loading...

مقالات

عودة محمود سعد

عودة محمود سعد


أسعدتني عودة محمود سعد ببرنامجه الجديد "باب الخلق" بعد أن غاب عن الشاشة عامين كاملين في ظروف شديدة الحساسية، قال الخبر إنه عائد بلا شروط، بعد أن ترددت أقاويل أنه رحل لأنه فرضت عليه شروط ربما البعد عن السياسة وربما الذهاب إلى الفن والترفيه أشبه بانتقال منى الشاذلي، ورغم أن محمود سعد له باع طويل في الصحافة الفنية وصداقاته وعلاقاته مع الفنانين ممتدة وودودة، وكان يقدم في برنامجه يوما فنيا كل خميس لإيمانه بأن الوجدان شيء مهم للنفس الإنسانية، وهو أحد طرق محاربة التشدد والتطرف بتنمية ذوق فني رفيع، بعيدا عن أخلاق البداوة التي منعت الفنون وادَّعت أنها دين وأوامر إلهية، فإنه كان يقدم خلطة متنوعة بين الدين والسياسة والاجتماع ومشكلات الناس.

محمود سعد له طلة مختلفة على الشاشة ربما لا يكون الأوسع ثقافة بين المذيعين، وربما لا يمثل الأكاديمية المهنية التي يمثلها مذيعو القنوات العربية أمثال "العربية والجزيرة وسكاي نيوز"، التي تقدم مادة للعالم العربي بشكل عام، ولكنه يمثل الخلطة المصرية بلغتها العامية البسيطة ويتمتع بدرجة عالية من الذكاء الاجتماعي، يكفي بسمته التي تقول الكثير عندما يأخذ تعليق أحد المسؤولين التنفيذيين المهمين، ويقول كلاما غير منطقي، فأحيانا ما يكتفي بالبسمة الماكرة، التي تنطق بما لا يستطيع اللسان التفوه به على الهواء، وأحيانا ما يتساءل راجيًا: لماذا لا يسمحون للمذيع بالقليل من الشتائم حتى يعبر عما في صدره؟ وأحيانًا يقول: اطلعوا فاصل عشان الواحد يشتم براحته، خمس سنوات كان يعبر فيها عن روح الثورة.

ربما يكون البرنامج الجديد أقرب للاجتماعي منه للسياسي، ولكن الاجتماع لا يستطيع الابتعاد عن السياسة، فعند الحديث عن مشكلات الناس الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية، فغالبًا ما تصطدم بالسياسة، فصحة الناس وتعليم الناس، ومشكلات الإسكان والخدمات كلها لها علاقة مباشرة بالسياسة.

في الأعوام الماضية خسر الإعلام إعلاميين مهمين مثل إبراهيم عيسى ويسري فودة وليليان داوود، ذهبت ليليان مؤخرًا إلى قناة "العربي" وسحبت معها بعض المشاهدين من محبيها، وذهب يسري فودة للدي دبليو، التي يكتب في موقعها الإلكتروني علاء الأسواني وعماد الدين حسين، وعلاء الأسواني الذي منعت ندوته نصف الشهرية التي كان يلقيها في فيلا المهندس ممدوح حمزة، ويقدم بلال فضل برنامجه على قناة العربي أيضا، ولم يكتف الإعلام بذلك بل أيضًا منع الضيوف المعارضين من الظهور على الشاشة، فأصبحت البرامج ماسخة، باهتة، لونا واحدا واتجاها واحدا، يريد المشاهد أن يرى الإثارة في البرنامج، الرأي والرأي الآخر، من يتحمل أن يجلس أمام الشاشة عدة ساعات في المساء ليرى رؤية واحدة، تبجيل النظام وتعظيم النظام والإشادة بإنجازات النظام والدفاع عن الحكومة بكل مؤسساتها وهيئاتها، وإن اعتاد قطاع من الشعب ذلك واستمرأه، فأنت بذلك لا تكتسب مشاهدين جددا، أن تحدث نفس القطاع يوميا ولا تزيده قناعة ولا تزيده وعيًا، وربما يسأم في النهاية ويذهب إلى القنوات الأجنبية لمشاهدة فيلم أو حتى الذهاب إلى قنوات الطبخ ليرى طبخة جديدة.

