loading...

جريمة

ارحموه.. رحلة مريض معاق مع الإهمال في قصر العيني: «معدتش قادر روحوني» (فيديو)

معاناة إسلام وشقيقه

معاناة إسلام وشقيقه



5 أيام كاملة، قضاها إسلام حسن صقر، الشاب القعيد على كرسيه المتحرك، فى استقبال مستشفى قصر العيني القديم، يفيق وينام ويتألم ويفرغ ما فى معدته بسلة قمامة فى موضعه، بينما شقيقه "محمد" واقف إلى جواره، يفترش الأرض لينام أحيانًا وأحيانًا أخرى يحاول فرد ظهره على مقعد خشبى، بالرغم من كونه داخل صرح طبي فإن الحشرات وتحديدًا "الصراصير" ترتع فى المكان وسط المرضى وأهاليهم، ويظل "إسلام" متحاملًا على نفسه لعلمه ببؤس الحال وأنه لا حيلة لأخيه، حتى تضربه موجات الألم مضافًا إليها عويل عموده الفقرى، ليصرخ كل فترة "حرام مش قادر.. شفولي سرير .. عايز أفرد ظهري".

إسلام على كرسيه المتحرك

وهنا يدفع "محمد" الكرسي المتحرك بشقيقه ويجول بين حجرات الكشف وقسم الباطنة أو قسم الجراحة، أو أى مكان به سرير أو "ترولي" فارغ، ليحمل شقيقه إليه ليمكنه من النوم عليه، بينما هو محتار بين معمل التحاليل بالمستشفى، وأطباء قسم الجراحة تارة المختصة بعلاج حالة شقيقه "الحصوات والالتهاب الحاد بالبنكرياس" وقسم الباطنة بالمستشفى الذى يطلب منه قسم الجراحة فحوصات معينة للتحقق من عدم وجود خطورة على المريض حال التدخل الجراحي، بينما القسمان "الباطنة والجراحة" يرفضان إيداع المريض بسرير أو احتجازه بالمستشفى، رغم أنه واقعيًا مقيم على أرضيتها أو بلاطها لمدة 5 أيام متواصلة، وفعليًا حالته شديدة التدهور والعناء.

«التحرير» رصد معانات "إسلام" بين طرقات المستشفى، إذ طلب المريض الخروج إلى الشمس لأنه لم يعد يطيق المبنى الذى يعاني فيه العذاب أملًا فى الوصول إلى العلاج، ويبدو الملل وانهيار الأعصاب متمكنًا تمامًا منه، إذ يغفو ثم يفيق، ثم يفتح زجاجة مياه ويسكبها على وجهه وجسمه وهو جالس على كرسيه المتحرك، ويحاول بعد ذلك ارتشاف قطرات منها، لكن المرض المتوغل فى بطنه الأنين لا يقبل شيئا، فسرعان ما يتقيأ، لنسأل شقيقه إن كانت الماء حتى لا يتقبله فماذا يأكل وكيف يعيش، ليوضح لنا "محمد" تفاصيل أكثر فى مأساة المرض باستقبال مستشفى قصر العيني القديم.

ويقول الشقيق وهو عامل نظافة بالطلب فى حالة أكثر من طاحنة التواضع: "هما بيدوله محاليل، بفضل واقف جنبه على الكرسي لحد ميخلصها، هو مبياكلش خالص بقاله 5 أيام، ولو أكل أو شرب أى شيء بيرجعه فى الحال .. التهاب البنكرياس عنده حاد، وحصوات الكلي تمزق بطنه، علاوة على أنه مريض سكر، وكان هذا سببًا فى بتر ساقه وإصابته بالعمى فى أحدى عينيه والثانية ضعيفة الإبصار بسبب المرض اللعين الذى نتوارثه".

معدااال

ويحاول الأخ منح شقيقه رشفات من عبوة عصير، عساها تسند قلبه الذى يئن، ثم يقوده من جديد إلى داخل الاستقبال حتى يتمكن من تركه فى ركن من أركان الانتظار بمكان إقامتهما داخل المستشفى حتى يسأل على التحاليل التى يبيت بسببها أياما وليالي "على البلاط" حتى تظهر نتائجها ويحتجزون شقيقه للرعاية الطبية، لكن دقائق معدودة من استيقاف الكرسي، حتى يطلب "إسلام" سلة مهملات سرعان ما يفرغ بها العصير الذى تناوله للتو، ثم يترنح على كرسيه "حرام عليكوا حطوني على سرير".

