loading...

مقالات

عبد الحليم بين الوسادة الخالية.. وسمير صبري

عبد الحليم بين الوسادة الخالية.. وسمير صبري


سألني النجم الكبير الأستاذ سمير صبري في برنامجه (ماسبيرو) عن طبيعة أفلام عبد الحليم حافظ وأيها أكثر إحكاما وجمالا؟ ولأننا في أجواء الذكرى 39 على رحيل أشهر مطرب مصري وعربي في القرن العشرين، فقد آثرت أن أتحدث إليك عن سينما حليم والأفلام التي قدمها، وأهم هذه الأفلام ومستوى مهاراته في التمثيل.

عندي.. سيظل (الوسادة الخالية) أكثر أفلام عبد الحليم متانة من حيث البناء والإحكام وإتقان الصناعة السينمائية، صحيح أن الرجل قدم 15 فيلمًا وثلث الفيلم طوال تاريخه الفني القصير، إلا أن معظم هذه الأفلام افتقدت الجودة والإتقان، ولولا أغنيات حليم، لسقط الفيلم في مستنقع السذاجة الفنية.
لكن قبل الحديث عن (الوسادة الخالية) علينا أن نقدم إطلالة سريعة، توضح كيف تضافرت عوامل كثيرة دفعت عبد الحليم (21 يونيو 1929/ 30 مارس 1977) نحو الصعود إلى هذه المكانة السامقة في دنيا الغناء، وجعلته يستحوذ على قلوب المعجبين والمعجبات بصورة مذهلة، لدرجة أن لوثة أصابت إحدى الفتيات فور علمها بوفاته، فأقدمت على الانتحار، في واقعة لم تحدث من قبل منذ عهد عبده الحامولي وسيد درويش حتى زمن محمد منير وعمرو دياب!
لا يمكن فهم ظاهرة عبد الحليم دون الإدراك الكامل لطبيعة القاهرة وأحوالها وناسها، هذه المدينة الساحرة التي امتصت واستوعبت مصر كلها، وتمكنت لهجتها اللينة من أن تفرض نفسها على جميع من يتحدثون العربية داخل مصر وخارجها، فاللهجة القاهرية مفهومة للمشارقة والمغاربة بسبب بساطتها وإيقاعها الفاتن الطري المحبب.
ظهر عبد الحليم عقب سقوط نظام ملكي لم يراع حقوق الغالبية العظمى للمصريين، وفي ظل معركة محتدمة مع الاحتلال الإنجليزي، الأمر الذي وفر له فرصة ذهبية للاقتناع بثورة يوليو وقائدها، هذه الثورة التي اهتمت كثيرًا بتحقيق قدر من العدالة الاجتماعية من ناحية، وتوفير التعليم المجاني للملايين من ناحية أخرى.
هنا تكمن المعجزة.. الملايين يدخلون المدارس والجامعات بالمجان بدءًا من منتصف الخمسينيات. هؤلاء الطلاب الجدد حالمون بوطن جديد.. لا يعكر صفوه ملك أو إنجليز أو باشوات، طلاب رومانسيون بحكم السن ومستوى التعليم.

