loading...

أخبار مصر

لهذه الأسباب اختلف «نجيب» و«عبد الناصر» بعد ثورة 23 يوليو

الرئيسان الراحلان محمد نجيب وجمال عبد الناصر

الرئيسان الراحلان محمد نجيب وجمال عبد الناصر



«شركاء الأمس هم فرقاء اليوم».. هكذا يرى بعضهم المشهد النهائى لثورة 23 يوليو وما تلاها على صعيد العلاقات التى توترت بين الرئيس الراحل محمد نجيب والزعيم جمال عبد الناصر، فيعول البعض على مشاهد يعتبرونها إهانة لرئيس وطنى بقيمة الرئيس محمد نجيب، فى الوقت الذى يراه آخرون «مبالغات تاريخية»، بينما يرى البعض أن إطلاق الرئيس السيسى اسم نجيب على القاعدة العسكرية التى تم افتتاحها أمس هو «الإنصاف الأكبر»، غير أن مؤرخين وسياسيين حاولوا استغلال ذلك للحديث عن تكريم نجيب لا من منطلق التكريم، ولكن من باب المكايدة ومحاولة النيل من عبد الناصر.

فى السطور المقبلة، تفتح «التحرير» المجال أمام أراء بعض السياسيين لاستيضاح الأمور، والكشف عما إذا كانت هناك بالفعل خلافات دبت بين الزعيمين، جعلت من نجيب رجلًا وطنيا فى طى النسيان، فنالت من زعامته ومن تاريخه وشخصه أم لا.

صلاح عيسى: إهانة الرئيس محمد نجيب «مبالغات تاريخية».. وتكريم السيسى هو «الإنصاف الأكبر»

صلاح عيسى، المؤرخ المصرى، والأمين العام السابق للمجلس الأعلى للصحافة، قال: «إن الحديث عن تعرض الرئيس الراحل محمد نجيب للإهانة، غير صحيح، فلم يكن نجيب مستهدفًا إلى هذا الحد الذى يروج له البعض، ولم يكن مقصودًا النيل منه أو الانتقاص من قدره، لدرجة وصلت إلى حد إطلاق شائعات بأن (نجيب) يقف فى طابور المعاشات للحصول على معاش رئيس جمهورية سابق، وأنا إذ أنفى هذا الأمر برمته فإنى أرى أنها "مبالغات تاريخية" حيث لم يتعرض نجيب لأى إهانة وكان معه فرقة من الضباط المكلفين بحراسته».

وأكد عيسى أن الرئيس أنور السادات كان قد أفرج عن نجيب المحددة إقامته طيلة ما يقرب من 18 أو 20 عامًا وأعطاه حريته رغم العلاقة المتوترة التى كانت بينهما، وواصل حريته فى عهد مبارك، فكان دائم الظهور، حر الحديث والتكلم، ثم أُطلق اسمه على محطة مترو عابدين تخليدًا لذكراه ولدوره الوطنى، غير أن ما قام به الرئيس عبد الفتاح السيسى من إطلاق اسم نجيب على قاعدة عسكرية كبرى كتلك التى تم افتتاحها أمس، لهو الإنصاف الأكبر له، كونه تحمل مخاطرة تزعم ثورة 23 يوليو فى بداياتها، وكان وقتها محبوبًا بين الكل، وللمؤسسة العسكرية التى ينتمى إليها، والتى لعبت دورًا وطنيا هاما فى تلك الثورة وعلى مدار تاريخها بداية من عرابى وعبد الناصر ومن تلوهما، وساروا على خطى منحازة انحيازًا تاما للشعب، وأضاف: «الرئيس السيسى كرم المؤسسة العسكرية، من خلال تكريم الزعماء، حين أطلق اسم جمال عبد الناصر على القطعة البحرية "ميسترال"، وإطلاق اسم نجيب أمس على القاعدة العسكرية.

وعن الخلاف الذى دب بين الزعيمين نجيب وعبد الناصر، قال عيسى: «شاءت الظروف آنذاك أن تقع تلك الخلافات، لكننا يجب ألا نغفل أنها هى طبيعة الثورات، فجميع ثورات العالم شهدت انشقاقات، وخير مثال على ذلك الثورة الفرنسية والثورة الروسية، وحتى الثورات المصرية نفسها، حين اختلف سعد زغلول مع من معه، ويمكن هنا الاطلاع على المثل الفرنسى القائل بأن "الثورات كالقطط تأكل أبناءها"، كما يجب مراجعة التاريخ، فنجيب لم يكن وحده هو من حُددت إقامته ووُضِع تحت الإقامة الجبرية، لكن هناك كمال الدين حسين وعبد الحكيم عامر وغيرهما، لخلافات سياسية».