وفى رحلة بحث الأخ عن سرير يستقر فى حجرة كشف الباطنة، ليحاول الممرض منعه من المكوث على سرير كشف فرغ للتو: "خده برا دا مش مكانه دى أوضة كشف"، لنتدخل: "هو مريض بالمستشفى ويبحث عن سرير منذ يوم الإثنين 14 أغسطس وحتى يوم الجمعة الماضي، ألا ترى مرضه ألا ترى أنه قعيد ألا ترى عمى عينه، لو أنت سليم مش هتستحمل قعدة الكرسي يوم، دا بيصرخ من ظهره نفسه يفرده على سرير"، وهنا يأتى الرد: "خلاص خلوه يرتاح شوية"، لنسأل الطبيب الذى يعاونه طلبة امتياز، لماذا لا تحتجزونه للعلاج، طالما هو مطلوب كل يوم للتحاليل وحالته متأخرة، لم يأكل منذ يوم الإثنين، وإذا أخذ رشفة ماء يتقيأها؟، فيجيب: "مستنيين نتيجة التحاليل وبعدها يحجزوه فى قسم الجراحة.. هو مش تبعنا.. هما طالبين مننا فحوصات وعملناها"، ومتى تظهر نتيجة التحليل؟: "كمان ساعة أو اتنين"، لكن هذا مستمر لليوم الرابع على التوالى على ذمة تلك التحاليل، فلماذا لا تراعوا آدميته وتحتجزونه للرعاية لحين إتمام التحاليل طالما ترون أن حالته تستحق وأنه فى النهاية سيتم احتجازه، بخلاف وضعه الإنساني بكونه قعيدا وشبه أعمى.

وأخيرًا يطلب الطبيب من إحدى طلبة الامتياز قياس الضغط والسكر له، ويؤشر له بأنه يحتاج حقنة إنسولين على الفور، يخرج من حجرة الكشف لأخذها فيعود من جديد إلى العذاب على كرسيه المتحرك فى انتظار "التحاليل"، التى ما إن تنتهى لا ينتهي معها الروتين، فهم طلبوا من الأخ إجراء تحليل إضافي ليس موجودا بالمستشفى، وحين يسألهم عن السبب يجيبوب "غلى ومبقيناش نعمله هنا شوفله معمل برا".

عم حسن وعربة الكشري ونجليه

وعلى هامش تلك المعاناة يوضح لنا "محمد حسن صقر" أن والده توفى قبل أسبوع صعقًا بالكهرباء عن عمر 68 سنة وهو يغسل عربة كشري يعمل مع صاحبها، وكانت وفاته سببًا فى وصولنا إلى "محمد" وتسليط الضور على مأساة "إسلام" بعد فاجعة مصرع والدهما الرجل المسن الشقيان، الذى اعتبرناه تاجرًا للسعادة بسبب محبة جميع من عرفوه له وألم قلوبهم لميتته المضنية، وشرح أن شقيقه الأصغر "محمد، 29 سنة" مصاب بالسكر، وحدثت له غرغرينا فى ساقه اليسرى وتم بترها، وبعدها فقد عينه اليسرى أيضًا بسبب ذات الداء.

 وقال: "أنا مش متعلم خرجت من ابتدائى علشان أساعد أبويا لأن ظروفنا على قد حالها.. كان نفسي أبقى متعلم يمكن ألاقي شهادة تسددنى فى شغلانة عدلة، أو على الأقل تخلينى عرف أدافع عن حقوقنا وشقتنا اللى اتاخدت مننا بالظلم والجبروت من صاحب البيت.. لكن أنا عارف إن السكر بيأثر على النظر، والعين الباقية لإسلام إبصارها ضعيف.

شقيق إسلام يتحدث للتحرير

وتابع: "مفيش مستشفى عايز يقبله ويحجزه للعلاج، كل شوية يطلبوا تحاليل وورق من غير مايشوفوا حالته وهو تعبان وعاجز"، مضيفًا: "بيبعتونا من باطنة لجراحة ومن جراحة لباطنة زى الكورة، وأنا مش عارف أعمل إيه، قالولنا حالته ملهاش عملية، وبياخد جرعات بوتاسيوم للبنكرياس، لكن بكميات معينة حتى لا تضر بوظائف الكلى، لكنه محتاج يودع بالرعاية، خاصة مع حالات اشتداد المرض عليه وانقطاعه عن الطعام والقيء المتواصل".

وشرح الشقيق أنه من يوم الإثنين 14 أغسطس وحتى نهاية الأسبوع وهو متجول بين استقبال وأروقة قصر العينى القديم أملًا فى إنهاء الإجراءات ورحمة شقيقه من المعاناة، بدلًا من علاجه على الكرسي المتحرك وهو بجواره واقفًا أو جالسًا على مقاعد الاستراحة الخشبية أو حتى نائمًا على البلاط من شدة التعب.

إسلام بعد نوبة قيء

وقال "الأخ": لو قعد فى البيت بيصرخ من ألم بطنه وتتدهور حالة إعيائه من القيء المعتاد إلى أن يتقيئ دمًا، فأجد العذاب به فى المستشفى أرحم من عذابه فى البيت، على الأقل هنا يعطونه محاليل والعلاج اللازم من الإنسولين وأدوية التهابات البطن".

وأخيرًا صرخ "إسلام" مساء يوم الجمعة 18 أغسطس، صرخة "حرام عليكوا مش قادر"، لكن هذه المرة لم يطلب إيداعه سريرا بالمستشفى وإنما طلب أخذه إلى المنزل بجملة: "روحونى معدتش قادر أستحمل".

"دينا" شقيقة إسلام ومحمد الصغرى قالت لـ«التحرير» "نوبة إسلام خفت شوية النهاردة الأحد، وحاله دلوقتى أرحم من الأول، لكن لسه مخلصوش التحاليل المطلوبة له، وأهو الحمد لله ارتاح شوية فى البيت وربنا يستر".