عبد الحليم يغني لهم باللهجة القاهرية، سواء أغنيات عاطفية مشبوبة أو وطنية تحث على العمل وتحتفل بالوطن وقائده عبد الناصر.. يغني بصدق فينفعل به الطلاب ويشعروا أنه المعبر الأول عنهم، خاصة وأن بنيانه الجسدي قريب منهم، فهو نحيل.. ملامحه عادية لا وسامة طاغية، ولا دمامة منفّرة، وإنما يمتلك قسمات هادئة طيبة.. مزوّد بنظرات حزينة عاشقة.
لاحظ أن الغالبية العظمى من أفلامه لعب فيها دور طالب الجامعة، أو الذي تخرج توًّا في الجامعة، والفيلم الوحيد الذي تقمص فيه دور "كهربائي" فشل، ولم يحقق النجاح المأمول، وأعني فيلم (دليلة/ 1956) للمخرج محمد كريم.
شاهد الناس عبد الحليم للمرة الأولى على الشاشة في فيلمين في أسبوع واحد، وكان ذلك بعد ثورة يوليو بثلاث سنوات تقريبًا، إذ عرض (لحن الوفاء) للمخرج إبراهيم عمارة في الأول من مارس من عام 1955، وفي السابع من مارس أيضا عرض فيلم (أيامنا الحلوة) للمخرج حلمي حليم، كما جاء في موسوعة (دليل الأفلام في القرن العشرين) للناقد والمؤرخ السينمائي الكبير محمود قاسم.
في الفيلمين كان طالبًا جامعيًّا، وفي فيلمنا اليوم (الوسادة الخالية/ 7 أكتوبر 1957) تقمص دور الطالب في البداية، ثم مر بمنعطفات نفسية حادة دفعته لأن يجتهد ويتخرج ويتقدم الصفوف وينجح في مشواره العملي في الحياة.
في عام 1957 بلغ عدد المصريين نحو 23 مليون نسمة تقريبًا، لأن عددنا سنة 1947 كاد يصل إلى 19 مليونا، وفي ذلك  العام أيضا، 1957، عرضت السينما المصرية 39 فيلمًا، من أهمها (رد قلبي/ بور سعيد/ لا أنام/ علموني الحب/ ابن حميدو/ تمر حنة/ الفتوة/ أرض السلام/ بنات اليوم/ فتى أحلامي)، فضلا عن الوسادة الخالية، أي أن عبد الحليم قدم ثلاثة أفلام في هذا العام، الأمر الذي يؤكد أنه صنع جمهورًا كبيرًا يتابع نشاطه الفني ويقبل على مشاهدة أفلامه في دور العرض.
أبرز ما في أفلام حليم أنها أنتجت جميعها وعرضت بعد ثورة يوليو، فلم ير الجمهور صورة للملك فاروق في خلفية أي مشهد، كما مع المطربين الذين سبقوه، ولم يظهر الممثلون بالطرابيش، الأمر الذي يجعل نجمنا محظوظا صافيًا نقيًّا من أي تلوث بمناخات العهد (البائد) كما كان يطلق عليه!
تبدأ مقدمة فيلم (الوسادة الخالية) بوضع اسم عبد الحليم حافظ قبل اسم الفيلم، وقد كتب بخط الديواني الرشيق مصحوبًا بترجمة فرنسية، ما يوضح أن هذا الفنان الشاب استطاع في عامين اثنين فقط أن يتصدر الجميع، ثم تتوالى الأسماء، بداية من لبنى عبد العزيز

-وهو أول أفلامها- وزهرة العلى وأحمد رمزي وعمر الحريري وعبد المنعم إبراهيم وسراج منير وعبد الوارث عسر ورفيعة الشال التي لعبت دور والدة حليم، لكن الملاحظ أن الترجمة الفرنسية للأسماء اقتصرت على مؤلف القصة إحسان عبد القدوس ومدير التصوير محمود نصر والمنتج رمسيس نجيب والمخرج صلاح أبو سيف.
من المفيد أن نذكر أن الترجمة إلى الفرنسية كانت سُنّة اعتادها صناع السينما في زمن الاحتلال الإنجليزي لأمرين:

الأول- لأن عدد الأجانب في مصر كان كثيرًا وحاضرًا بقوة. 

