loading...

أخبار مصر

النكسة في مذكرات صحفي الـ«لوموند»: إهمال أم خيانة عظمى؟ الجزء الأول

إريك رولو صحفي جريدة اللوموند الفرنسية سابقًا

إريك رولو صحفي جريدة اللوموند الفرنسية سابقًا



ما إن دوت طلقات المدافع الأولى يوم الخامس من يونيو فجرًا حتى حاول الصحفي إريك رولو أن يرسل تقريرًا قصيرًا لصحيفته اللوموند الفرنسية. يقول إنه لم يكن لديه سوى القليل لينقله آنذاك، فقط معلومة عن إقدام طائرات إسرائيلية على قصف أهداف غير محددة كائنة في إحدى ضواحي القاهرة على الأرجح، وقيام حشد من الجماهير بمسيرة على مقربة من الفندق الذي كان مقيمًا به، صارخين بشعارات مبشرة بالنصر.

رجل ذو ملامح شرقية ولحية يكسوها الأبيض. يرتدي ملابس مُهندمة ويمسك في يديه فنجان القهوة و«الكنكة» المصرية. تظهر صورته بالمواصفات هذه على غلاف كتاب يحمل عنوان «إريك رولو في كواليس الشرق الأوسط.. مذكرات صحفي بجريدة لوموند».

لهذه الصورة الجاذبة للعين دلالات هامة يعرفها من يقرأ عن إريك رولو، الذي تمزج حياته بين الشرق والغرب. فهو مصري يهودي، ولد في القاهرة بحي مصر الجديدة عام 1926، درس الحقوق بجامعة فؤاد الأول (القاهرة حاليًا)، وعمل بصحيفة «الإيجيبشيان جازيت»، لكنه اضطر إلى السفر قسريًا إلى فرنسا بعد اتهامه بالشيوعية في مصر عام 1951، وقتها عمل بوكالة الصحافة الفرنسية وصحيفة اللوموند.

ساعدته معرفته بالشرق الأوسط وإتقانه للعربية أن يجري مقابلات مع الرؤساء العرب، وأن يغطي حربي 1967 و1973، ويعد تحقيقات من فلسطين وإسرائيل، ودفع ذلك أيضًا الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتران أن يعينه سفيرًا لفرنسا بتونس عام 1985.

توفي رولو قبل عامين بعد أن انتهى من كتابة مذكراته.

لا يتردد المهتم بالكاتب -إن كان يعرفه مسبقًا- أو بمحتوى المذكرات الذي يتطرق فيها لأسرار وتفاصيل عدة، أن يشتري هذا الكتاب ويقرأه بشغف كبير، خاصة أنه يحمل توقيع كل من السياسي والدبلوماسي الجزائري المعروف الأخضر الإبراهيمي، والكاتب الصحفي الفرنسي الشهير آلان جريش.

خصص رولو الفصل السادس بمذكراته ليتحدث عن تجربته مع «حرب الساعات الستة» أو «نكسة 67» -كما نطلق عليها- والتي يمر عليها اليوم خمسون عاما.

لم يتمكن رولو من إرسال تقريره الأول عن الهجوم الإسرائيلي على مصر، فتفاجأ من عامل السنترال بالفندق أن بناء على أوامر السلطات، قُطعت جميع الاتصالات السلكية واللا سلكية مع الخارج، فبقى هو ومن معه من الصحفيين رهن الفندق. فيما علم لاحقًا أن ممثلي وسائل الإعلام الأجنبية في إسرائيل كانوا يتحركون بحرية تامة في سيارات مستأجرة، وكان بإمكانهم الوصول إلى خطوط القتال بلا عائق.

كانت إذاعة إسرائيل تقول -وفقًا لما يرويه رولو- إن «إسرائيل تدافع عن نفسها ضد العدوان المجرم الذي شنته مصر»، بينما التزمت إذاعة القاهرة الصمت، وبيانات القيادة العليا المصرية لم تكن تشير إلا لعدد مُبالغ فيه عصى على التصديق عن الطائرات الإسرائيلية التي أُسقطت.

bd41149c-9fe9-4657-866a-44a062bc51fd

يرى رولو أن «فشل مصر في هذه الحرب لم يكن في ميدان القتال وحسب، إنما في تعاملها مع الإعلام. فالرأي العام العالمي لم يكن يصدق إلا المعلومات الصادرة عن إسرائيل».