وتابع: «لم تجمع المشكلات نجيب بعبد الناصر وحده، ولكنها جمعته بأعضاء مجلس قيادة الثورة باستثناء يوسف صديق وخالد محيى الدين، ربما كان لاختلاف الفكر نظرًا لاختلاف الأعمار، فنجيب وقتها كان يبلغ من العمر نحو 52 عامًا وبقية الضباط كانت تتراوح أعمارهم فى الثلاثينيات، ولكل جيل فكر وطريقة، أدى ذلك إلى وجود اختلافات ربما تصاعدت فى الأخير، لكن هذا لا يعنى أنهما فرقاء، والدليل على ذلك أن عبد الناصر كان فى بداية الثورة مؤيدًا لنجيب فكان بينهما اتفاق، وكان عبد الناصر من مؤيدى فكرة عودة الجيش إلى ثكناته، وتسليم السلطة للمدنيين، لكن وبشكل تدريجى تغيرت آراؤه لاحتكاكه بالأوضاع المحيطة، فبدأ يقتنع بفكرة استمرار الثورة وبالتالى عدم السماح بعودة العهد الماضى الذى قامت الثورة عليه، من هنا وقع الصدام».

واختتم قائلًا: «الخلاف هو نتاج طبيعى لكافة الثورات، لكن هذا لا ينفى دور كل من الزعيمين محمد نجيب وجمال عبد الناصر، ولا ينتقص من وطنيتهما ولا من وطنية المؤسسة العسكرية التى ينتميان إليها وانحيازها للشعب».

سكينة فؤاد: نحتاج إلى قراءة موضوعية وأمينة للتاريخ.. والكثير من أحداث 23 يوليو مليئة بعلامات الاستفهام

أما الكاتبة سكينة فؤاد، مستشار رئيس الجمهورية السابق، فقالت لـ«التحرير»: «إننا نحتاج وبشدة إلى إعادة قراءة تاريخنا، بحيث تتبدى الحقائق وتتكشف الأمور، فلا تزال هناك حقائق كثيرة غائبة عن ثورة 23 يوليو، كما أن هناك العديد من حلقات التاريخ المصرى غائبة ومفقودة، بما يعنى أننا فى حاجة إلى قراءة موضوعية من أساتذة التاريخ والمتخصصين بشأن ثورة يوليو».

وأضافت: «لا أحد يستطيع أن ينكر الغطاء الذى أعطاه اللواء محمد نجيب لشباب الثورة، لأنه كان رتبة عسكرية كبيرة، ولشعبيته التى يتمتع بها والتى كانت سببًا فى تقلده منصب رئيس الجمهورية فيما بعد، إذًا هناك دور ولكن بعد ذلك تعرض الأمر لكثير من الأحداث المليئة بعلامات الاستفهام، ومنها لماذا العزلة، ولماذا ما تعرض له نجيب، وهل كان بالفعل يستحق ذلك أم لا، كل هذا يستدعى قراءة ملف الأحداث التى شهدتها الثورة والفترة التى تلتها لاستجلاء حقائق هامة، وإبراز ما هو حقيقى من بين ما أثير من موضوعات شتى تخص الثورة وتلك الفترة».

وتابعت: «لا بد أن نكون أمناء مع أنفسنا، وأن نضع نصب أعيننا أن هناك أخطاء ربما حدثت لكنها لم تمس الوطن ولم تمس الثورة بسوء، ومن هنا يمكن قراءة التاريخ من قبل المختصين، والكشف عن الحقائق الغائبة، ومنها ما تعرض له من ظروف بالغة الصعوبة، ومن عزلة تجعل الكثير من المحطات التاريخية تحتاج إلى تلك القراءة الأمينة، للإجابة عن تساؤلات تخص علاقة الرئيس محمد نجيب بالرئيس جمال عبد الناصر، وما إذا كان هناك أسباب للعصف بنجيب إلى هذه الدرجة غير المقبولة، دون إنكار لدوره فى الثورة».

وقالت: «لا أحد يستطيع أن ينكر دور نجيب فى الثورة، لكن ما حدث بعد ذلك وما تعرض له هو وأولاده، هو أمر غير مقبول، ومن هنا نلقى بالكرة فى ملعب أساتذة التاريخ والمختصين للكشف عن جميع الحقائب الغائبة فى ثورة 23 يوليو».