والأمر الثاني- اختار صناع الأفلام اللغة الفرنسية في الترجمة -وليست الإنجليزية- حتى لا يسقطوا في عار استخدام لغة المحتل. وهكذا تخفف أبو سيف في سنة 1957 من هذه الضرورة، بعد جلاء الإنجليز تمامًا قبل ذلك بعام، واكتفى بإلصاق الترجمة بكبار العاملين في الفيلم فقط، وحرم الصغار منها!
في البداية نطالع عبارة بتوقيع المؤلف إحسان عبد القدوس منطوقها: (في حياة كل منا وهم كبير اسمه الحب الأول). هذه العبارة هي التي تتكئ عليها فكرة الفيلم، وأظنك لاحظت أن مشكلات الحب الأول ازدادت مع دخول الشباب والفتيات الجامعة بمئات الآلاف في عهد عبد الناصر، ويبدو أنها باتت تؤرق الكثير من العشاق المخذولين، الأمر الذي جعل الثلاثي إحسان وأبو سيف وعبد الحليم يقدمون معالجة ناجحة لها.
أنت تعرف قصة الفيلم فهو يعرض كثيرًا، لكني سأذكرك ببعض المشاهد التي ترسم صورة لعصر وزمن، حيث كان أبناء الطبقة الوسطى يحظون بوجود تليفون في منازلهم، كما توضح هذه المشاهد براعة المخرج وحساسيته الرهيفة.

خذ عندك.. الغرام المشتعل بين حليم ولبنى الذي اتقد عبر أسلاك التليفون، وأظنها المرة الأولى سينمائيا التي يستخدم فيها التليفون بهذه الكثافة للبوح والتدله في الحبيب.
كذلك اللقطات الكبيرة التي رصدت حركة الأكف، وكيف تتعانق وتتشابك في لحظات الصفاء، لكن هذه المغازلة بالأكف توقفت حين خطبت لبنى لعمر الحريري، إذ رفضت أن تمنح راحتها للحبيب الأول.. إنه احتشام الفتاة المصرية وتقاليدها رغم أنها لا تحب هذا الخطيب الجديد. ولا تنس اللقطة القريبة التي اصطادت رعشة شفتي لبنى عبد العزيز وهي هائمة قبل أن تتلقى قبلة طويلة ساخنة من العاشق المفتون.
من أهم مشاهد (الوسادة الخالية).. اللقطات التي صوّرت في صحراء مترامية إلا من بقايا آثار قديمة على شكل مجموعة أعمدة فرعونية يجلس عليها العاشقان ويتناجيان، وتتعجب أن هذا المكان على أطراف مصر الجديدة حيث تقطن البطلة، فأين هذه الآثار الآن؟
لأن أبو سيف مخرج متميز يعرف كيف يدير أدواته، ليقدم للجمهور فيلمًا شيقا منطقيا ممتعًا، فقد وضع أغنيات الفيلم في مكانها تمامًا، فعندما طرق الحب قلب حليم شدا بأغنية (أول مرة تحب يا قلبي)، وقد استخدم فيها التليفون أيضا، والمفارقة أن الرقابة الإذاعية المتشددة في زمن مبارك حذفت عبارة من الكوبليه الثالث الذي يقول: (قلبي يعيد لي كل كلامك كلمة بكلمة يعيدها عليا/ لسه شفايفي شايلة سلامك/ شايلة أمارة حبك ليا)، فانزعجت الرقابة من حكاية الشفايف ومحتها من الإذاعة!


أما بليغ حمدي فقد التقى حليم للمرة الأولى في هذا الفيلم من خلال أغنية (تخونوه)، وكذلك صدح صوت فايزة أحمد بمقاطع من أيقونة الفيلم، وأعني أغنية (أسمر يا أسمراني)، التي برع أبو سيف في توظيفها دراميا وموسيقيا بشكل يثبت أنه قائد قدير، كما تمكن المخرج من تفجير طاقات عبد الحليم التمثيلية، وأخرج أفضل ما لديه.
لكل هذا عندما سألني سمير صبري عن أهم أفلام العندليب الأسمر، قلت له دون تردد.. (الوسادة الخالية) أفضل أفلام عبد الحليم، وأكثرها إحكامًا وإمتاعًا، وإذا لم تتفق معي.. رجاء شاهد أفلام العندليب مرة أخرى يا أستاذ سمير.. وقارن!