يحكي رولو أنه اتصل بوزير الإعلام المصري وقتها، محمد فايق، الذي أشاد بذكائه ونزاهته، واشتكى له باسمه وباسم زملائه الصحفيين من المعاملة، فأمر فايق بمنح الصحفيين الفرنسيين وحدهم كامل الحرية في التحرك بالقاهرة، لأنه -حسب رولو- كان يرتاب من وسائل الإعلام الأخرى المعادية للناصرية.

ورغم ذلك اعتبر رولو هذه الحرية «غير مجدية» لأنه لم يكن هناك مسؤول يجرؤ على استقبال أي صحفي.

بقيت مشكلة أخرى أمام رولو، وهى توقف مكاتب البريد وبالأخص خطوط الهاتف عن العمل من الواحدة حتى الخامسة والنصف مساء، وهى الساعات المفترض أن تتلقى فيها الصحف اليومية الصباحية الأخبار والتقارير التي يكتبها المراسلون، فاشتكى مرة أخرى لوزير الإعلام، فأعطى الأخير أمر بأن تكون وسائل الاتصالات متاحة على مدى الساعة.

يقول رولو: «وحدها حفنة من كبار العسكريين كانوا يعلمون أن القوات الجوية المصرية قد تم إبادتها في أقل من 6 ساعات، فقد ضُربت بأكملها على الأرض بما في ذلك المطارات السرية عند الحدود مع السودان التي كان يُخفى فيها أفضل الطائرات. أما عبد الناصر ومحيطه المباشر بقوا في حالة من الجهل بالكارثة وكانوا يصدقون بيانات الإذاعة المصرية».

مرت أربع وعشرون ساعة، تم فيها احتلال معظم سيناء وقطاع غزة التي كانت واقعة تحت الإدارة المصرية، واتجهت وحدات إسرائيلية بقرار من وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك، موشى ديان، صوب الحدود السورية والأردنية، فطالبت هذه الدول ومعهم القاهرة بإصدار مجلس الأمن قرارا بوقف إطلاق النار.

كان إصدار هذا القرار بمثابة «ضربة صاعقة للرأي العام المصري» الذي كان على يقين بإحراز انتصار، حيث بدأ الأمر ينكشف. يقول رولو: «تعرض الضباط في الشوارع للاعتداء، وأصبحوا لا يجرؤون على التحرك في بدلتهم الرسمية».

في التاسع من يونيو، جاء بيان مقتضب يعلن عن بث خطاب للرئيس في المساء، فيقول إريك رولو: «وقتها تبدل وجه العاصمة فجأة».

GetImage

إريك رولو مع جمال عبد الناصر أثناء إجراء حوار معه

 ما حدث كان نتيجة إهمال أم خيانة عظمى؟ 

تبدل وجه العاصمة المصرية فجأة، توقفت حركة السيارات، خلت الشوارع من المارة، راح الشعب ينصت لخطاب الرئيس في صمت يحاكي صمت القبور.

هذا ما يتذكره الصحفي بجريدة اللوموند الفرنسية، إريك رولو، عن مصر في يوم التاسع من يونيو الذي يظهر فيه الرئيس جمال عبد الناصر في أول خطاب له بعد هزيمة مصر على يد إسرائيل قبل أربعة أيام.

رأى رولو، حسب ما يصف في مذكراته، وجه الرئيس على الشاشة صادمًا، يبدو أكبر من عمره بعشر سنوات، تحيط بعينيه الهالات السوداء، وقد غرقت نظراته في حزن عميق: «أخذ الذي كان أعظم خطباء جيله يدلي باعتذار بصوت منطفئ وإلقاء مُثقل».

fgfg

بعدما أعلن عبد الناصر تنحيه، عين زكريا محيي الدين، العضو البارز في الجماعة العسكرية، مسئولًا يحل محله، والذي يقول عنه رولو: «كان ذلك الاسم يرمز للجناح الموالي لأمريكا. كان محيي الدين قد اختير بصفته رجل الاستسلام، الذي كان عبد الناصر يرفض تحمل تبعاته».

