loading...

أخبار العالم

بين الطرد والدمج.. اللاجئون والإسلام في قلب الانتخابات الألمانية

الانتخابات الألمانية

الانتخابات الألمانية



بون- كولون: محمد فوزي
(dw عربية): هشام الدريوش

تأتي الانتخابات البرلمانية الألمانية المقررة في الرابع والعشرين من شهر سبتمبر الجاري في سياق مختلف تماما عن سابقتها. فهي أول انتخابات برلمانية بعد موجة اللاجئين التي شهدتها ألمانيا قبل سنتين، وما رافق ذلك من ردود فعل مختلفة في المجتمع الألماني، من بينها ظهور حركات مناهضة للاجئين والمسلمين مثل حركة بيجيدا (القوميون الأوروبيون ضد أسلمة الغرب).

وبشكل غير مسبوق في تاريخ ألمانيا الحديث، ينجح حزب يميني شعبوي أيضا في تبوؤ مكانة متقدمة في المشهد الانتخابي الألماني، وهو حزب "البديل من أجل ألمانيا". فهذا الحزب الجديد الذي تأسس سنة 2013 يحتل المركز الثالث في استطلاعات الرأي التي تسبق الانتخابات بعد الحزب المسيحي الديمقراطي بزعامة المستشارة أنجيلا ميركل والحزب الاشتراكي الديمقراطي بزعامة مارتن شولتز.

حزب "البديل من أجل ألمانيا" غيّر توجهاته الأساسية، فتحول من معارضة سياسة إنقاذ اليورو التي اتبعتها ألمانيا مع اليونان وغيرها من البلدان الأوروبية المتضررة من الأزمة الاقتصادية، إلى التركيز على المهاجرين والإسلام والمطالبة بإغلاق أبواب ألمانيا في وجه اللاجئين. ويؤكد الحزب في برنامجه الانتخابي أن الإسلام "لا ينتمي إلى ألمانيا." ويطالب بمنع ارتداء الحجاب في الوظائف العمومية. ويقول أيضا إنه يجب منع الحجاب في المؤسسات التعليمية وحظر النقاب كليا في الأماكن العامة. علاوة على ذلك، يطالب الحزب أيضا بحظر المآذن وصوت الأذان، بالإضافة إلى منع تدريس الإسلام في المؤسسات الحكومية.

وفي شرق ألمانيا، حيث نسبة البطالة أكثر ارتفاعا من غيرها، ظهرت في العامين الأخيرين حركة مناهضة للمهاجرين وللمسلمين، عرفت باسم بيجيدا، وقامت هذه الحركة بتنظيم مظاهرات للمطالبة بقوانين أكثر تشددًا فيما يتعلق باستقبال المهاجرين، خاصة المسلمين منهم. لكن في المقابل كانت تخرج مظاهرات مضادة يفوق عددها عدد حركة بيجيدا، تؤكد أن ألمانيا بلد منفتح على كل الثقافات ويضمن حرية الاعتقاد لكل شخص مهما كان دينه أو جنسه. فهل يمكن القول إن المناخ السياسي والاجتماعي الحالي في ألمانيا يشهد فعلا تصاعدا لموجة العداء ضد المسلمين والمهاجرين بشكل عام؟

تزايد موجة العنصرية

الخبير في قضايا الاندماج ومستشار وزير الداخلية الألماني في مؤتمر الإسلام، سامي شرشيرة، يرى فعلا أن موجة العداء ضد العرب والمسلمين في ألمانيا في تصاعد، ويقول في حوار مشترك أجراه موقع "التحرير" و"DW عربية: "للأسف لم تفلح الأحزاب الألمانية الرئيسية في الحيلولة دون دخول حزب (البديل من أجل ألمانيا) إلى البرلمان المقبل، فاستطلاعات الرأي تقول إن الحزب سيحصل على أكثر من عشرة في المائة من الأصوات في الانتخابات المقبلة".

ويرى شرشيرة أن هذا الحزب يشكل تهديدا مباشرا للمسلمين والمهاجرين، خاصة أن من أساسيات برنامجه الانتخابي تضييق الحريات على المسلمين ومنع اللاجئين من دخول البلاد.

ويضيف الخبير الاجتماعي: "هناك مؤشر آخر على خطورة هذا الحزب وتأثيره على المناخ العام بالنسبة للمسلمين، فهو يدفع الأحزاب الأخرى إلى تشديد مواقفها تجاه المهاجرين حتى لا تخسر بعض الأصوات لصالح حزب البديل".

وقدم شرشيرة مثالا عن التمييز الذي بدأ يتعرض له المهاجرون في ألمانيا، بالقول إن "ثلاثمائة طالب مغربي منعوا من الالتحاق بالجامعات الألمانية، على الرغم من توافر جميع الشروط المطلوبة وانطباقها عليهم".

