loading...

ثقافة و فن

مسرح الشارع.. القوة «المنسية» في مواجهة الإرهاب ودعم الاقتصاد

مسرح الشارع

مسرح الشارع



كتب- أحمد مطاوع:

حالة حراك فنية غير تقليدية، قوامها مجموعة من الأفراد ينطلقون بأدوات بسيطة أو بدون، إلى الساحات المفتوحة والأماكن العامة، تحت راية "مسرح الشارع"، يقدمون عروضًا مسرحية تلقائية بلا خشبة يقفون عليها، يناقشون خلالها قضايا متنوعة سواء سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية تشغل المواطن وتمس حياته، بحرية تامة ودون وصاية من رقيب أو حسيب يعد الأنفاس، فهو فن قائم على انفعالات الأداء اللحظية التي تضفيها الأجواء الجماهيرية، والارتجال، فلا يحفظ فيه الممثلون نصا ولا يقودن العرض وحدهم، ما يجعل تأثيره أقوى وأعمق "فما يخرج من القلب يدخل إلى القلب".

فن التفاعل.. الجمهور جزء من اللعبة

في الظاهر تبدو التجربة سهلة إلا أنها في الواقع وبرغم بساطتها وعرضها في الشارع صعبة للغاية، خاصة أنه فن مسرحي قائم على الارتجال، كما تعتمد العروض على مشاركة وتفاعل الجمهور الذي يلتف حول ساحة التمثيل دون حواجز ليصبح جزءًا من العرض.

المخرج والناقد المسرحي العراقي بشار عليوي، مؤلف "مسرح الشارع.. حفريات المفهوم والوظيفة والنتاج" -أول كتاب عربي متخصص في هذا الفن- يقول إن عروض الشارع تهدف إلى إيصال خطاب معرفي بالاعتماد على تفاعل الجمهور معها من خلال إشراكه في اللعبة المسرحية، لأن هذه العروض تقدم في مكان الوجود العشوائي لهذا الجمهور، وتستلهم موضوعاته من الواقع اليومي له، بهدف إيصال أفكاره عن طريق المشاركة التفاعلية مع العرض.

مسرح الشارع

ويؤكد الناقد المسرحي محمد الروبي، أهمية التدريب الجيد للممثلين على كيفية التعامل مع أي طارئ، بجانب تمرينات بدنية وذهنية شاقة ومستمرة، ليكون الممثل في حالة حضور دائم تمكنه من السيطرة على جمهوره المتنوع المكون من فئات عمرية وفكرية مختلفة، مشددًا على ضرورة أن تكون البداية جاذبة وحيوية، لأنها "أهم مرحلة، وبغيرها ستفقد جمهورك من اللحظة الأولى"، كما يجب أن "تعرف متى تغني ومتى ترتجل، وما الجرعة التي يحتاج إليها الجمهور"، لافتًا إلى أن أخطر مراحل مسرح الشارع هي الحوار المباشر مع الجمهور في أثناء العرض.

حركة وعي.. مواجهة الإرهاب بالفن

يعتبر النقاد والمسرحيون "مسرح الشارع"، بمثابة حالة الحراك والتمرد والاستقلالية عن الفن الرسمي، وأنه ظاهرة تمثل صوت المهمشين في الشارع، كما يرى البعض أن هذا الفن المتفرد يمكنه أن يقود حركة وعي مجتمعية لمواجهة قضايا مثل الجهل، ومحاربة الإرهاب والتيارات الفكرية المتطرفة، من قلب الناس أنفسهم. 

ويرى الروبي، خلال إحدى مقالاته عن "مسرح الشارع"، أن هذا النوع من الفن هو ما تحتاج إليه مصر الآن، وأنه "لا مناص من المواجهة بالفن وفي الشارع، محتمين بالناس وشاهرين أسلحتنا الفنية في مواجهة أسلحة التكفير"، مضيفًا أن عروض الشارع تتيح مناقشة ما هو آني وحيوي من القضايا التي لا تحتاج غير حوار مباشر "لا يجيده إلا مسرح يتسلح أصحابه بوعي سياسي وفني".

مسرح الشارع

وفي إطار تطبيقي مقارب يعكس أهمية "مسرح الشارع" كقوة تغيير سلوكي واجتماعي، استغلت بريطانيا وأمريكا والهند، حركة المسارح في توعية الناس بحقوقهم وواجباتهم، من خلال بث رسائل سياسية وفكرية عبر الفرق الثقافية والفنية، التي لعبت دورًا مهما في زيادة الوعي الثقافي والاجتماعي.

