loading...

ثقافة و فن

«هيبتا: المحاضرة الأخيرة».. الكمال في الحب يبدأ بالجنون

«هيبتا: المحاضرة الأخيرة».. الكمال في الحب يبدأ بالجنون


"كلنا عاوزين نحب، كلنا نقدر نحب، بس لازم نبقى عارفين حاجة مهمة جدًا، ان تمن الحب ده هيتقسط على كل دقيقة في عمرنا" كانت هذه هي إحدى الجمل الحوارية التي وجهها الفنان ماجد الكدواني أو "د.شكري مختار" خلال محاضرته ضمن أحداث فيلم "هيبتا: المحاضرة الأخيرة"، وحاول من خلالها لفت نظر المشاهدين إلى أنه رغم جمال مشاعر الحب التي يمكننا أن نعيشها إلا إنها تؤثر بشكل كبير على حياتنا.

هيبتا

جرت أحداث الفيلم خلال المحاضرة التي يُلقيها ماجد الكدواني بالجامعة، في حضور عدد كبير من عشاقه، كان من بينهم زوجته نيللي كريم، كذلك شاب عاشق هو محمد فراج وخطيبته، والذي قام بمداخلة أبدى فيها استغرابة من الحكايات التي يرويها الكدواني، معتبرًا أنها غير واقعية، كأن يقابل رجل فتاة يظنها حلم وحتى يتأكد من أنها جزء من الواقع الذي يعيشه يطلب منها "حضن"، إلى جانب شيرين رضا "دينا" التي ارتبط بها الكدواني خلال احدى مراحل حياته.

الفيلم يتضمن عناصر كثيرة ربما تجعل من نجاحه أمرًا مضمونًا فهو مبني على رواية "هيبتا" التي حققت أكبر نسبة مبيعات منذ أن تم طرحها في المكتبات عام 2013، إلى جانب الأرضية الجماهيرية التي يستند إليها صنّاع العمل السينمائي بعد أن حققتها الرواية، ويُضاف إلى ذلك طاقم الممثلين الكبير والمميز، والذي اختار المخرج والمنتج هادي الباجوري بعناية شديدة، حيث جاء كل ثنائي يقدم المرحلة المناسبة بين مراحل الحب السبعة، والتي هي في اللغة الإغريقية تعني "هيبتا"، وهو الرقم الذي يرمز لكثير من الأشياء، منها ألوان السماء سبعة، واعتبرها كاتب الرواية محمد صادق ترمز إلى الكمال، وهي هنا تشير للكمال في الحب.

هيبتا

ويتم استعراض مراحل الحب السبعة هذه عبر 4 قصص، ففي الطفولة جاء الطفلين عبد الله ولينا، وفي المراهقة كانت جميلة عوض وأحمد مالك، وفي مرحلة الشباب كانت دينا الشربيني وأحمد داود، والنضوج لكنده علوش وهاني عادل، وبعد تجاوز هذه المرحلة نصل إلى ياسمين رئيس وعمرو يوسف، ومنهم إلى الكبار ماجد الكدواني ونيللي كريم.

وخلال متابعة الفيلم يعيش فيه المشاهد مع التفاصيل الرومانسية في قصص الحب الأربعة، ويسرح في العالم الهائم مع أبطالها، والظن بأن الطرف الثاني هو من نستكمل معه حياتنا القادمة، وأنه يشبهنا بدرجة كبيرة، ويمكن أن يفهمنا بدون أن نتحدث بكلمة واحدة، وهو ما يدفعنا لمواصلة قصة الحب، بمزيد من الجرأة نحو من نعشقه، ونعيش حالة من الجنون بفعل سحر الحب، الذي يصل للقمة، لكن يحدث أن نصطدم بالواقع خلال مرحلة "اكتشاف الحقائق"، والتي نجد فيها أن الصورة التي تخيلناها لم تكن هي نفسها، فالطرف الثاني ليس ملاكًا كما توقعنا، واسوأ الطباع لديه تظهر، بعد اختفاء الحلم وتبخر الوعود.

