loading...

مشاهير

كمال الطويل.. اكتشف «العندليب» وتراجع عن اعتزاله لسبب غريب

كمال الطويل

كمال الطويل



الفن والموسيقى من الملامح التي تميز الهوية المصرية عما دونها، فلطالما كانت الأغنيات انعاكسا لكل عصر، من حيث سرعة الألحان وكذلك آلات العزف الشائعة في كل وقت، وعليه واجهت الموسيقيين تحديات التجديد والمواكبة، فمنهم من اعتزل رفضا لروح التجديد، أو ربما عجزا عن تحقيقها، ومنهم من صمد عبر العصور بعد أن تمكن من تغيير جلده وفهم متطلبات الجمهور في كل مرحلة، وبالطبع تعد تلك عبقرية فريدة ومعادلة صعبة، نجح القلائل من الموسيقيين في حلها، وكان منهم الملحن الراحل كمال الطويل، الذي لحن لعمالقة الخمسينيات والستينيات مثل أم كلثوم وعبد الحليم حافظ، وكذلك قدم لحن أغنية "علّي صوتك بالغنا"، للفنان محمد منير في عام 1997.

_640x_c46f8cff75a134c9abedb0afc0ff1168a9261a5e8d4537fec301c5375fd87445


في لقاء إذاعي نادر تحدث العندليب الأسمر، عبد الحليم حافظ، عن شغف كمال الطويل بالموسيقى، فقال إنه من شدة حب "الطويل" للتلحين كان يقوم بتلحين اسمه بعدة طرق، وذلك حينما لا يجد كلمات جيدة لتلحينها، فقد كان الملحن الراحل يقيس كلمات الأغاني المعروضة عليه بقلبه أولا، فإذا استشعر قبولا تجاهها، وتخيلها بشكل مبدئي من حيث الجمل اللحنية، على الفور يقوم بتلحينها.

_640x_c64abcd235a0900669e44dbec7154b22ee6a96d8fb51c5aaaf98af1235d8bd92

الملحن المولود في مدينة طنطا يوم 11 أكتوبر 1922، نشأ في كنف عائلة وفدية عريقة، ورغم ذلك عانى "الطويل" من الحرمان، خاصة بعد وفاة والدته حزنا على زواج والده من سيدة أخرى، وبعد وفاة الأم أرسله والده إلى مدرسة "الأورمان الداخلية"، لكن تلك الظروف القاسية لم تؤثر على ميوله الفطرية للشعر والموسيقى، والتي ورثها عن والده، الشاعر المشاغب في فترة الشباب، واجه الاحتلال الإنجليزي بنشيد "يا عم حمزة".

_640x_056837a1186233c8af93d79988a0fd2cd5dbc2f88c1082d4f99f37eb61b666a3

وأثناء سفر والده في بعثة إلى إنجلترا، كان يصطحبه جده إلى سرادقات الإنشاد في مولد السيد البدوي ليستمع إلى الشيخ "مصطفى إسماعيل"، فراح الفتى يجتر مخزونه من الموسيقى والغناء ليستأنس بها في وحدته بالمدرسة الداخلية.

امتلك "كمال" صوتا جيدا أهّله ليكون المطرب الرسمي لمدرسته "محمد صلاح الدين"، ولكن سوء حالته المادية حال دون شرائه لـ"بدلة" لحضور الحفلات، فقرر هجر الموسيقى، واللجوء إلى ثاني مواهبه وهي الرسم، حيث عمل رساما في الأشغال العسكرية بالقوات المسلحة، يقوم بتصغير وتكبير الرسوم والخرائط، مقابل 12 جنيها شهريا، على أن يعيش في مدينة الإسكندرية، فسافر إلى هناك وسكن في "بنسيون" بسيط مقابل 4 جنيهات في الشهر، ووجد لديه الوقت الكافي للعودة إلى الموسيقى مرة أخرى.

