loading...

مقالات

عندما بكى أبي رحمه الله من خمسين سنة

عندما بكى أبي رحمه الله من خمسين سنة


يوم ٥ يونيه ١٩٦٧ كان «يوم إثنين» وهو يوم السوق في سوهاج، ذهبت مع والدي رحمة الله عليه على الحمارة.. من أولاد عزاز إلى سوهاج، وكان عمري 6 سنوات ونصف، ولأنه رحمه الله كان حريصًا على تعليمي قبل دخول المدرسة التي التحقت بها بعد سن الثامنة، فقد كان يعلمني كل شيء منذ عمر 3 سنوات، القراءة والكتابة، والحروف الإنجليزية، ولأنه كان عضوًا في الاتحاد الاشتراكي والجمعية التعاونية الزراعية فقد كانت تأتيه المجلات، وكنت أحفظ عواصم العرب وإفريقيا، وأعرف أن إسرائيل عدونا.. فقد حكي لي جدي عن "حرب السلطة" عندما جندته الدولة العثمانية ليحارب في فلسطين في الحرب العالمية الأولى.. وحكى لي عن برتقال حيفا ويافا.. وكنت أحلم أن أرى حيفا ويافا.. مات جدي وأنا في السادسة من عمري.

باع والدي رحمه الله، في ذلك اليوم، كيلتين ذرة عويجة علشان نشتري حاجات البيت، وضعنا الحمارة في وكالة الحناوي.. وكانت الأجرة وقتها قرش صاغ في الوكالة التي تعني عندنا جراج الحمير.. ذهبنا إلى "نقرة الغيايتيه" في غرب سوهاج حيث سوق الخضار، وقف والدي مع بائع فلفل وباذنجان إسود كبير، على عربة خضار من ذات العجلتين والقائمين التي يدفعها البائع أمامه.... وكانت العربة تقف من الشرق للغرب يداها في الشرق، وعجلاتها في الغرب، وكان البائع يقف في الجانب البحري وأبي رحمه الله في الجانب القبلي وأنا على يمينه، أنتقي الفلفل الأخضر.

تبادل أبي رحمه الله الحديث مع البائع الذي كانه معه راديو مكسو بقطعة من قماش ثوب زوجته ليحافظ عليه نظيفا، هكذا كنا نفعل في الصعيد من المذياع، وفجأة وجدت أبي يلقي كل شئ على الأرض.. ويجلس القرفصاء.. ويضع رأسه بين يديه وركبتيه ويبكي بصوت مسموع.. رأيت هذا المشهد مرة واحدة في حياتي.. حين مات جدي الذي كنت أعتبره أبي الحقيقي.. هكذا بكى أبي لأول وآخر مرّة بكاء مستور بين الذراعين والركبتين، ثم يمسح دموعه قبل أن يرفع رأسه.. حتى لا يرى الناس دموعه.. عيب تبكي الرجالة في صعيدنا.. ارتبكت أشد ما يكون الارتباك وبدأت في البكاء.. لأنني سريع البكاء.. لا أتحكم في دموعي على العكس من أعراف الصعيد، ومازلت إلى اليوم تنهمر دموعي رغم أنفي حين تلامس قلبي أحساسيس قد لا يفهمها المحيطون.

وكنت سريع الكلام بحيث لا يفهمني من يسمعني إلّا بصعوبة، خصوصًا إذا توترت، تتداخل الكلمات والحروف.. نزلت في حجر أبي أبكي مثله وأسأله ماذا حدث.. رفع رأسه وقال «اتهزمنا خلاص.. إسرائيل انتصرت علينا.. وخدت أرضنا.. جيشنا اتكسر في سينا.. اتهزمنا.. اليوم ٥ يونيه ...ويوافق يوم الإثنين.. تذكرت وبكيت».