عاطف المغاورى: هناك من يتناول سيرة الرئيس محمد نجيب من باب الانتقاص من زعامة جمال عبد الناصر

من جهته يرى عاطف المغاورى، نائب رئيس حزب التجمع، أن تكريم الرئيس عبد الفتاح السيسى للرئيس الراحل محمد نجيب من خلال إطلاق اسمه على القاعدة العسكرية بمدينة الحمام، لا اعتراض عليه، كما أن تكريم الرئيس الأسبق حسنى مبارك له بإطلاق اسمه على محطة مترو عابدين، هى من الأمور الإيجابية التى يجب دعمها، عرفانًا بدور زعمائنا، وتقديرًا لهم، وتخليدًا لذكراهم، لكن ما يؤخذ على الأمر برمته هو أننا عندما نسعى لتصحيح الأخطاء وتكريم القادة والزعماء، يستغل بعض السياسيين والمؤرخين ذلك بطريق غير مقبول.

وأوضح قائلًا: «هناك من بين المؤرخين والسياسيين من يتناول سيرة الرئيس الراحل محمد نجيب لا بمنطق التكريم، ولكن بمنطق الانتقاص من الزعيم جمال عبد الناصر، من باب المكايدة والانتقام منه، وهو ما نرفضه رفضًا قاطعًا، فثورة يوليو كانت برنامجًا وطنيا يسعى لتجميع التيارات بهدف إنجاح الثورة، وقد قامت على أكتاف الجميع، لكن الحديث عن زعامة نجيب للثورة غير صحيح، إذ إن الأدلة جميعها تثبت أن عبد الناصر هو زعيم ثورة يوليو وهو مؤسس انتفاضة الأحرار، كما أن الحديث عن السنوات الأولى للثورة وفكرة سعى بعض القوى للسيطرة عليها ومن بينها الأحزاب القديمة التى قامت عليها الثورة، فهناك أسرار لا تزال طى الكتمان ويجب الكشف عنها.

وأضاف: «نحن لا ننتقص من دور الرئيس الراحل محمد نجيب، فله من المواقف ما يحسب له، حين خاطر ووافق على أن يلعب دوره وهو رتبة عسكرية فى موقع لا يحتاج أن يغامر بنفسه، لكنه وضع تاريخه وحياته تحت الخطر إنصافًا للثورة، فقاد الضباط فى العلن، واضعًا روحه وحياته فى خطر، لكن وتوضيحًا للأمور، نركز على أنه رغم ذلك لم يكن زعيمًا لثورة يوليو لكن المؤسس والقائد هو الرئيس جمال عبد الناصر، غير أنهم صدروا نجيب بعدما وقع الاختيار عليه لحسابات عديدة، منها سمعته الحسنة ورتبته العسكرية وتاريخه وكبر سنه عنهم، فضلا عن نجاحه فى الاختبار الذى وضع فيه حينما خاض معركة نادى الضباط على رأس القائمة التى يدعمها الضباط الأحرار، وبالتالى كان أهلًا لهذا الاختيار».

وعن إهانته ووضعه تحت الإقامة الجبرية، قال المغاورى: «هو كلام ملك للتاريخ، وهناك بعض من لعبوا دورًا بارزًا فى الثورة ولم يتطرق إليهم التاريخ بحجم ما قدموه، وخير دليل على ذلك الدور الهام الذى لعبه يوسف صديق، من قيامه بالتحرك مبكرًا واعتقال قيادات الجيش، إنقاذًا للثورة، نحن لا نعترض على تكريم نجيب ولا نقلل من دوره ووطنيته، فنحن مع إنصاف كل من قدم، لكن علينا ألا نتعامل مع جراح التاريخ، ونضخم من خصوماته، فالثورة قامت على أهداف وطنية، ووفقًا لبرنامج وطنى، لكن عند التطبيق العملى تتباين الأفكار وتتعدد الطرق بشكل ربما يجعل من شركاء الأمس هم فرقاء اليوم، لذلك يجب أن لا نسعى للانتقام من عبد الناصر وثورة يوليو بدعوى تكريم نجيب».

واختتم: «نحن ندعم تكريم مبارك لنجيب من خلال إطلاق اسمه على محطة مترو عابدين، كما ندعم تكريم السيسى لنجيب من خلال إطلاق اسمه على القاعدة العسكرية، فإعادة الاعتبار أو بعض الاعتبار من منطلق إنسانى هو أمر محمود، لكن يجب أن يتم هذا دون إعطاء المسألة طابعًا سياسيا، ويكون الحديث عن محمد نجيب ودوره ليس بطريق للانتقام من جمال عبد الناصر».