13220513_1769545766610201_5243464268759657225_o

وتعامل البعض مع هذه المرحلة يختلف من قصة لأخرى، على سبيل المثال هناك من يسعى لإصلاح العيوب التي يراها في الآخر، ويجعله مزيجًا من شخصيات يعتبرها نجحت فيما سبق، مثلما فعلت دينا الشربيني، التي حاولت دفع خطيبها أحمد داود للبحث عن وظيفة والتقيد بظروفها بالحضور والغياب والانصراف، وهي الأمور التي لا يتبعها في حياتها، إذ ورث عن أهله الكثير من الأموال، بالتالي ليس بحاجة لأن يعمل، ويقضي حياته في ممارسة هواية الرسم، لكن بعض الارتباط تسعى دينا لتغييره فتجعل منه الشاب الذي عشقت تحرره، وجعله يصبح موظفًا في إحدى شركات الدعاية، وهو الأمر المثير كما اعتبره "د.يحيي مختار" ويجد أنه على الشخص الارتباط بآخر كما هو ولا يبحث عن طرق وأساليب لتغييره، وإلا ما ارتبط به، حتى لا يشعر العاشقين بانتقال هذه القيود إلى علاقتهما.

12928366_1754911568073621_3958365218784174842_n (2)12928366_1754911568073621_3958365218784174842_n (2)

وفيما تستمر العلاقات على نفس المرحلة نجدها تقترب من النهاية، والأسباب في ذلك متعددة فتزيد الخلافات ومعها تكثر عدد مرات العتاب الذي بمرور الوقت لا يعد له قيمة لدى من يقابله، خاصة بعد تنحي مشاعر الحب الجميلة جانبًا والتركيز في كم الإهانات أو الإهمال الذي يعيشها أحدهما، الذي يقرر الابتعاد بعدما شعر بالاختناق، ورغبته في التنفس بعيدًا عن هذا الحب، وفي المقابل لا يفضل البعض إنهاء العلاقة، ويجدون أنفسهم أمام مرحلة "الحياة الحلوة" والتي يصلون إليها بعد تصالحهم مع عيوب الطرف الثاني، كي تستمر العلاقة، بل ومساندته فيها، وكان هذا واضحًا في علاقة ياسمين رئيس بعمرو يوسف فهي وجدته يعيش حياته منغلقًا و"كئيب" حسبما وصفته، ورغم خلافاتهما العديدة، ووصول حبهم المجنون في البداية إلى مرحلة صعبة من الملل، إلا أنها لم تدعه هذه الأمور تسيطر عليهما، وسعت للتعامل معها.

12628514_1728094144088697_4805414523536313458_o

والحقيقة أن المخرج هادي الباجوري والمونتير أحمد حافظ استطاعا أن ينقلا المشاهد بين القصص الأربعة بمنتهى الرشاقة، فلم يجد المشاهد مشكلة أو أزمة فيما يتعلق بارتباك الأحداث أو فقدانه الربط بينها، أو يجد نفسه يتوه بينها، وينسى ما قد توقفت عنده القصة الأولى، وأين أصبحت القصة الثانية، إنما كانت جميعها على نفس الوتيرة سواء بالصعود أو الهبوط أو الاستقرار عن حالة معينة، وهو ما يجعل شعور الاستمتاع متواصل لدى المشاهد، ويُبعد عنه أي توقعات بأنه ربما قد يُصاب بالملل أو أن هناك مط وتطويل في العمل السينمائي، أو أنه كان ذلك من نصيب قصة معينة من القصص الأربعة دون غيرها، إنما كان لكل واحدة منهم نصيبها في استعراض مراحلها من سحر الحب والجنون، وصولًا إلى اكتشاف الحقيقة، وطريقة التعامل معها.

المميز في هذه الرواية والفيلم أيضًا أن كل قصة منها ومراحلها السبعة أيضًا تتمتع بحلاوة خاصة بها، فبين رعشة يد المراهقين جميلة عوض وأحمد مالك، وحرص هذه الصبية على أن تتردد على المستشفى التي يقيم فيها حبيبها حتى يجري عملية جراحية، وذهابها له خفية دون علم والدتها، التي سحبت منها الموبيل، وأصبحت تراقب تحركاتها، فالحب بينهما نقي بعيد عن أي شهوات، واختطاف دينا الشربيني للحظات تقضيها مع صديقها دون علم خطيبها، كذلك الخيال والحرية التي يعيشها كلا من ياسمين رئيس وعمرو يوسف، وليس أدلّ على ذلك من أن تعارفهما كان خلال وقوفهما أعلى سور شرفة منزل كلا منهما، فهي طريقة غريبة، كتبت على قصة حبهما أن تكون أيضًا غريبة وغير معتادة ولا متوقعة، وربما تدفع البعض لاعتبارها ضربًا من الخيال، ولن يصدقها أو يتفاعل معها سوى الشخص العاشق، والذي يؤمن بالحب، وبأن سهمه يصيب القلب في أي وقت ودون أي اعتبارات قد تقيد طرفيه، حتى أن بطل هذه القصة نفسه لم يصدق أنها حقيقة وظن الخيال الذي يراوده طوال جلسته بمفرده، وكتابته لقصص عديدة قد أثر على مدى قواه العقلية، لكن الطرف الثاني لم يدعه هكذا طويلًا، ومنحه حضن يؤكد له أن الحب أمر واقعي وملموس.