وهنا يطرح السؤال نفسه: هل رفعت الأجهزة يديها عن الإعلام وتركت مساحة أكبر للقنوات لزيادة مشاهديها، بعد أن أصبحت الجدوى الاقتصادية ضعيفة، لأنه بخسارة المشاهدين تخسر الإعلانات، أو حتى تخسر قيمتها العالية، فقيمة الإعلانات ترتبط ارتباطا طرديا مع زيادة المشاهدين، وشركة إبسوس التي كانت تقيم نسب المشاهدة وبناء عليه تقدر قيمة الإعلانات طردها النظام من مصر، لأنها أشارت إلى تراجع مشاهدة القنوات المصرية إلى قنوات "الشرق" و"مكملين" وغيرها من القنوات، لم تنجح "دي إم سي" ولا "أون" ولا غيرها من القنوات في ثوبها الجديد رغم ضخ المليارات لتنشيط تلك القنوات، ولكن ليس بالمال وحده تنجح القنوات، فاستوديو "أون تي في" الصغير السابق الذي كان يستضيف يسري فودة وباسم يوسف كان يحوز نسب مشاهدة تفوق كثيرا الاستوديوهات الفارهة وعظيمة التكلفة التي تقام الآن، أم أن القنوات نفسها أخذت المبادرة حرصا على مصالحها الاقتصادية المباشرة وآثرت أن تأخذ الريسك وتتحرك قليلا بعيدًا عن الخطوط، أم أن هذا الأوبشن لم يعد موجودًا وكل شيء بحسابات كثيرة شديدة التعقيد؟

هل من الممكن ونحن مقدمون على انتخابات رئاسية واتهامات دولية بهشاشة تلك الانتخابات والتخوف من عدم مصداقيتها وأن تكون أقرب للاستفتاء منها للانتخابات، وربما بعد اتهامات كثيرة من المجتمع الدولي في ما يخص حقوق الإنسان وما يخص حرية الكلمة وحرية النشر وحرية التعبير؟ هل شعر النظام بضرورة تغيير النمط والحركة بشكل محسوب تجاه التنوع والإثراء للفضاء الإعلامي، وأن النفاق المبتذل الذي يقدم من بعض القنوات الآن يضر أكثر مما ينفع، خاصة أن الإعلام المناهض يستغله يوميا للسخرية والتندر ليتصدر الهاشتاجات كمادة للتندر والسخرية، ليس كمادة جادة، وفكرة حديثة، أو افتكاسة مثيرة؟

كيف لإعلام تستقطع فقراته يوميا للسخرية والتندر أن ينجح في تلك الفترة الحرجة؟

أتمنى أن تكون لحظة استفاقة وتكون خطوة من مشوار ممتد لإعادة الإعلام المحلي إلى حيويته، فله دور هام لمواجهة الإرهاب، ولن يواجه الإرهاب وهو إعلام التطبيل والنفاق المبتذل، لا بد أن تعود له جديته ومصداقيته في البداية ليكون مساعدًا للدولة لاحقًا في مواجهة الإرهاب، فالمزايدات ليست حلا في مواجهة الإرهاب ولكن الموضوعية والمصداقية هما الطريق الأكثر سلامًا وأمانًا لمواجهة التطرف والإرهاب عن طريق المنصات الإعلامية.

حتى لا يكون النظام وحيدًا في المعركة، لا بد أن يستعيد اللُّحمة الشعبية والسياسية التي فقد جزءًا لا يستهان بها في المرحلة الماضية، وهذه تحتاج إلى أمور كثيرة أولها الانفتاح الإعلامي الذي أغلق في الفترة الماضية.