منشط اقتصادي.. تبادل ثقافي كوني وترويج سياحي

يمكن تصنيف مسرح الشارع، ضمن أهم أدوات القوة الناعمة، من خلال استخدامه كدعاية عالمية مباشرة وغير مكلفة، تصدر الثقافات والتراث الحضاري والتاريخي للبلدان إلى كل الشعوب في صورة فنية إبداعية بسيطة، عبر المهرجانات أو الجولات الخارجية، ومع الوقت أيضًا يستطيع أن تصبح العروض بمثابة منشط وداعم اقتصادي يدر دخلًا على خزينة الدولة، باعتباره وسيلة ترويج وجذب سياحي مجانية، عن طريق رسم صورة ذهنية عظيمة، بخلاف دوره السياسي في التقارب بين الأمم وتصحيح المفاهيم الخاطئة عن الثقافات.

مسرح الشارع

يشير العراقي "عليوي"، في حوار صحفي له، إلى أن مسرح الشارع يأخذ مساحة كبيرة في النشاط الفني العالمي، لتأثيره الواضح على الجمهور، إذ بدأ ينظر إليه كواحد من أفضل أشكال التبادل الثقافي، كونه يعتمد على التواصل المرئي أكثر من اللفظي، ما يكسر عائق الحواجز اللغوية، ويسهم في وجود نوع من العالمية والكونية في رسالته، فأصبح أفضل وسيلة لنقل الثقافة والتراث نظرًا لبساطته وسهولة نقل عروضه من بلد إلى آخر.

وينتشر "مسرح الشارع" في جميع مدن العالم تقريبًا، وتنظم له سنويا العديد من المهرجانات المحلية والدولية في الكثير من الدول، منها مهرجان مرسيليا لمسرح الشارع في فرنسا، ومهرجان أوال ناغ الدولي في المغرب، ومهرجان بيروت الدولي لمسرح الشارع، ومهرجان مسرح الشارع في القاهرة، والمهرجان الوطني لمسرح الشارع في طهران.

مسرح الشارع

الثقافة المصرية عائق

ورغم أن القاهرة تنظم مهرجانًا متخصصا في "مسرح الشارع"، فإن ثمة أزمات تواجه هذا الفن المسرحي الاستثنائي في مصر، تحدث عنها الممثل المسرحي الشاب مايكل مرزوق، من خلال تجربته، إذ يرى كل أزمة تمثل معضلة وعائقًا في مسيرة تطوره.

يقول مرزوق، في تصريحات لـ"التحرير"، إن العالم كله يعتمد على الحكي الجسدي، في حين أن الثقافة المصرية الشعبية، لا تزال مرتبطة بالحكي بالكلام، ما يسبب تأخرًا فنيا، مشيرًا إلى أن فنان الشارع في هذه الحالة يكون أمام "معضلة حقيقية"، وحائرًا بين عدة خيارين كي تصل رسالته للجمهور، فإما أن يجاري الثقافة السائدة ويقدم أداءً تقليديًّا سهلًا، أو أن يتجه للخيار الأصعب ويواجه الجمهور بعرض مختلف يعتمد على الحركة و"تخبط شوية"، حتى يتقبله الناس مع الوقت.

وانتقل مرزوق، أيضًا إلى أزمة التمويل والدعم، مقترحًا عمل صندق لدعم وتنمية مسرح الشارع، من خلال لجنة تنسيقية بين وزارة الثقافة والفرق المستقلة، لافتًا إلى مجهودات سابقة من المجلس الأعلى للثقافة في توفير تدريبات لكيانات مستقلة، لكن "نحتاج إلى توسع ودعم واهتمام أكبر في الفترة القادمة في دعم المبادرات الشبابية"، خاصة أن الشارع المصري يحتاج في الوقت الحالي، لمثل هذه الفنون التثقيفية التي تختلط مع المواطنين بشكل مباشر وتقدم لهم الرسائل بشكل سلس وبسيط.

نظرة ما.. خطوة جديدة

في خطوة إيجابية تجاه "مسرح الشارع"، شهدت الدورة العاشرة من المهرجان القومي للمسرح، التي انطلقت أول من أمس الخميس حتى 27 يوليو الجاري، استحداث قسم "نظرة ما"، لتسليط الضوء في كل دورة على أنواع مختلفة وغير تقليدية من المسرح، وقررت إدارة المهرجان برئاسة الناقد المسرحي الدكتور حسن عطية، أن تكون البداية من "مسرح الشارع".

وتشارك 3 فرق بالمهرجان، تجوب عروضها شارع المعز بالقاهرة الفاطمية، وهي "زعبوبة في مهب الريح" للمخرج محمد الجنايني من السويس، وعرضين عراقيين، هما "حلم" تقدمه فرقة كروك المسرحية ومن إخراج نجاة نجم مجيد، و"ضياع" لفرقة نادي مسرح بابل وإخراج بشار العليوي.