وقبل أن تختتم أحداث الفيلم يقدم الراوي "د.شكري" رسالة للمشاهدين بأن يعيشوا حبهم كما هو، ويبذلون ما يمكنهم للوصول إلى الحب الكامل في مرحلته السبعة، وهي المشاعر التي عبر عنها السيناريست وائل حمدي ببراعة، حينما كتب "الحب الكامل ولو لمدة دقيقة واحدة هو اللي بيحسسنا في لحظة النهاية إن أد ايه كانت الحياة حلوة.. حلوة بجد"، فجاء السيناريو مُحكمًا معتمدًا على الرواية، ومستخدمًا مهارته في التعبير عن مشاعرها عبر جمل حوارية تناسب تقديمها في عمل سينمائي.

جاء أداء نجوم العمل مميزًا وخاطفًا ويجعل المشاهد لا يربط بين شخص الممثل والدور الذي يقدمه، فتجد نفسك عن غير قصد تدخل في أحداثه، ولا تهتم بمن يقدم الشخصية، وكان هذا واضحًا مع دينا الشربيني، التي لم يلتفت كثيرون إلى كون هذا الفيلم هو الثاني لها بعد عودتها من قضية تعاطي المخدرات الشهيرة، لأن أدائها طغى على أي أمور أخرى جانبية، كذلك الحال مع الممثل الشاب أحمد مالك، الذي أكد موهبته التمثيلية المميزة، وتعاطف معه المشاهد بغض النظر عن أزمته مع الشرطة في عيدها المعروفة بواقعة "الكاندوم".

ولا يمكننا إنكار محاولة ياسمين رئيس للخروج عن الأدوار المعتادة، فجسدت شخصيتها بخفة دمها، وروحها الحلوة المتحررة، ونالت تصديقًا من المشاهد رغم ارائها المختلفة كتفضيلها لتناول المخلل عن قطعة الشيكولاته التي يعتبرها آخرون تغير من الحالة المزاجية، وكان ذك من عوامل إعجاب عمرو يوسف بها، والذي يُعد أكثر النجوم نضوجًا من ناحية التمثيل في "هيبتا: المحاضرة الأخيرة"، فقد أمسك بخيوط الشخصية، ونقل للمشاهد الهموم التي يعيشها، ومروره بقصص حب عديدة، ودخوله لعالم بعد خروجه من آخر، ولم يكن ذلك من خلال مشاعره الداخلية، إنما مظهره الخارجي أيضًا فارتدى نظارة يظنها البعض لمواجهة الشمس، إنما أوضح في أحد المشاهد بأنها تجمع بين مواجهة الشمس وضعف النظر معًا.

12605411_1728440107387434_6503216366296779331_o

وفي قمة هرم نجوم الفيلم نجد ماجد الكدواني الذي يزيد عملًا بعد الآخر عظمة، بصوته القوي الذي يروي الأحداث، ونظرات عيونه لطليقته شيرين رضا، والتي قالت الكثير وأكدت أنه كان يكنّ لها مشاعر جميلة، لكنها لم تساعده في مواصلة ارتباطهما بعد فقدانهما لأول طفل، وهو بأداءه هذا أكد على أنه موهبة قوية لم يتم توظيفها واستغلالها حتى الآن، واعتقد أن صنّاع السينما يشعرون بالحسرة لعدم اعتمادهم عليه في أعمالهم السابقة، فقد أصبح ضمن الكروت الرابحة في الأفلام التي يشارك فيها.

12514008_1726858270878951_6991465267397959641_o

في المقابل نجد أن أداء بعض الفنانين لم يحمل جديدًا، وجاء عاديًا وغير مُبهر من هؤلاء كنده علوش، هاني عادل، أنوشكا، وفي ظل ذكر عناصر هذا العمل السينمائي لا يمكننا إغفال الإنتاج الذي تعاونت فيها 3 جهات هي شركة The Producers لمؤسسيها هاني أسامة وهادي الباجوري، و"فيلم كلينك" لمحمد حفظي، وiproduction لأمجد صبري.