_640x_cdeb10d3bba5c72fe9aa083e0377e6bd6705ed49949973dc92d5912ebf6524df

وفجأة قرأ عن "معهد جمجوم" لتعليم الموسيقى، فذهب إليه على الفور ودفع ثلاثين قرشا، المصروفات الشهرية، وانتظم في الدراسة بهذا المعهد لمدة أربع سنوات، وتتلمذ على يد المطربين الكبيرين "عبده السروجي، وعباس البليدى"، كان فى هذه الفترة قد تعرف على الملحن رؤوف ذهني "سكرتير الموسيقار محمد عبد الوهاب"، وساقته الظروف للسفر إلى القاهرة والمضي قدما على تحقيق حلمه في الموسيقى.

التحق بمعهد الموسيقى والمسرح في شارع "المبتديان"، وهناك التقى "عبد الحليم شبانة"، وقد لفت عبد الحليم نظر كمال الطويل، ونشأت بينهما صداقة وطيدة، ولكن "حليم" بذكائه وحساسيته الفنية اكتشف في "كمال" ملحنًا أكثر منه مطربًا فسأله ذات يوم: "لماذا لا تلحن؟"، واستحسن "الطويل" الفكرة وراح يبحث في أشعار والده عن قصيدة يبدأ بها مشوار التلحين واختار قصيدة تقول: "إلهي ليس لي إلاك عونا .. فكن عوني على هذا الزمان".

_640x_f5aebf075ebd8d3a12f46c51c72f4b110018a45a071a804309a52bfda73d5b8f

تخرج "كمال وحليم" في المعهد، وذهب "الطويل" ليعمل في الإذاعة، بينما عمل "حليم" مدرسا بالزقازيق مقابل 8 جنيهات، واستطاع "الطويل" أن يلحق صديقه بأوركسترا الإذاعة براتب قدره 25 جنيها، وكما اكتشف "حليم" ملكة التلحين لدى "كمال"، قام الآخر باكتشاف ملكة الغناء في "حليم" واستطاع اعتماده كمطرب بالإذاعة، ليقدم له على مدار تاريخه الفني 56 لحنا لأغان تنوعت بين الوطنية والعاطفية مثل: "بالأحضان، ابنك يقولك يا بطل، هاتلى نهار، وناصر يا حرية، وصورة، واحلف بسماها وبترابها، بلاش عتاب، جبار، على قد الشوق".

لم يقتصر تعاونه مع "حليم"، إذ قدم لحن أغنية "والله زمان يا سلاحي"، لكوكب الشرق "أم كلثوم"، والتي غنتها عام 1956 لتصبح نشيدا وطنيا حتى نهاية السبعينيات، بالإضافة إلى تعاونه مع "وردة" في أغنية "بكرة يا حبيبى" ومع فايزة أحمد في أغنية "أسمر يا أسمرانى"، ومع محمد قنديل في أغنية "بين شطين ومية" ومع ليلى مراد في أغنية "ليه خلتنى أحبك"، ومع سعاد حسنى التي لحن لها أغانى فيلم "خلى بالك من زوزو" ومن أشهرها أغنية "الدنيا ربيع" و"بمبى" إضافة إلى أغانى مسلسل "أنا وهو وهى".

جمعته علاقة طيبة بالمخرج يوسف شاهين، إذ قدم الموسيقى التصويرية لفيلمه "عودة الابن الضال"، وبعد اعتزاله بفترة طويلة تراجع عن قراره مجاملة لـ"شاهين"، حيث قدم الموسيقى التصويرية لفيلم "المصير" كما لحن أغنية "علّى صوتك بالغنى" التى قدمها الكينج محمد منير. 

اعتزال "الطويل" لم يأت كنوع من التراجع عن مواجهة ثورة التجديد التي ضربت أغاني الثمانينيات، وإنما كان قد صرح في حوار إذاعي بأنه "قرف من الوسط الفني"، وهو التصريح الذي لامه عليه العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ. وفي 9 يوليو 2003 توفي "الطويل" عن عمر ناهز 81 عاما.