loading...

ثقافة و فن

شهاب الخشاب يكتب «الفهامة 72».. «الأساطير»

الفهامة

الفهامة



إيه قصة النبي إبراهيم؟ كان يا ما كان، في قديم الزمان، نبي صالح متجوز سارة وهاجر، سارة الكبيرة ووالدة الابن الصغير إسحاق، وهاجر الصغيرة ووالدة الابن الكبير إسماعيل. في يوم من الأيام، ربنا سبحانه وتعالى طالب إبراهيم بإنه يضحي بابنه، وعشان إبراهيم مؤمن إيمان شديد بربه، أخذ ابنه وطلع فوق الجبل، وقبل ما يطعنه بسكينته، وقّفه ربنا سبحانه وتعالى، وبدل ما يموت ضناياه، لقى خروف يذبحه، ومن ساعتها بقينا نضحي بالخرفان عشان نفتكر غفران الله.

قصة النبي إبراهيم أسطورة (mythe) بمعنى عالم الإنسان الفرنسي كلود ليڤي ستروس. في كتاباته الغزيرة عن الأساطير، ومن ضمنها كتب قد القواميس اسمها "الأسطوريات" (Mythologiques)، حاول عالم الإنسان إنه يحلل أساطير شعوب أمريكا الشمالية والجنوبية الأصليين، بافتراض إن لهم أساطير كثيرة مشتركة وشبه بعضها في بنيتهم. ليڤي ستروس ماحللش الأساطير مجرد كمجموعة من الخرافات زي في المفهوم السائد، إنما كنصوص بتعبّر عن تفكير الناس وبنية لا وعي مجتمعهم.

حسب ليڤي ستروس، الأساطير لها بنية، إنما عكس تفكير بارت في بنية القصص (يعني إيه قصص؟)، ليڤي ستروس كان شايف إن البنية دي مابتبانش في وعي الناس اللي بيحكوا وبيسمعوا الأساطير. البنية دي بتبان في المقارنة بين نسخ الأسطورة المختلفة واستنتاج التناقضات اللي جواهم والاختلافات بينهم والتحولات اللي أدت بين نسخة والثانية. مساحة التناقض والاختلاف والتحول أهم من قصة الأسطورة في حد ذاتها، لأن القصة بتتغيّر حسب المكان والزمان اللي بتتقال فيها، لأن الأساطير في رأي ليڤي ستروس بتبقى دايمًا متقالة قبل ما تبقى مكتوبة.

فممكن نعتبر إن قصة النبي إبراهيم أسطورة، بمعنى إنها قصة كانت بتتقال قبل كتابة التوراة والإنجيل والقرآن، والقصة فيها تناقضات واختلافات وتحولات نقدر نحللها في نسخ مختلفة. اللي قرأ كويس هيلاحظ إن في القصة اللي حكيناها في أول المقال، ماتقالش بوضوح مين الابن اللي ربنا سبحانه وتعالى أمر بتضحيته. في التراث اليهودي والمسيحي، الابن ده هو إسحاق بدون شك، إنما في النص القرآني، النقطة دي مش واضحة، وفيه جدال طويل في تاريخ الإسلام عن هوية الذبيح الصحيح، واستقر الأمر إن الابن ده إسماعيل في الثقافات الإسلامية الحديثة.

الفرق ممكن يبدو بسيطًا، إنما بيعبّر عن اختلاف تام في التعامل مع أسطورة النبي. أولاً في بنية الأسطورة فيه تناقض واضح بين زوجة إبراهيم الأولى والزوجة الثانية. سارة قريبته المرتاحة بينما هاجر جارية أجنبية، وإنما سارة ماقدرتش تخلف لإبراهيم، فاتجوز هاجر عشان ربنا يكرمه بإسماعيل، ثم ربنا كرم سارة بإسحاق. يعني وضع الولد الأول والثاني مش بس مختلف عشان واحد كبير والثاني صغير، إنما كمان عشان فيه تناقض بين وضع سارة ووضع هاجر بالنسبة لإبراهيم. 

لذلك لما ربنا سبحانه وتعالى بيطالب بتضحية إسحاق في الرواية اليهودية والمسيحية، فيه اعتراف ضمني بإن إسحاق هو الولد الأهم، لأنه ابن الزوجة المكرمة القريبة من إبراهيم، واتولد بعد انتظار طويل، عكس إسماعيل اللي جاه في ساعتها في بطن الجارية الأجنبية. في المقابل، الاعتراف الضمني في الرواية المسلمة إن إسماعيل هو الأهم، لأنه الابن البكري أيًا كانت الأم، وإبراهيم هيتجرح أكثر من تضحية ابنه الأول لأن هو اللي هيكمل اسمه وسلالته. في الحالة دي التناقض بين وضع الأمهات مالوش أهمية قد التناقض الزمني بين الصغير والكبير.

في منهج ليڤي ستروس، مش مهم إننا نصدق الأساطير أو نفهم مضمونها الأخلاقي: الأهم هي الفروق والتحولات الموجودة بين كل نسخة والثانية، وتأثير الفروق دي في فهمنا للناس اللي بتحكيها وبتسمعها. بين قصة إبراهيم عند اليهود وقصته عند المسلمين، الفروق بتعبّر عن تفكير بيختلف بين الشعوب، تفكير بيعزز دور الأم ووضعها الاجتماعي من ناحية وتفكير مابيهتمش إلا بالابن والسلالة من ناحية ثانية. طبعًا التحليل ده ممكن يقابل انتقادات كثيرة، من ضمنها إنه بيكبّر دور المحلل في اكتشاف بنيات فكرية ماحدش غيره قادر يكتشفها، وبيعتبر الأساطير فقط كنصوص مش كممارسة اجتماعية. 

وإنما في إطار إننا بنشوف الأساطير كنصوص وبنعتمد على إن المحلل كويس، ليڤي ستروس أسس طريقة تحليل مهمة لأنها مابتفرّقش بين الأساطير والتفكير. الأساطير مش حكايات خرافية عند شعوب بدائية ووحشية بالمقارنة بالحكايات العقلانية عند الشعوب الحديثة. الأساطير في حد ذاتها منطقية، وبتقدم طريقة تفكير مميزة وموازية للتفكير الحديث. جوة كل أسطورة فيه تناقضات واختلافات وتحولات بتربطها بأساطير ثانية، والتفكير الأسطوري بيشكل بنيات فكرية في اللا وعي بتسمح بالربط بين الأساطير. وبالمعنى ده الأساطير مش مجرد قصص زي قصة النبي إبراهيم، إنما طريقة تفكير في العالم بتتجسد وبتتركب في القصص.

يعني الأساطير بتفكر جوة الناس قبل ما الناس تفكر في الأساطير.