ويوضّح شرشيرة أحد الأسباب التي تغذي الأجواء العدائية ضد المهاجرين في ألمانيا بالقول: "هناك ملايين من الألمان الشرقيين يعانون بدورهم من مشكلات اجتماعية واقتصادية بعد توحيد ألمانيا الغربية والشرقية، ولم يتمكنوا بأنفسهم من الاندماج بشكل كامل في المجتمع الألماني. ففي شرق ألمانيا مظاهر العنصرية تظهر بشكل يومي تقريبا. وهذا الأمر يؤدي إلى تغيير ملامح البلاد في الوقت الحالي وربما بشكل أكبر في المستقبل".

وإذا كان الخبير الألماني من أصول مغربية يجزم بتنامي ظاهرة العداء ضد الأجانب والمسلمين في ألمانيا، خاصة في شرق البلاد، فكيف ينظر المسلمون والمهاجرون أنفسهم إلى الموضوع؟

داخل مقهى شعبي بحي إيلر شتراسه، أو الحي المغاربي كما يسمى هنا في مدينة دوسلدورف الألمانية، يجلس شاب مغربي في عقده الثالث، يقول: "بالنسبة لي، لم أتعرض قط لعمل أو سلوك عنصري. زوجتي ألمانية وأشتغل طوال اليوم إلى جانب الألمان، وأعامل باحترام، ولم أشعر بأي فرق في الآونة الأخيرة".

غير أن شابة فلسطينية مقيمة في مدينة بون، لها رأي آخر، إذ اعتبرت في تصريح لـ"التحرير، وDW عربية"، أنها تعاني من مضايقات أحيانا في وسائل النقل العامة بسبب ارتدائها الحجاب، مؤكدة أن مظاهر العنصرية تزايدت بعد الأحداث الإرهابية الأخيرة. وتطالب الشابة العشرينية بعدم وضع المسلمين في خانة واحدة مع المتطرفين والإرهابيين.

الأحزاب الألمانية الرئيسية وحريات المسلمين

أما بخصوص موقف الأحزاب الألمانية الكبرى، وفي مقدمتها الحزب المسيحي الديمقراطي بزعامة المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، ومنافسها زعيم الحزب الاشتراكي الديمقراطي، مارتن شولتز، من الأصوات المناهضة للمسلمين والأجانب، فهي واضحة وترفض التضييق على حرياتهم. فقد أعلنت المستشارة الألمانية موقف حزبها من الشعارات التي يطلقها حزب "البديل من أجل ألمانيا" صراحة. وأكدت أن حرية العقيدة مكفولة في الدستور الألماني، كما قالت أكثر من مرة إن الإسلام جزء من ألمانيا. وزادت المستشارة على ذلك، قبل أيام من إجراء الانتخابات، بأنه في حال فوزها ستضمن بأن لا يتم وضع حد سنوي أقصى للاجئين يبلغ مائتي ألف لاجئ فقط.

ويتفق شولتز مع هذا الطرح، لكن بصورة مختلفة، حيث دعا إلى حل أزمة اللاجئين ضمن نطاق الاتحاد الأوروبي، وهو بذلك يريد أن يرمي الكرة في ملعب أوسع من ألمانيا. وقال بهذا الخصوص: "ما نحتاج إليه هو قانون أوروبي للهجرة واللاجئين، وقد أظهرت لنا الأزمة أنه لا يمكن حلها على الصعيد الوطنى فحسب، بل لا بد من حلها أوروبيا".

بدوره رفض الحزب المسيحي الاجتماعي، شريك ميركل في التحالف الانتخابي، دعوات "البديل من أجل ألمانيا"، لكنه طالب بحد أقصى لدخول اللاجئين كل عام. ومن قبله بدأ حزب الخضر منذ فترة انتهاج سياسة التنوع في محاولة لدمج اللاجئين، وهو ما يعني أن "البديل من أجل ألمانيا"، يقف وحيدا وربما معزولا بسبب دعواته المتشددة.

وتجدر الإشارة إلى أن عدد المسلمين في ألمانيا يقدر بنحو خمسة ملايين شخص، من بينهم أكثر من مليونين يحق لهم التصويت، وهي نسبة ليست بالكبيرة في ألمانيا التي يتجاوز عدد سكانها الثمانين مليون نسمة، إلا أن المسلمين في هذا البلد الأوروبي يمكنهم، من خلال توحيد مواقفهم واندماجهم الفعلي في المجتمع الألماني، المساهمة في تغيير انطباع الكثيرين عنهم، وبالتالي قطع الطريق أمام المجموعات والأحزاب اليمينية الشعبوية التي ترغب في ركوب موجة اللاجئين والإسلام والإرهاب، من أجل تحقيق مكاسب انتخابية ولو على حساب قيم التعايش والمساواة التي جعلتها ألمانيا مبادئ أساسية في دستورها منذ عقود طويلة.