الطاهر عبدالله على سبيل المثال. كانت القاهرة لها الحق فى تمثيل الجناحين: المتن والهامش معا. ولكن مع منتصف التسعينيات سقط كل هذا. كنت فى ذلك الوقت لاأبحث عن أفكار مركزية أو عن مركز، بل أبحث عن لاوعى بعيد عن الأضوء، عن رغبات وجودية ونفسية التبست بالمدينة وكونا وشيجة قوية من التماسك. كنت أبحث عن إشارات واستثارات تمكن أن تغير من صورة المركز، فى نفسى، الذى فقد مركزيته، وفقد حقه فى قول الحقيقة، أو التمثيل لها.

لم أنشغل كثيرا بالنظريات السياسية عن المدينة أو بأى من أساطيرها الخاصة، أكثر من انشغال شخص عادى متماه، وإن كانت بمثابة بداية تساؤل لى، طالما أدخلتها كمادة للفكر ولشغل حيز مفقود خارجها. حاولت أن أصوغ أو أصنع نظريتها الجديدة التى تتغير مع كل حقبة زمنية. لم أضع قالبا لها حتى لاتبلعنى. تجاوزتها لأماكن أخرى وسَّعت منها، ووسَّعتُ خريطة خطواتى فى كل المدن المصرية شمالا وجنوبا، روحا وجسدا، حكاية وأسطورة، معنى ومبنى، صحراء ونيلا. كل هذا كنت أعود به وأضيفه لمدينتى، أو بشكل ما أضيفه لدروعى التى أواجه بها السأم والملل، والجدران الملحية وصدأ حديد الأسانسيرات، وشوارع وسط البلد الفارغة فى الشتاء، والإسفلت اللامع، والمقاعد الباردة فى الترام الأخير، وعواميد الإضاءة الصفراء التى تجسد صورة اليأس. تلك الصور الذى تبثها المدينة للعاطلين والمحبين والعشاق والمتبطلين، وللباحثين عن شهرة زائفة، أو قشور لأسطورة. كانت المدينة تكبر معى، أو أنا أصغر بداخلها. ولم أعد أرى هذا السقف الواطىء، لم يختف تماما، ولكنى نسيته، فقد كانت لغتى تتغير فى تلك المرحلة. نسيت أى نسبة مقارنة، أو جدار يمكن أن أصطدم به. من الطبيعى أن لانقارن أنفسنا بمدن خالدة، أن لاننطح روؤسنا فى التاريخ، إنما ندلى روؤسنا فى مياهه الجارية، لا نحاول حتى أن ننشىء للمدن مقاييس إنسانية ثابتة. ربما يفيد هذا داخل الأدب، ولكن داخل الحياة هناك ممر آخر تعبر منه المدينة، يجب أن لانقيد المدينة حتى لاتقيدنا.

استغرب فى الأفلام الامريكية عن تأكيد فكرة الوحدة التى يعيشها سكان نيويورك مثلا، هذه المدينة الصاخبة التى لاتنام؟ بالتأكيد هناك مدن محظوظة أو متقدمة ولكن كنت أتحرك من مفهوم أنثروبولوجى أكثر عدالة لايوجد فيه مصطلحات من قبيل: متخلف، بدائى، متأخر، متقدم. إنما أتحرك عن وعى بالتساوى، حتى لو كان وهما. لذا تدخل الحياة بدون تصنيف لها، وبدون أن تضع نفسك فى المكان الأقل، الدونى، والذى يجعلك صغيرا، ويجعلك أحيانا ترى السقف قريبا، واحيانا اخرى ترى نفسك أكبر من المدينة ذاتها أو مساويا لها. ويجعلك أيضا ترى الآخرين، أو المدن الأخرى خالية من السأم والملل.

ربما كانت "الرحلة" من أجل وضع مفهوم جديد لسأم المدينة، وسقفها، حتى تلاشى تماما وارتفع للسماء.