كان رولو يتابع الخطاب وهو يجلس في مقر وكالة الأنباء الفرنسية بالقاهرة، وبمجرد انتهاء حديث عبد الناصر، سمع ومن معه ضجة هادرة، جاءت كالعاصفة، خرجوا إلى الشرفة ليرضوا فضولهم، ليتراءى أمامهم «مشهد خارق» -حسب وصف رولو- عشرات الآلاف من الرجال والنساء والأطفال، منهم من يرتدي «البيجامة»، يرددون: «ما تسيبناش يا ناصر.. تحيا المقاومة المسلحة.. لا لزكريا».

وقع البعض مغشيا عليه، اتجه آخرون للسفارة الأمريكية وحاولوا إضرام النار بها، وتكررت مشاهد الغضب والألم من الإسكندرية إلى أسوان حتى عدل عبد الناصر عن قراره.

وفقًا لمعلومات حصل عليها رولو من مسؤولين مصريين: «تأثر عبد الناصر بما أبداه جيشه من انعدام كامل للكفاءة رغم اعتنائه بتشكيله طوال 15 عاما، فلم يكن اللواء صدقي محمود، قائد القوات الجوية في موقعه يوم الهجوم الإسرائيلي، فقد آوى إلى فراشه فجر الخامس من يونيو بعد ليلة سمر قضاها في قصر الصيد القديم الخاص بالملك فاروق، أحيت الليلة راقصة مصر الأولى سهير زكي.. والمثير للفضول، أن اللواء محمود كان قد منح إذنا بإجازة 24 ساعة لنحو 30% من طياريه في اليوم نفسه الذي قامت فيه الحرب!».

يكمل: «أيضا اللواء مرتجي قائد جيش سيناء كان قد أخذ إجازة لقضاء عطلة نهاية الأسبوع بصحبة زوجته على ضفاف بحيرة التمساح القريبة من قناة السويس.. أما القائد الأعلى للقوات المسلحة المشير عبد الحكيم عامر فكان ينتقل بطائرته الخاصة غير قادر على الهبوط في أي من المطارات التي تتعرض للقصف».

يكشف رولو أن محمد فايق، وزير الإعلام المصري، أسر إليه بسر ليس هينًا وقتها، حيث قال له: «كان لدينا معلومات مصدرها بعض القوى الغربية عن تأهب إسرائيل لمهاجمتنا بين لحظة وأخرى».

كما نمت إلى رولو معلومة (غير مؤكدة) مفادها أن «عبد الناصر حذر بنفسه القيادة العليا في الثاني من يونيو من أن هجوما إسرائيليا قد يقع يوم 5 يونيو بواسطة غارات جوية».

يتساءل رولو بعد ذلك: «فما حدث كان نتيجة إهمال أم خيانة عظمى؟».

340220_Large_20150418084928_15

عبد الناصر مع عبد الحكيم عامر

حسب ما يذكر رولو فكانت «نقطة الضعف التي أبداها عبد الناصر تجاه صاحبه بمثابة نكبة»، في إشارة إلى عبد الحكيم عامر.

فيقول عنه: «عامر كون عصبته الخاصة، سمح بالمحسوبية والفساد. عزله عبد الناصر مكرها بعد الحرب، خاصة بعدما علم أن مئات الضباط ذهبوا للمشير ليحتموا بفيلته الواسعة، التي كان يحيطها حراسة ضخمة من قوات الشرطة العسكرية، وتكون داخل بيته ترسانة من الأسلحة الخفيفة».

أما «المفاجأة الكبرى» -وفقًا لوصف رولو- فكانت يوم 25 أغسطس أثناء عشاء دعا إليه عبد الناصر.